من الملف السياسي: تهجير المؤيدين للاستقلال قد يكون مؤشراً، احتمالات الحرب الأهلية في تيمور الشرقية، بقلم علي عبود

تجد اندونيسيا نفسها حاليا امام خيارين كلاهما صعب جدا!! فهي اما ان توافق على ارسال قوات دولية الى تيمور الشرقية, او تعيد الامن والنظام الى الاقليم بسرعة وخلال ايام معدودة!! ويمكن ان نلاحظ ان المجتمع الدولي لم يعط اندونيسيا لا الفرحة ولا الوقت الكافي لإعادة السلام الى تيمور الشرقية, لأن دولا كثيرة على رأسها استراليا والبرتغال, وماليزيا ونيوزيلندا, تضغط باتجاه ارسال قوات دولية الى تيمور الشرقية كي تتابع اتخاذ الاجراءات !! ويبدو حتى الآن ان لا اندونيسيا ولا الميليشيات الموالية لها على استعداد للقبول بالأمر الواقع, وبالتالي فإن البديل المحتمل, بل البدل القائم حاليا هو حرب اهلية, على اعتبار ان هذه الحرب هي الوحيدة التي تحول دون انفصال اقليم تيمور الشرقية عن اندونيسيا, ويضمن بالتالي عدم امتداد العدوى, اي عدوى الانفصال الى جزر اندونيسيا الاخرى!! ولكن هل تستطيع جاكرتا ان تتحدى المجتمع الدولي وترفض الموافقة على ارسال قوات دولية الى تيمور الشرقية؟ ان مثل هذا الرفض يعني تعرض اندونيسيا الى عقوبات وحصار, وبالتالي تكرار ما حدث في يوغسلافيا وتحديدا في اقليم كوسوفو!! وفي حال قبلت اندونيسيا بالضغوطات الدولية, وأذعنت للأمر الواقع, فإنها ستجد نفسها في مواجهة تيارات المعارضة الرافضة اصلا لاستقلال تيمور الشرقية, وهذه التيارات ترفض كذلك وجود اية قوة اجنبية تكرس انفصال تيمور الشرقية عن اندونيسيا! وهكذا نرى ان اندونيسيا, سواء كانت مع استقلال اقليم تيمور الشرقية, ام مع ابناء الاقليم احدى محافظاتها الرئيسية, فأنها امام خيارين كلاهما صعب جدا, وينتج عن كل واحد اثار تنوء جاكرتا بحملها في ظل ظروفها الاقتصادية الصعبة! والسؤال: هل تفضل اندونيسيا نشوب حرب اهلية في اقليم تيمور الشرقية, حتى لو ادى ذلك الى تدخل القوات الدولية بالقوة الى هذا الاقليم؟ قد تكون الاجابة صعبة على مثل هذا السؤال لان الموقف الرسمي لاندونيسيا لايزال غامضا فهي من جهة تؤكد على قبولها بنتائج الاستفتاء لكنها من جهة ثانية تطلق يد المليشيات الموالية للجيش الاندونيسي في ترويع السكان وقسرهم على مغادرة الاقليم, بالتنسيق مع القوات الاندونيسية التي سارعت حتى قبل الاعلان عن نتائج الاستفتاء الى ارسال السفن لنقل المهجرين عن مناطقهم بالقوة! احتمالات حرب أهلية ويبدو ان هناك سباقا داميا في تيمور الشرقية بين المعارضين لانفصال الاقليم عن اندونيسيا وبين المؤيدين لاستقلال هذا الاقليم ويهدف السباق الى عدم اتخاذ اي اجراءات عملية لتطبيق نتائج الاستفتاء على الارض, ولو ادى ذلك الى حرب اهلية وقد اعلنها المعارضون بصوت عال: اما استفتاء جديد او حرق تيمور الشرقية! وليس هذا بجديد, فعلى مدى 20 عاما سقط الاف القتلى في تيمور الشرقية وقد تطور الامر من مجرد حركة تطالب بالحكم الذاتي والاستقلال الى عنف طائفي لم يشهد الارخبيل الاندونيسي له مثيلا من قبل! واشتدت دوامة العنف مع سقوط سوهارتو العام الماضي, بعد ثلاثين عاما من السلطة حول خلالها اندونيسيا الى واحدة من اكثر دول جنوب شرق اسيا نموا وتطورا لقد جاء حبيبي ليرى ان حل ازمة تيمور ضروري تحت تأثير الضغوط التي تتعرض لها البلاد, ووعد بسحب القوات الاندونيسية من الاقليم تدريجيا ومن ثم الموافقة على الاستفتاء. الا ان الرئيس الاندونيسي الجديد كان يعرف النتائج مسبقا, بدليل انه ناشد الناخبين اختيار البقاء كأقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن اندونيسيا وكأنه كان بذلك يرسل تهديداً مبطناً بأن البديل لخيار الاستقلال سيكون حربا اهلية تبدأ ولاتنتهي! لقد سبق يوم الاستفتاء حمام من الدم وكان ذلك انذار اخر لنشوب حرب اهلية قادمة اذا ما اختار التيموريون الاستقلال عن اندونيسيا. والسؤال هل اقليم تيمور الشرقية مؤهل لحرب اهلية وما هي القوى التي ستغذي هذه الحرب في حال اندلاعها وانتشارها على امتداد الاقليم؟ في الواقع ان عوامل الحرب الاهلية قائمة بل هي جارية وعلى فترات منذ ان ضمت اندونيسيا تيمور الشرقية بعد ان تحررت من الاستعمار البرتغالي بعد اربعة قرون اي منذ عام 1976 وقد شهد الاقليم مشاهد متقطعة من العنف الدومي برزت بشكل واضح بعد سقوط سوهارتو! والان تقع احداث دموية في مناطق مختلفة, توسعت قبل وبعد اجراء الاستفتاء!! ويقف الطرفان المؤيد للاستقلال والمعارض على اهبة الاستعداد باسلحتهم لاستئناف دورة العنف الدموي الذي اوقع الاف القتلى بين الطرفين منذ بدأت المطالبة باستقلال تيمور الشرقية. ويبدو ان المجتمع الدولي كان يتوقع احتمال نشوب حرب اهلية, فطلب من الحكومة الاندونيسية ان تضع حدا لاعمال العنف في تيمور الشرقية قبل يومين من اجراء الاستفتاء والا فانها يمكن ان تواجه تدخل المجتمع الدولي في الاقليم. ورأت وزارة الخارجية الامريكية ان لدى الحكومة الاندونيسية القدرة على وقف نشاطات المجموعات الموالية لها في حال ارادت ذلك واكدت الوزارة ان الاعمال التي تقوم بها قوات الجيش والشرطة الاندونيسية غير مقبولة على الاطلاق. كذلك ذكرت مصادر بعثة الامم المتحدة في تيمور الشرقية ان تصرف الشرطة الاندونيسية غير ملائم على الاطلاق لانها لاتتحرك لوقف اعمال العنف التي تقوم بها الميليشيات المعارضة لاستقلال تيمور الشرقية بدليل انها تركتها تسيطر على ثلاث مناطق رئيسية في تيمور الشرقية. موقف جاكرتا يبدو ان الكثير من الدول الغربية وكذلك وسائل الاعلام التابعة لهذه الدول ترى ان اندونيسيا تشجع على نشوب حرب اهلية في تيمور الشرقية تؤدي الى اخراج المؤيدين للاستقلال من الاقليم, ويرى هؤلاء ان طلب اندونيسيا من المجتمع الدولي تأجيل ارسال القوات الدولية الى تيمور الشرقية لحين حلول المرحلة الثالثة من الاستفتاء, اي الى مابعد تصديق المجلس التشريعي في اندونيسيا على نتائج هذا الاستفتاء في اكتوبر المقبل, ماهو سوى مهلة لتسوية وترتيب الاوضاع في تيمور الشرقية بحيث تأتي القوات الدولية الى الاقليم لتجده خاليا من اية اطراف مطالبة بالاستقلال!! ولعل ما يؤكد مثل هذه التحليلات فرار اكثر من 55 الف شخص من اعمال العنف قبل نتائج استفتاء تقرير المصير, واستنفار الجيش الاندونيسي لنقل المزيد من الفارين الى الاقليم الغربي من تيمور الواقع ضمن الاراضي الاندونيسية!! وكان زعيم المعارضة في تيمور الشرقية جانانا جوسماو اعرب عن خشيته من قيام القوى المعارضة للاستقلال بشن موجة جديدة من اراقة الدماء بعد التصويت على الاستقلال .. ودعا وهو لايزال في سجنه ( اي قبل ان تطلق السلطات الاندونيسية سراحه الى جهة مجهولة) المجتمع الدولي لانقاذ شعب تيمور الشرقية بارسال قوة دولية على الفور. ويبدو ان زعيم المعارضة كان لديه ما يكفي من معطيات كي يحذر من نشوب حرب اهلية في الاقليم فزعماء الميليشيات المؤيدة لجاكرتا بدؤوا في غضون الاسبوعين السابقين لاعلان نتائج الاستفتاء ينسقون اعمال العنف الجارية في الاقليم, بعدما فوجئوا بحجم الاقبال الشعبي على التصويت والذي تجاوز نسبة 78% لصالح الاستقلال. واقدم افراد هذه الميليشيات على اشعال الحرائق في المنازل ونهبها لترويع دعاة الاستقلال وارغامهم على الفرار, وحاصروا كذلك مباني هيئة الامم المتحدة في ديلي ومناطق اخرى, وقطعوا الطرق, واجتجزوا المراقبين والدبلوماسيين. كانوا يريدون تفشيل الاستفتاء من خلال اعمال عنف دموية, وعندما فشلوا بذلك تابعوا اعمال العنف دون تدخل من قوات الشرطة الاندونيسية حيث جرت عمليات تهجير قسرية من الاقليم!! لذا يرى الكثيرون ان نتائج الاستفتاء هي مجرد بداية لحرب اهلية لاتحاول اندونيسيا وقفها, وهذا ما يحصل حتى الآن اذ بمجرد اعلان الامين العام للامم المتحدة عن نتيجة الاستفتاء بادرت الميليشيات الموالية لاندونيسيا الى اقتطاع بلدتين وسيطرت عليها وقامت بتهجير وترويع السكان. نفق مظلم ولعل ما يعتبر نذير شؤم على احتمال اندلاع حرب اهلية شرسة, هو ان معظم المراسلين الغربيين والدبلوماسيين والمراقبين الاعضاء في بعثة الامم المتحدة غادروا البلاد بعد الاستفتاء, خوفا من التطورات التي تهدد بدخول تيمور الشرقية نفقا مظلما, وكأن ما يجري في هذا الاقليم يكاد يشبه ما شهده اقليم كوسوفو في يوغسلافيا من اعمال عنف وتطهير غير محدود النتائج!! ومما يزيد من احتمالات الحرب الاهلية ما تسرب من انباء تؤكد بان اندونيسيا اعدت خطة توحي للعديد من المراقبين بانها تهدف الى تقسيم اقليم تيمور الشرقية, وتوقع محللون غربيون ان تنفيذ هذه الخطة على مراحل يطلق عليها (خطر ب) . ويقول هؤلاء المحللون ان جاكرتا وصفت هذه الخطة منذ فترة طويلة, وبدأت بتنفيذها بعد الاعلان الرسمي عن نتائج الاستفتاء. وتتضمن الخطة ضرب وكالة الانباء الفرنسية على تطبيق التنسيق العسكري والاداري لتحقيق اهدافها وتعتمد بشكل اكبر على القوات الاندونيسية في مرحلتها الاخيرة من خلال نشر نحو 15 الف عنصر واستخدام عربات مدرعة خفيفة كما جاء في خطة تقسيم الاقليم تطبيق هيكلية وبنى تحتية قيادية في منطقة (زميلة) باقليم بوبونارو, وستكون القاعدة الخلفية لنشر هذه الوسائل في منطقة بلوب تيمور الغربية الاندونيسية المتاخمة لتيمور الشرقية مع استخدام مرفأ ومطار كوبانغ عاصمة الاقليم .. والهدف من ذلك تسريع العملية قبل اي رد من الاسرة الدولية التي يجب وضعها امام الامر الواقع. وفي هذا السياق قالت صحيفة اوروبية غادرت تيمور الشرقية مؤخرا: لقد حصلت الحكومة الاندونيسية في النهاية على ماتريد, ولم يعد هناك شهود عيان وسيكون بامكانها التحدث مجددا عن حرب اهلية, على ان ما يحدث هو تطبيق خطة اعدها الجيش الاندونيسي منذ زمن بعيد, تهدف الى تصفية المقاومة وترهيب السكان وتهجيرهم نهائيا! * كاتب صحفي سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات