لم تسقط فقط بنايات موسكو في التفجيرات الخمسة الأخيرة, بل تداعت معها جدران الامن الروسي وتناثرت مع اشلاء الضحايا والغبار اسئلة كثيرة تحاول السلطة الروسية جهودها طمس اجوبة بعضها, والبحث عن اجوبة لبعضها الآخر, وهي في كل ذلك الحدث الذي زلزل كيان الروس مازالت في غيبوبة.والحقيقة الوحيدة التي يمكن تشخيصها بين الخلطة الغريبة للاحداث الموسكوفية هي ان هذه التفجيرات جاءت بعد ان تولى فلاديمير بوتين رئىس ؟ اذ لايجدر ان يتداعى الامن الروسي في عهد رئيس للامن وتتخبط الحكومة ضائعة بين حقائق مفبركه وحقائق مطموسة. اول رد فعل للروس على الانفجارات كان اتهام الداغستانيين, الامر الذي قد يبدو معقولا لوهلة بسبب المواجهات الحالية وقضية استقلال داغستان وذهب الروس الى نشر اسماء متورطين في هذا الامر مثل شامل باساييف الذي اتهم بدخوله من الاراضي الشيشانية المجاورة لروسيا ليقوم بالتفجيرات, ثم خطاب وهو قائد اسلامي من اصول اردنية. ومع استمرار سلسلة التفجيرات بدت القوات الامنية اكثر من عاجزة لحل لغز التفجير, ورغم انها صرحت بعثورها على 50 عبوة ناسفة, وابطالها, الا انها لم تكن سوى محاولة لحفظ ماء الوجه الذي اسقطته الاحداث اللاحقة. طالت التفجيرات في اقل من عشرة ايام علاقة الدوما ويلتسين التي كانت قاب قوسين أو ادنى من التفجير, فانبرى قادة الدوما مطالبين يلتسين بأجوبة عما افضت اليه تحقيقات رئيس وزرائه الامني موجهين اللوم للحكومة الروسية التي شلت حسب تعبير احد اعضاء الدوما, وباحثة عن دليل فيما وجهته الحكومة من اتهامات. (كان يفترض بالحكومة ان تنطلق بعد عشر دقائق من اول انفجار في الرابع من سبتمبر, وان تنطلق على ارضية واثقة وبخطوات ثابتة لاخطوات بعثرتها الزلازل) قال جيناوي زيوجانوف رئيس الكتلة الشيوعية مشيرا الى ان الدولة قد شلت هي وقوانينها فلم تعد مجدية. وزيوجانوف معروف بعدائه الشديد ليلتسين وقد ذهب الى ابعد من ذلك فقال: (لو ان موسكو احسنت ادارة الازمات مع حكومة مستقرة لكانت قد انهت كل حالات الطوارىء المعلقة منذ سنين, لكن يلتسين اصر على خطواته المهزوزة والتي لايبدو انها ستتوقف عن الرقص الا في منتصف عام 2000. وصب عمدة موسكو هو الآخر لومه على الهجوم الاخير للحكومة ضد الشيشان مشيرا الى ان الحكومة تمسح الدم بالدم.. ومع الاصوات الروسية المتصاعدة والتي اطلقتها بنايات موسكو العتيدة المتساقطة, تصاعدت الازمة مسفرة عن ضعف اداري روسي بذل يلتسين جهده ليجمله مثلما يجمل وجها ميتا. فمبررات حكومته في اتهام خطاب وشامل لم تكن مقنعة ولم يكن لدى الحكومة دليل على تورط الاثنين سوى اعتقادات بوتين ورئيسه, خاصة وان شامل وخطاب ردا على اتهام الحكومة بالنفي, بل ان خطاب ذهب للقول: انه لن يهاجم نساء واطفالا يتامى لكنه ان اراد الهجوم فسيواجه جنودا. ودفعت الاتهامات اصلان مسخادوف الى الاعلان بان روسيا تريد حجة لبدء الحرب من جديد مع الشيشان, ولم يذهب مسخادوف بعيدا. فروسيا لم تجد مبررا سوى توريط الشيشان في الحرب ضد داغستان رابطة ذلك بالتفجيرات الاخيرة لتقصف الحدود الشيشانية وتنسف بذلك اتفاق وقف اطلاق النار الموقع بينهما عام 1996, ولتنسف ليبيد المرشح للرئاسة ولكنها كانت كالضارة النافعة, فقد اعطته فرصة اخرى ليبرز كمفاوض مقترح لحل الازمة مع داغستان والشيشان من جديد. ومع اصلان نفى شامل باساييف وخطاب ضلوعهما في اي عمل ارهابي مشيرين الى ان روسيا تحتاج لبرنامج ساخن لحل مشاكلها الداخلية وصراعها حول السلطة. بذلك وجه الشيشانيون والداغستانيون اصابع الاتهام من جديد الى المتصارعين حول السلطة, كأنما تلمح الاشارة الى ان المقصود بذلك هو احراق اقدام بوتين قبل ان يخطو نحو كرسي السلطة خلفا ليلتسين. هذا التصعيد السياسي زاد من تخبط الحكومة واجهزتها الامنية فقبضت على ذوي الاصول القوقازية وهم يخدمون اسواق غذائها وخضرواتها في موسكو والقت احد عشر الفا منهم في المعتقلات, ولم تجرؤ على التصريح باتهامهم بالضلوع بالتفجيرات او علاقتهم بها, بل لانهم وفق مصدر في الشرطة ذوو بشرة داكنة ومن اصول قوقازية. من الصعب فصل (الاشاعة عن الحقيقة) , لم يجد رئىس بوليس موسكو جوابا افضل منه للصحافة عن حملات الاعتقال, وكان هذا الجواب كارثة برأي السياسيين, فروسيا التي دوخت امريكا بحرب الجواسيس ماعادت تفصل بين اشاعة وحقيقة, وربما لذلك استدار بوتين نحو كاميرا التلفزيون ذات لقاء قريب بعد احد الانفجارات وناشد المواطنين بحماية انفسهم, قال: (احموا انفسكم) . وفي خطوة وصفها المراقبون السياسيون بأنها تخبطات ثمل أو سكرات موت توجهت روسيا للبحث عن متهمين في اسامة بن لادن وربطته بالمخابرات الباكستانية التي تتخذ بن لادن غطاء لها في دعم الارهابيين وفق الروس, وبلا دليل ايضا.. الامر الذي دفع الامريكان لاسناد الروسي العجور الموشك على التهاوي من كرسي لم يعد صلبا كما كان. كلينتون قدم دعمه للروس لمحاربة الارهاب وحفظ الامن وماء الوجه, ومكتب تحقيقاته الفيدرالي وضع وكالاته تحت تصرف الوفد الدولي الذي زاره للامر نفسه. دلائل كثيرة معلنة وغير معلنة تشير الى ان الصراع على الكرسي قد يكون سببا مهما يلمح اليه السياسيون دون افضاء باسم ما, ونقطة للبدء في البحث عن الحقيقة. الضربة التالية, قد تفجر الادلة على تورط يلتسين ومساعديه في فضائح كثيرة ليس اولها غسيل الاموال التي يحاول الروس تسويتها مع الامريكيين, وقد تفجر المطالبة بتركة كرسي الرئاسة والتعجيل بالانتخابات, وقد توقظ روسيا النائمة على جبل الجليد, لكن الامر الاكيد هو ان زلزالا خطيرا يهز الحياة والسياسة الروسيتين ويهز معهما كرسي الرئاسة.. خلطة لايجيدها سوى من يريد ان يؤجج في قلب آسيا بركانا آخر ليطمئن على ان روسيا قد قضت الى الابد. كتبت ـ لهيب عبدالخالق