من الملف السياسي: استقلال تيمور بين الشرعية القانونية وصراع المصالح، د. يوس كلاسين: تيمور لاتمتلك مقومات الدولة وستلجأ لدول الجوار، حوار سعيد السبكي

اتسمت أزمة اندونيسيا مع تيمور الشرقية بخاصية سياسية من قبل المجتمع الدولي قابلها بإزدواجية في التعامل معها, نظرا لما ترتبط به معظم الدول من مصالح مع تلك الدولة الاسلامية الكبرى, وفي مقدمتها امريكا, فجاء التحرك الدولي ليسير في خطين متوازيين, الاول هو ممارسة ضغوط علانية تارة وبصورة خفية تارة اخرى, مع عدم المعارضة في انفصال تيمور الشرقية عن جسد الام , ومطالبة اندونيسيا بالقضاء على تحركات الميليشيات المسلحة المعارضة لحركة الانفصال, مع عدم التدخل عسكريا, وهو الامر الذي جعل اندونيسيا توافق على مسألة الاستفتاء في تيمور بالمقابل, وان كان ما حدث نوع من الاتفاق غير المعلن, والخط الثاني هو اعلان التأييد لحق تيمور في تقرير المصير, مع حرص المجتمع الدولي على موافقة اندونيسيا على ارسال قوات لحفظ السلام لايقاف المذابح هناك. وتعلم الدول الغربية ان استقلال تيمور عن اندونيسيا انما يعد تفتيتا لقوة تلك الدولة الاسلامية الكبرى, وان نجاح تيمور في الاستقلال لابد وان يتبعه محاولات لاستقلال جزر اخرى عن اندونيسيا, ممايهدد بانهيار تلك الدولة الام, ورغم ذلك تقف هذه الدول وبقوة خلف إقليم تيمور, ومن جهة أخرى تحاول الا تفقد حسن العلاقات مع اندونيسيا للأبد! حول ازمة اندونيسيا واستقلال تيمور.. المعطيات والنتائج وحقيقة الموقف الدولي حاور (الملف) الدكتور (يوس كلاسين) استاذ العلاقات الدولية والمتخصص في الشؤون الآسيوية بمعهد المناطق الحارة في هولندا. هل تمتلك تيمور الشرقية مقومات الدولة وحماية استقلالها؟ عندما رحل الاستعمار البرتغالي عن تيمور الشرقية دون تمهيد وبصورة فجائية عام 1974 بعد استعمار استمر لقرابة ثلاثة قرون كان وضع تيمور الشرقية اقتصاديا واجتماعيا لايصلح لقيام دولة مستقلة, وان كانت الفرصة ممكنة لأن تبني تيمور نفسها بنفسها وتقيم لها اركان دولة تجعلها تستغني عن العوز والحاجة لدول الجوار, ولكن نظرا للفقر وتردي المستوى الاجتماعي سواء في التعليم أو الصحة وغيرها, فقد كانت تيمور ممهدة تماما لدخول القوات الاندونيسية اليها عام 1975. واعلان اندونيسيا ضمها اليها بصورة نهائية عام 76, وكان تعداد سكان تيمور حينئذ يتجاوز النصف مليون بقليل (عدد سكان تيمور مليون نسمة الان). وقد نجحت اندونيسيا في احتواء تيمور بكل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية حتى اصبحت تعتمد عليها في اكثر من 80% من دخلها القومي, ورغم ذلك لم يتحسن تماما المستوى الاقتصادي للتيموريين, وان كان قد اصبح افضل منه في عهد الاستعمار البرتغالي, واقصد من هذا التوضيح ان الوضع الاقتصادي لتيمور الشرقية لا يصلح لان يقيم دولة قوية لا تعتمد على الآخرين, واذا تم لها الاستقلال, عليها ان تمد يدها لدول اخرى مثل نيوزلاندا او قد تلجأ حتى لمستعمرها البرتغالي القديم الذي تعهد من خلال رئيس الوزراء انطونيو جويتزر بدعمها بصورة قوية حالة اعلان الاستقلال او قد تلجأ لغيرها لتساعدها في الوقوف على قدميها. ومن المرجح ان يقف صندوق النقد الدولي بجانبها. حيث سبق وان تسبب الوضع في تيمور الشرقية في اعادة نظر الصندوق لعلاقته مع اندونيسيا, وعطل الصندوق دفع قرض منتظر لاندونيسيا حيث قدم لاندونيسيا في عام 97 اقتراحا بتقديم مساعدات قيمتها 42 مليار دولار بعد ان وقعت اندونيسيا في ازمة اقتصادية بسبب الازمة الآسيوية, إلا أنه لم ينفذ بسبب ازمتها مع تيمور الشرقية. اما من الناحية السياسية فان تيمور ليست لديها من الناحية الواقعية القدرة على تسيير امورها بصورة قوية وان كان يمكنها ان تبدأ كأي دولة وليدة في ارساء نظام سياسي ذي معالم واضحة. فتجربة تيمور محدودة سياسيا لأنها ظلت عقودا طويلة تحت سطوة وتسييس الاستعمار لها, واذا كان البعض يعول على زعيم التحرر التيموري زانانا جوسماو في رئاسة تيمور الشرقية فان هذا الزعيم الذي افرج عنه حديثا من سجون اندونيسيا, لم تتضح بعد معالم اتفاق تم بينه وبين حكومة جاكرتا. منظور مختلف ماهي الانعكاسات السياسية والقانونية على مبدأ (السيادة) ؟ تيمور الشرقية موجودة في آسيا التي تنظر لتعريف مفهوم السيادة بشكل آخر يختلف عن المفهوم الاوروبي, ويعتبر الاتحاد الاوروبي نموذجا ومثلا حيا, حيث لم تعد تتمسك دول الاتحاد الاوروبي بمبادىء السيادة المطلقة, في سبيل تسيير مصالحها وتحقيق الفائدة لشعوبها لكن في آسيا لاتزال عملية السيادة مطلقة. كما ان الصين التي هي واحدة من الدول الاعضاء الخمس الدائمين في مجلس الامن تفكر في السيادة من منظور يختلف ايضا عن اوروبا, لذلك فمن المتوقع ان الصين كانت ستستخدم حق الفيتو داخل مجلس الامن اذا ماتمت الموافقة على التدخل العسكري في تيمور الشرقية, لان موافقتها على تدخل قوات عسكرية خارجية في منطقة السيادة الاندونيسية انما كان سيعني اعترافا منها باهدار مبدأ السيادة الذي تؤمن به وتحرص على عدم المساس به, كما كان سيعني ضوء اخضر من القوة الصينية لامكانية التدخل الخارجي في الشؤون الآسيوية الداخلية. ماهو الموقف الامريكي من تلك الازمة واسباب هذا الموقف وتداعياته؟ اتسم الدور الذي لعبته وتلعبه الولايات المتحدة الامريكية مع اندونيسيا بالازدواجية فهي من جهة تحاول الحفاظ على مصالحها مع تلك الدول الاسلامية الكبرى, ومن ناحية اخرى تضغط من اجل انجاح المحاولة الانفصالية لتيمور الشرقية, والتي يسبب استقلالها هزة ملموسة للقوة الاندونيسية. ولقد اتضحت الازدواجية الامريكية في ان اوقفت الولايات المتحدة الامريكية تعاونها العسكري مع اندونيسيا بسبب الخلل والفوضى في تيمور الشرقية, الامر الذي يعد اشارة واضحة لحكومة جاكرتا لما يمكن ان تتخذه امريكا من اجراءات لاحقة كفرض عقوبات اقتصادية او حصار من نوع آخر حينما تقتضي الضرورة. ولقد جاء رد الفعل الامريكي مدروسا بعناية شديدة حول هذه الاحداث وعدم الاستقرار, لان واشنطن لاتريد في حقيقة الامر تعريض العلاقات مع يوسف حبيبي الى السوء, ولو دققنا في الامر نجد ان التعاون العسكري مع اندونيسيا لايمثل اهمية وليس له وزن استراتيجي, ومن ناحية ثانية فان تصدير الاسلحة الامريكية لاندونيسيا لم يتوقف, ونجد ان الرئيس الامريكي بيل كلينتون في تصريحاته يوم 9 سبتمبر الجاري لم يستخدم لغة قاسية ولم يهدد بفرض حظر اقتصادي, أيضا لا تريد حكومة واشنطن لعب دور رئيسي حال ارسال قوات حفظ السلام دولية. كل هذا يفسر تقدير امريكا لمصالحها الاقتصادية الكبيرة مع اندونيسيا التي يبلغ عدد سكانها 200 مليون نسمة ولديها ثروات طبيعية, وهي شريك تجاري على درجة كبيرة بالنسبة لامريكا, وكان امرا مثيرا للدهشة حينما اثنى كلينتون على سياسة الاصلاح الديمقراطي في اندونيسيا في الوقت الذي تسيل فيه الدماء في شرق تيمور على أيدي الميليشيات المسلحة, وتجدر الاشارة الى ان الوضع في تيمور الشرقية لا يمثل قلقا حقيقيا بالنسبة لامريكا التي تعتبر احداث تيمور تتشابه مع احداث التصفية العرقية التي حدثت في كوسوفو, وعلى عكس ما سبق ان اعلنه الرئيس الامريكي هذا العام عقب توجيه الضربات الجوية ضد الصرب في يوغسلافيا بأن بلاده لن تتأخر في اتخاذ مواقف حاسمة حينما يتعلق الامر بتصفية اقليات عرقية سواء في افريقيا او وسط اوروبا او اي مكان من العالم, مؤكدا انه في حالة التعرض لمدنيين ابرياء أو محاولة ارتكاب عمليات تصفية عرقية بسبب الديون أو الجنس, فان امريكا لن تتردد لحظة في التدخل اذا ماكانت تمتلك القدرة لذلك, ورغم ذلك فقد كان لامريكا منذ البداية موقف اتسم بالمرونة والليونة مع اندونيسيا, وفي نفس الوقت نجحت امريكا في الضغط على اندونيسيا لقبول اجراء الاستفتاء في تيمور الشرقية وفي ظل وجود ممثلين ومراقبين دوليين, وهي تضغط الان لقبول اندونيسيا لنتائج الاستفتاء وعدم التعرض لاستقلال تيمور الشرقية, بل وتطالب اندونيسيا نفسها بوضع حد لتحركات الميليشيا المعارضة لاستقلال تيمور. شرعية التدخل هل هناك سند قانوني يسمح لقوات دولية عسكرية بالتدخل في تيمور؟ لقد سمعت في هذه الجزئية عدة آراء متباينة من الناحية القانونية, فكما ذكر جون دوجارد استاذ القانون الدولي في جامعة ليدن بهولندا ان عددا من المؤسسات القانونية الدولية في العالم قد اتفقت على أن الامم المتحدة ليس لديها ما يمنعها من اتخاذ قرار بالتدخل العسكري في تيمور الشرقية لكن المجتمع الدولي والحكومات الغربية لم تبد حماسا نحو اي تدخل عسكري, حتى ان وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت اعلنت صراحة ان مايحدث الان في تيمور الشرقية انما يعد مشكلة اندونيسية, بينما رأت مؤسسات قانونية اخرى بان اندونيسيا ليس لها الحق القانوني للتصرف في تيمور الشرقية, لانها مستعمرة برتغالية قامت اندونيسيا بضمها عام 1976. ولم يعترف المجتمع الدولي بهذا الضم ابدا, وتم ادانة اندونيسيا عدة مرات في مجلس الامن. ووفقا للقانون الدولي فان تيمور الشرقية لاتزال حتى الآن تحت السيادة البرتغالية, وذلك يفترض الا تمس مسألة إنفصال تيمور الشرقية اندونيسيا او تسبب لها ازمة. في حين ان كارول فيلنس مستشار وزارة الخارجية الهولندية واستاذ القانون الدولي بجامعة نايميخن يستدل على الحق القانوني للتدخل في تيمور الشرقية, حيث ان هذا الاقليم لم تعد تحكمه فعالية سيادية, وان معالم الدولة والحكم منتهية, وشبه موقف تيمور الشرقية الان بموقف الصومال عام 92. وقد اتفقت الامم المتحدة مع حكومة جاكرتا, ان حكومة اندونيسيا بعد اجراء الاستفتاء الذي رفض فيه 78% من الشعب التيموري الحكم الذاتي وطالبوا بالاستقلال ان تحافظ عى الاستقرار في تيمور الشرقية, وان توقف عمل الميليشيات العسكرية, وقد كان هذا بمثابة فرصة لاندونيسيا لان تكسب ثقة دعم المجتمع الدولي لكنها لم تنفذ. هل يقبل الجيش الاندونيسي قيام دولة ذات سيادة مستقلة في تيمور الشرقية؟ يلعب القائد العسكري الاندونيسي فيرانتو لعبة معقدة ومتشعبة الزوايا حقا, لقد انتشرت بسرعة الشائعات التي ترددت مؤخرا حول وجود انقلاب عسكري في صفوف الجيش الاندونيسي, لكن مثل هذا الانقلاب صعب الحدوث في الوقت الحالي, فلن يقوم الجيش بعملية انقلاب لافتقاره الى جوانب قانونية تدعمه, والجنرال سوهارتو في الستينات جاء للحكم مدعما بمساندة اعلى سلطة قانونية وهي التي نصبته رئيسا للدولة. لكن تشير الدلائل في ذات الوقت الى انه توجد لعبة صراع على السلطة بسبب ازمة تيمور الشرقية, وتشترك فيها السلطة السياسية والعسكرية, فمنذ اعتلاء يوسف حبيبي السلطة في مايو من العام الماضي, اتضح انه لولا دعم ومساندة الجنرال فيرانتو له لما وصل يوسف حبيبي الى السلطة, وكان فيرانتو القائد العسكري, ومعظم الضباط في القوات الاندونيسية المسلحة غاضبين لما اتخذه يوسف حبيبي بشأن الاستفتاء. ويخشى القائد العسكري ان يكون استقلال تيمور الشرقية هو بداية لانفصال مناطق اخرى, مثل انشي واريان جايا لكن فيرانتو اعلن انه يحترم الدستور الذي ينص على أن القوات العسكرية لابد وان تبقى محل ثقة الرئىس وتدين له بالولاء لكن الضباط القوميين داخل صفوف الجيش وعناصر اخرى مؤثرة في جهاز الاستخبارات الاندونيسي وجهوا اللوم للجنرال فيرانتو, وقد هدد هذا بانقسام الجيش على نفسه. لقد تسبب الاستفتاء في تيمور الشرقية بأزمة سريعة, فعدد لابأس به من رجالات الاعمال والصفوة يخشون من العسكريين والاستقراطيين ان يخسروا نفوذهم الاقتصادي بسبب استقلال تيمور الشرقية, وان تهدد مصالحهم الاقتصادية التي بنوها خلال 23 سنة, وهم ايضا الذين يقفون وراء الميليشيات العسكرية ويقومون بدفعها, ليس فقط ضد المسيحيين كجنس ومعتقدات بالدرجة الاولى, ولكن للحماية والحفاظ على مصالحهم الاقتصادية, لكن في نفس الوقت موافقة حبيبي على هذا الاستفتاء انقذت اندونيسيا وادت الى تردد واحجام القوى الدولية عن التوجه عسكريا نحو تيمور الشرقية, كما ان الرئيس الاندونيسي يوسف حبيب وقائده العسكري فيرانتو اعلنا عقب ظهور نتائج الاستفتاء احترامهما لهذه النتائج وتنفيذها, وقد قطعا بهذا الاعلان الطريق على المجتمع الدولي لاتخاذ قرار عنيف ضد اندونيسيا يمس مصالحها الاقتصادية وشؤونها الداخلية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات