تشهد الكويت حاليا وقائع صراع بين الجماعات الدينية وعدد من الأكاديميين والمثقفين, بعد ان أعادت المحاكم استئناف النظر في قضايا مرفوعة ضد استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت أحمد البغدادي والأديبة ليلى العثمان بتهمة كتابة الأول مقالا في نشرة جامعية عام1996تعرض فيه الى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع كفار مكة , الأمر الذي دفع اثنين من أئمة المساجد الى رفع دعوى قضائية ضده اتهماه فيها بالاساءة الى مقام النبوة والتطاول . وأدانت محكمة أول درجة البغدادي وحكمت بسجنه ستة اشهر وتغريمه مائة دينار مع وقف التنفيذ, فطعن في الحكم أمام محكمة الاستئناف. وصرح المحامي عبدالكريم جاسم الذي يترافع عن البغدادي انه كان من واجب النيابة حفظ القضية من البداية, الا انها صنفتها قضية جنح صحافة رغم ان (الشعلة) نشرة تصدر في الكلية وحدها. وذكر ان تلك القضية شغلت البغدادي عن عمله, وعرضته للكثير من المشاكل, كان آخرها التهديد بالقتل. وأكد جاسم ان هناك كتبا مجازة من وزارة الاعلام رغم اساءاتها للذات الإلهية ولمقام النبوة مثل كتاب (المدارات الصوفية) وكتاب (تاريخ الشعوب الاسلامية) وغيرهما من الكتب التي لا يمكن مقارنة مقال البغدادي بها. وقال: ان كلمة (فشل) التي استخدمها البغدادي لا تستحق الضجة المثارة حولها, مشيرا الى وجود كتب مرخصة فيها ما يكفر المسلم. وختم بقوله: أتوقع ان يكون الحكم لمصلحة البغدادي ويقضي ببراءته. في الوقت ذاته تم استدعاء الأديبة ليلى العثمان المتهمة بتضمين كتابين لها كلمات اباحية خادشة للحياة, رغم ان الكتابين نشرا في الكويت منذ سنوات وأجازتهما وزارة الاعلام. وقد عادت مجددا قضايا الرأي وحرية التعبير تفرض نفسها على الساحة, وأثارت الدعاوى القضائية ضد عدد من الكتاب والمثقفين مجموعة من الأكاديميين والمهتمين ودفعتهم الى الاعلان عن لجنة متخصصة تسعى الى (اشاعة الوعي الدستوري والحقوق المكتسبة في حرية طرح الآراء) مطالبين جهازي النيابة والقضاء بـ (عدم التساهل في ادانة الرأي الآخر) , فيما انتقدت الحركة السلفية العلمية اللجنة مؤكدة انها (مطية لمن يريد التعدي على ثوابت الأمة) . وأصدر تسعة أكاديميين وكتاب بيانا دعوا فيه الى تأسيس لجنة (الدفاع عن حرية التعبير) استنادا الى كونه (حق أصيل ثابت كفلته المادة 36 من الدستور) , مشددين على (المواطنين وجمعيات النفع العام والقوى السياسية والشخصيات الخيرة في المجتمع الانضمام الى اللجنة للحفاظ على هوية المجتمع التعددية) . وفي أول رد فعل على اللجنة الوليدة, أكدت الحركة السلفية العلمية ان (شعار الرأي وحرية التعبير صار في ساحتنا السياسية, والثقافية الكويتية أخيرا مطية لمن يريد التعدي على ثوابت الأمة مثل الايمان بالله والقرآن والرسالة المحمدية) , معربة عن خشيتها من ان تتحول اللجنة الى (حرية هدم خصوصا ان بعض اعضائها لهم اسهامات واضحة في سوء استخدام هذا الشعار) . فيما أشار بيان أصدره المفكرون والأكاديميون الى ان ما اعتبر تراجعا لوضع حرية التعبير في الكويت جاء نتاجا لسنوات طويلة من التراجع في وضع الحريات بصورة عامة, فهناك العديد من القوانين والقرارات المنافية للحريات والمناقضة للدستور والتي لا يزال العمل بها قائما مع كل ما يعنيه ذلك من تعد على مقومات الحركة التطوعية الشعبية, ومما يؤسف له ان قوانين وقرارات كقانون التجمعات (مخالف للمادة 44 من الدستور) وقانون المطبوعات والنشر (مخالف للمادة 37 من الدستور) وقانون جمعيات النفع العام وقرار منع اشهار جمعيات جديدة (مخالف للمادة 43 من الدستور) مطبقة منذ سنوات من دون ان يواجهها تحرك جديد من قبل مجلس الامة أو جمعيات النفع العام او مبادرات حكومية ذات قيمة, وكأن الجميع قد استمرأ انتهاك الدستور ومخالفته. وحذر البيان من ان ذلك التراجع الملحوظ الذي يقوض أسس الشرعية الدستورية للمجتمع الكويتي قد اصبح ينذر بالخطر بعد تزايد حالات القضايا المحالة للمحكمة في مواضيع ذات علاقة بحرية التعبير, مما أسهم في الاساءة الى سمعة الكويت في الخارج من دون مبرر, وكأن المجتمع الكويتي غير قادر على التعامل مع وجهات نظر ورؤى متباينة, بل ان الأمر قد تجاوز ما هو واضح, حيث تمادى البعض وأخذ يحيل للقضاء تفسيرات ضيقة لمعان بين السطور قد تحتمل اكثر من معنى, مما ادى الى التعدي على حرية الاشخاص في التعبير عن رأيهم, على الرغم من ان معظم تلك القضايا تظل في اطار القضايا الخلافية وليست قضايا مقطوعا في ثباتها. واستطرد البيان قائلا: لقد ادى هذا الوضع الى قيام مجموعة من المواطنين الكويتيين بالدعوة لتشكيل لجنة مستقلة للدفاع عن حق أي انسان في التعبير عن رأيه, انطلاقا من كونه حقا كفلته المادة 36 من الدستور, واستنادا الى كونه حق اصيل ثابت غير قابل للتجزئة او الانتزاع, وارتكازا على اهمية حرية الرأي والتعبير واحترام التعددية في الحفاظ على استقرار المجتمع وأمنه, بما يتيح الفرصة لجميع الرؤى التعبير عن نفسها بصورة سلمية, ونحن اذ نؤكد تلك المبادىء فإننا نستذكر ولا شك ان الغزو العراقي قد حدث في ظل هيمنة الرأي الحكومي الواحد وفرض رقابة صارمة على الصحافة وحرية الرأي والتعبير في الكويت (فهل من مدكر) . من جهته, انتقد أمين عام الحركة السلفية حامد العلي اعلان لجنة الدفاع عن حرية التعبير, وقال (ليس هناك خلاف في اهمية حرية الرأي والتعبير عنه, وضرورتها للابداع وكونها سر التقدم والتطور العلمي, ونحن نؤيد كل خطوة للمطالبة بمزيد من الحرية العلمية والفكرية) . وأضاف: غير ان الملاحظ ان هذا الشعار صار في ساحتنا السياسية والثقافية الكويتية مؤخرا ـ كما في غيرها ايضا ـ مطية لمن يريد التعدي على ثوابت الامة, مثل الايمان بالله تعالى والقرآن والرسالة المحمدية والعقائد الاسلامية الثابتة, بل التعدي حتى على نصوص الدستور ـ الذي يدعو احترامه ـ والذي ينص على ان دين الدولة الاسلام والشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع وان الدين قوام الاسرة الكويتية...الخ. الى هذا أصدر التجمع الوطني الديمقراطي بيانا شجب فيه محاولة ارهاب الرأي الآخر وتحجيم الفكر المستقل والتجريح الشخصي. وجاء في البيان: (ان ما تشهده الساحة المحلية من تعديات على اصحاب الرأي يستدعي تضافر جهود جميع المخلصين من ابناء الوطن لصيانة حق التعبير الذي كفله الدستور, وتتطلب يقظة جهاز النيابة العامة لتفادي التفسير الضيق للنصوص والتعبيرات وتجاهل الشكاوى الكيدية) .