محكمة (النساء) العربية لمناهضة العنف ضد المرأة، الطفولة بين فكي الحرمان والتهديدات

الطفولة .. غرسة لابد لها من بيئة غنية صحية, لتنمو وتثمر مستقبلا يزهو بالامل, الذي يولد مباركا, وهو خلاصة كفاح شاق طويل مسؤول سبقه.ان الدارس لحقوق الانسان, وفي مقدمتها حقوق الطفل, لابد ان يدرس نمط التنشئة وجوانب النظام التعليمي الذي يتلقاها الاطفال في هذا العالم, وفي جزء مهم منه هو وطننا العربي . في هذا الاطار, ندرك بأسف شديد وعميق, ان الواقع الذي يعيشه اطفالنا, متهم بتوجيه وعي الطفل توجيها مشوها يحاصر شخصيته الفتية, ويشكل مؤامرة مخططة لاجهاض المستقبل العربي, وذلك التشويه الذي ينتج عنه قصور وضعف في الامكانيات الاقتصادية والفنية في المجتمع العربي, وبذلك يغدو عاجزا عن توفير احتياجات الاطفال للغذاء والدواء والمسكن والملعب والمدرسة. وندرك ان اهمال الطفل في بلادنا العربية, بل في عموم بلدان العالم الثالث, المحاصرةبقوى طاغية وظروف قاسية, يخالف تعاليم السماء, وتعاليم الفكر الانساني الخيرة, ففي مصر القديمة مثلا, كان يتردد بين الناس ان روح المتوفى عندما يحاسبها الله تعالى, تقول: ( اني لم اغتصب لبنا من فم طفل). كما وردت في القرآن الكريم والانجيل توصيات بوجوب الاهتمام بالطفل والحفاظ على حياته وحقوقه .. وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ربه سبعا, وعلمه سبعا, وادبه سبعا), وفي هذا الامر النبوي الحكيم دليل واضح لحق الطفل على والديه ومجتمعه. تذكر الاحصائيات ان عدد الاطفال في الوطن العربي يتجاوز نسبة الـ 40% من مجموع السكان .. وهذه النسبة من المخلوقات الفتية العربية تعاني حرمانا ظاهرا بقسوة ففي مصر مثلا, ( وهي اكبر دولة عربية في حجم السكان), تحتل برامج الاطفال 5.1% من خريطة برامج التلفزيون المصري, وفي المملكة العربية السعودية تحتل نسبة 14% .. فهل تتناسب هذه البرامج مع نسبة الاطفال قياسا مع السكان؟. ويمكن ان نلمس بوضوح رداءة نوعية البرامج المقدمة الى الطفل العربي, وهي في معظمها ترفيهية لاتهتم كثيرا بتثقيف الاطفال وتعميق صلتهم بالمجتمع .. كما انها لاتراعي تنوع بيئات الطفل, فهي عادة تخاطب اطفال المدينة, واخطر مافي الامر ان معظم برامج الاطفال التي تبثها اجهزة التلفاز العربية منتجة في الغرب, وهي ودون شك ـ تسعى الى تكريس قيم غربية مخالفة لقيمنا الروحية والوطنية والقومية, بل وتؤدي الى اشاعة ظاهرة التبعية واثارها الضارة, في حين نجد ان برامج التلفزيون العربية المحلية ضعيفة, ومحددة فنيا وتقنيا, فضلا عن انها تابعة ملحقة بمنط البرامج الغربية. اذن .. فقد آن الاوان لاعلان ميثاق حقوق الطفل العربي, الذي يتضمن سمات المواطن العربي الصالح, في ضوء التراث الثقافي والاجتماعي للوسط الذي يعيش الطفل في ظله. ولو وقفنا قليلا مع اطفالنا في بعض دول الخليج العربي, لرأينا في هذه الاجزاء العزيزة من وطننا العربي الكبير, ان اطفالنا مهددون في قواهم الوجدانية, وفي انتمائهم الروحي .. وفي عمق هويتهم العربية , فالاهمال والجهل واعتماد المربيات الاجنبيات الموكلة اليهن رعاية الاطفال المسلمين العرب, اضافة الى برامج التلفزيون الاجنبية .. كل تلك سموم تلوث الأفكار والقلوب. أما اطفالنا في المغرب العربي, فهم ضحايا برامج البث الاجنبي من محطات خارجية في جنوب اوروبا .. تلك البرامج التي تلتقطها محطات التلفزيون العربية المحلية, ولاتستطيع التحكم بها. هنا .. نستطيع ان نتصور التأثير السلبي الهائل لهذه الثورة الاتصالاتية الخطيرة على اطفالنا عقلا ووجدانا, وعلى عاداتهم الاستهلاكية, وعلى رموزهم البطولية والاسطورية. ان هذه التهديدات الاعلامية في حقيقتها , لاتقل خطرا وتدميرا عن تهديدات الجوع والفقر والحروب واخطارها, فإن ظل الحال هكذا, فلابد ان نفاجأ بجيل عربي مقطوع الجذور, مسلوب الارادة يتبنى مسعى غربيا مرجعيا يستمد اشاراته ورموزه من ذلك الاطار المشبوه. نقف مرة اخرى .. ونتأمل اطفال العالم الثالث في مرايا ( اليونسيف) المنظمة الدولية للطفولة, اننا نرى في مراياها الواضحة طفولة بائسة تعاني حرمانا شديدا, بسبب الحاجة الماسة الى الغذاء والدواء والملبس والمسكن والمدرسة والامان .. وهي وسط بلدان غنية بمواردها الطبيعية والبشرية, لكنها فقيرة برأسمالها من الكفاءات اللازمة لاستغلال تلك المواد والثروات استغلالا مفيدا .. لقد صدقت المقولة: (ان اكثر انواع رأس المال قيمة .. هو رأس المال الذي يستثمر في الانسان), ذلك ان طفولة الانسان هي من اهم المراحل العمرية, وان الانسان هو نتاج البيئة التي يعيش فيها. ويرى الباحثون في (اليونسيف) ان بؤس الطفولة في العالم الثالث يشعرهم ـ الاطفال ـ بافتقاد السند, ويؤدي بهم الى الرفض والتخلف الاجتماعي, وتشير بحوثهم الى ان 80% من الاحداث المنحرفين ينتمون الى اوساط فقيرة بائسة, كما تشير بحوث اخرى الى ان اطفال العالم الثالث, وبضمنهم اطفال الوطن العربي, يعانون من تخلف في النمو العقلي, والنمو الجسدي, بسبب تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية لاسرهم المثقلة باعباء الحياة الشاقة, والظروف المعيشية السيئة. وعلى امتداد الرقعة الجغرافية للعالم العربي, يعيش ما يقرب من 100 مليون طفل, ويولد سنويا من الاطفال الاحياء مايتجاوز الـ 8 ملايين طفل عربي, الا ان الحياة لاتكتب للجميع, بل يموت منهم مليون طفل سنويا, وهم دون سن الخامسة. وبالنسبة للعراق, فان الاحصائيات تشير الى ان الحالة الغذائية للاطفال دون سن الخامسة قد تأثرت بشكل مرعب, وعادت بعض الامراض الانتقالية التي كانت قد انتهت الى الظهور ولم يتوقف تأثير الحصار على البدن بل تعداه, فالكثير من الاطفال والامهات يعانون من امراض نفسية بسبب القصف الصاروخي والقاء القنابل على الاحياء السكنية والمدارس والمستشفيات, مما خلق حالات من الذعر والكآبة والاجهاض والولادة المبكرة والتشوهات الخلقية الناتجة عن استخدام انواع معينة من القنابل التي تخلف انفجاراتها غازات تؤثر على سلوكية الانسان ونشاطه. وازاء هذه الطفولة المضغوطة بين فكي الحرمان والتهديدات, لابد من وضع مؤشرات لمعالجة هذه الحالة, وبناء جيل جديد ومعافى على امتداد الساحة العربية .. ومن جملة هذه المؤشرات: 1ـ معالجة المشكلات الاجتماعية, كتدبير السكن الملائم الذي يتسع لحجرة خاصة بالاطفال. 2ـ القضاء على البطالة. 3ـ تحقيق العدالة الاجتماعية. 4ـ رفع مستوى معيشة الاسرة, وتحسين أحوالها الاجتماعية. 5ـ تنمية قوى المقاومة لدى الاطفال ازاء القلق الاجتماعي والاقتصادي .. فالحرمان من الحب الكافي يعرض مستقبل الطفل الى الفشل, لفقدانه القدرة على الصمود امام المواقف الطارئة. 6ـ توفير الراحة .. وتغيير البيئة من خلال السفر والرحلات. 7ـ تجاوز التقاليد السلبية, واكتساب القيم المتجددة التي تنسجم مع الحياة العصرية. 8ـ نهوض وسائل الاعلام كافة بزيادة برامج الاطفال, وملاحظة نوعياتها. 9ـ احترام ابداعات الاطفال, وتعميق الاهتمام الفعلي بمعالجة مشاكلهم اليومية. 10ـ ابعاد المربيات الاجنبيات, والزام الامهات العربيات بتربية اطفالهن تربية عربية اسلامية. 11ـ رفع الحصار عن شعب العراق, والتزام الدول العربية والاسلامية بتقديم الدعم لانقاذ الاطفال العراقيين, وعموم الشعب العراقي. بغداد ـ رشيدة العكيلي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات