نهاية الشهر الماضي ووسط أجواء مشحونة بالتوتر والعنف, شهد اقليم تيمور الشرقية الاستفتاء الذي اشرفت عليه الامم المتحدة لتقرير مصير سكان الاقليم البالغ عددهم850الف نسمة من حيث الاستمرار في ظل الحكم الاندونيسي للاقليم, او الاستقلال عنه, ورغم المحاولات التي قامت بها الجماعات المناهضة للاستقلال واستخدامها العنف ضد سكان الاقليم, فقد جاءت نتيجة الاستفتاء في صالح الاستقلال عن الحكم الاندونيسي الذي استمر بالجزيرة منذ عام1975وحتى تاريخ الاستفتاء. ولكن هذه النتيجة لم تعجب الجماعات المناهضة للاستقلال, فقامت بارتكاب اعمال عنف دامية ضد سكان الاقليم مما ادى الى تشريد 70 الفا لجأوا الى تيمور الغربية, ومقتل آلاف آخرين. ليس هذا فحسب ولكن هذه القوات والجماعات ذهبت الى ابعد من هذا, عندما قامت باقتحام مقر بعثة الامم المتحدة في العاصمة التيمورية ديلي وحطمت السيارات والنوافذ وطالبت بطرد كل العاملين الموجودين بالمقر, اشارة لعدم اعترافهم بنتيجة الاستفتاء. وسادت البلاد حالة من الفوضى والصراع كادت تؤدي الى كارثة, وهذا بدوره ادى الى شعور المجتمع الدولي بالقلق تجاه ما يحدث هناك, لذلك تحركت الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة للضغط على الحكومة الاندونيسية لكي تقبل بنتيجة الاستفتاء وبوجود قوات دولية في الاقليم لحماية السكان. وعلى الرغم من الرفض الاندونيسي القاطع لوجود هذه القوات في البداية, الا انها عادت وقبلت بذلك. فهل يعني ذلك ان الجيش الاندونيسي سيقبل بقيام دولة كاملة السيادة في تيمور؟ وهل تمتلك تيمور مقومات الدولة؟ وما هي احتمالات حدوث الحرب الاهلية هناك, خاصة بعد الاعلان عن القبول بوجود قوات دولية؟ وماذا عن مواقف القوى الدولية من هذا الامر؟ وهل يؤثر انفصال تيمور على مستقبل الوحدة الاندونيسية؟ دوافع للاستمرار بداية يقول الدكتور حسن ابو طالب رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الاهرام للدراسات السياحية والاستراتيجية: كما توجد محفزات لانفصال بعض الجزر عن الدولة الاندونيسية توجد ايضا دوافع للاستمرار تحت ادارة هذه الدولة ومعروف ان الدولة الاندونيسية مكونة من نحو 17 الف جزيرة. هذه الجزر تجمعها اعتبارات سواء عرقية او دينية او تاريخية, تدفعها لعملية التقارب والتماسك والاستمرار تحت مظلة الدولة الواحدة. وبغض النظر عن السلبيات التي كانت موجودة في فترة حكم الرئيس الاندونيسي السابق سوهارتو, إلا انه استطاع, ومن خلال مجموعة من الافكار والمبادىء شبه الايدولوجية, ان يشكل عقيدة الدولة الاندونيسية السياسية التي تقوم على الترابط. وايضا لعب الجيش دورا كبيرا للحفاظ على الوحدة الاندونيسية. وعموما فان ما حدث في تيمور الشرقية ـ سواء قبل الاستفتاء او بعده, والذي اكد رغبة اهل الاقليم في الاستقلال ـ من مواجهات دموية وتشريد للآلاف من السكان وتدهور للوضع الاقتصادي, كل هذا يمثل درساً قاسياً لاي جزيرة اخرى ترغب في الاستقلال, كما انه من غير المتصور ان اي منطقة او جزيرة يريد اهلها الانفصال, سوف تلقى نفس الدعم الذي وجدته تيمور الشرقية من القوى الدولية. الواقع الراهن يشير الى استمرار الوحدة الاندونيسية على ما هي عليه وان الكثيرين من الذين كانوا يرغبون في الانفصال سوف يراجعون دعوتهم وموقفهم على ضوء ما حدث في تيمور الشرقية. اما بالنسبة لموقف الجيش الاندونيسي من استقلال تيمور الشرقية, فيرى الدكتور حسن ابو طالب أن الجيش ليس منفصلا عن القيادة السياسية الاندونيسية, وهناك تنسيق مستمر ومتواصل بين الطرفين, رغم ما يبدو على السطح من وجود مساحة خلاف بينهما, ولذلك وجدنا السياسيين في اندونيسيا ينتظرون موقف الجيش فيما يتعلق بانتشار القوات الدولية في تيمور الشرقية قبل ان يحددوا موقفهم, ولقد قدر الجيش الموقف بأنه اذا استمر الرفض للمقترحات الدولية فقد يحمل هذا الامر الكثير من المخاطر, سواء على الصعيد الاقتصادي او الامني, ولذلك تم قبول المقترحات الدولية ولكن وفق شروط. وحتى وان كانت هذه الشروط غير معلنة, فالجيش حدد انه لا يمانع في استقبال قوات دولية تساعد في عودة الهدوء الى الاقليم. ويبدو ان القادة السياسيين والعسكريين في اندونيسيا قد استوعبوا جيدا الدرس الذي حدث في كوسوفو, ولذلك جاء هذا التجاوب مع المقترحات الدولية... وان كان لا يعني هذا التجاوب ان فكرة استقلال الاقليم عن اندونيسيا ستكون بالعملية السهلة, فهذا الموقف ربما يزيد الامور تعقيدا داخل تيمور نفسها. استمرار العنف واوضح الدكتور حسن ابو طالب ان وجود قوات دولية داخل الاقليم لا يعني توقف العنف بصورة نهائية في الاقليم, خصوصا اذا عرفنا ان هناك ميليشيات شبه عسكرية مدعومة من الجيش الاندونيسي موجودة داخل الاقليم وهي التي تقف وراء عمليات العنف, كما ان نحو ربع سكان الاقليم يرفضون الانفصال والاستقلال عن اندونيسيا, وربما يأتي من ضمن هؤلاء من يتحمس لاستخدام العنف ضد من يعتبرونهم ايدوا الانفصال وصوتوا لصالح الاستقلال... العنف لن ينتهي تماما, سوف يستمر ولكن مداه سوف يقل عما كان موجودا. وعن تصوره لطبيعة القوة الدولية التي تشارك في حفظ الامن داخل الاقليم, يقول الدكتور حسن ابو طالب: كما هو معروف فإن القوة الدولية سوف تعمل تحت مظلة الامم المتحدة. والواضح ان الاتحاد الاوروبي حدد دوره في تقديم بعض الدعم المادي في الاشراف على نقل القوات والمعدات وما الى ذلك, اما حلف الناتو ومعه الولايات المتحدة الامريكية فهما لن يشاركا بقوات كبيرة في هذه القوة ويبدو ان الشق الاكبر من القوة الدولية سيكون من الدول الآسيوية, وربما تعمل هذه القوة تحت قيادة دولة كالصين على سبيل المثال. وفي تصوري ان هذه القوة لن تكون ذات صلاحيات وتفويض واسع وانما ستكون مجبرة للتنسيق مع الجيش الاندونيسي. مزيد من العقوبات ومن ناحيته يرى ايمن عبد الوهاب, الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام, ان قبول اندونيسيا بانتشار قوات دولية في الاقليم سوف يجنبها مزيدا من العقوبات الدولية التي كانت بدأت بتوقف البنك الدولي عن منح اندونيسيا القروض, واعلان الولايات المتحدة الامريكية انها ستوقف تعاونها في مجال صفقات الاسلحة مع اندونيسيا... هذا التراجع الذي حدث في الموقف الاندونيسي في اتجاه قبول التدخل الدولي في اقليم تيمور بعد ان كان رافضا له في البداية, يعود الى رهان الرئيس الاندونيسي حبيبي على اعادة انتخابه في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل. فقد ادرك الرئيس الاندونيسي ان استمرار رفض التدخل الدولي وانتشار قوات دولية بالاقليم سيزيد من المصاعب الاقتصادية التي تعاني منها اندونيسيا حاليا, وهذا ليس في صالحه بالنسبة للانتخابات الرئاسية المقبلة. ويضيف: ان هذه الموافقة الاندونيسية على تواجد قوات دولية في اقليم تيمور من شأنها ان تؤدي الى تراجع موجات العنف التي تشهدها تيمور الشرقية في الوقت الراهن, خصوصا ان القوات والميليشيات التيمورية الرافضة لاستقلال الاقليم عن اندونيسيا مدعومة من الجيش الاندونيسي, ووجود القوات الدولية سيؤدي الى ان يرفع الجيش يده عن دعم هذه الميليشيات وبالتالي يقل العنف تدريجيا الى ان ينتهي بصفة نهائية مع اكتمال قوات التدخل الدولي, وهذا يعني ان القضية في مراحلها النهائية. عدوى الاستقلال ويعتقد ان استقلال جزيرة تيمور الشرقية عن اندونيسيا لن يؤدي كما يرى البعض الى انتشار عدوى الاستقلال بين الجزر الاخرى, فالدولة الاندونيسية ليس لديها اية مشاكل مع الجزر الاخرى الا في جزيرتين او ثلاث, ولكنها ليست بنفس القوة التي كانت في مشكلة تيمور الشرقية. ولكن التطورات التي حدثت في الاقليم سيكون لها تأثيرها على الانتخابات الرئاسية المقبلة, لان هذه الورقة سيتم تصعيدها في الفترة المقبلة, خصوصاً بين الرئيس حبيبي وزعيمة المعارضة ميجاواتي والتي كانت ومنذ البداية تناصر فكرة استقلال الاقليم انطلاقا من مفهوم حقوق الانسان, وهذا يجعلنا نفهم مرة اخرى تراجع الرئيس حبيبي عن موقفه الرافض للتدخل الاجنبي, لان حجم الضغوط الداخلية كان سيكلفه في النهاية منصب ومقعد الرئاسة, لذلك جاء تراجع حبيبي لكي يحصل على بعض الدعم الدولي لتوفير الدعم المالي والاقتصادي, وخصوصا من الولايات المتحدة والدول الاوروبية... ان المرحلة التي تمر بها اندونيسيا حاليا تعد مرحلة انتقالية, وما حدث في اقليم تيمور سيكون له بالتأكيد تأثيره على طبيعة هذه المرحلة, ومن الان وحتى نوفمبر المقبل موعد الانتخابات الرئاسية ستشهد اندونيسيا حالة من عدم الاستقرار والتجاذب السياسي, ومن المؤكد ان المعركة الانتخابية المقبلة هي التي ستكون المؤشر الواضح على مدى التغير الذي يمكن ان يحدث في بنية الدولة الاندونيسية ككل. وعموما فهناك صعوبة في تصور الطرف الذي سيفوز بهذه الانتخابات, ولكن اذا استطاع الرئيس حبيبي تهدئة الاوضاع الداخلية, وتمكن من الحصول على الاستثمارات والقروض الميسرة من البنك وبما يدعم الاقتصاد الاندونيسي ففرصته ستكون قوية, والواضح ان ما يحدث حاليا على الساحة الاندونيسية من تطورات ترتبت على ما حدث في تيمور الشرقية ـ يشير الى ان كل الاطراف الاندونيسية تغازل الغرب خصوصا الولايات المتحدة الامريكية, لدرجة ان زعيمة المعارضة ميجاواتي نفسها لم تجد غضاضة في اللعب بورقة اسرائيل, وهي تدرك قيمتها عند الولايات المتحدة لكي تكسب رضا الغرب في الانتخابات الرئاسية المقبلة. المنافسة شديدة بين كل المرشحين والرئيس حبيبي وجد نفسه في مأزق حقيقي اذا استمر في رفضه للوجود الدولي بتيمور, لذلك كان لابد له من التضحية بتيمور الشرقية على امل الاحتفاظ بمقعد الرئاسة. مقومات الدولة وفيما يتعلق بامتلاك تيمور الشرقية لمقومات الدولة واحتمالات الحرب الاهلية بها, يشير ايمن عبد الوهاب الى ان تيمور الشرقية لا تمتلك مقومات الدولة, ولكنها في النهاية مثلها مثل دول كثيرة جدا هامشية يقوم اقتصادها على تجارة الترانزيت, خاصة وان لها علاقات من هذا النوع مع استراليا, كما ثارت في الفترة الاخيرة بعض الآراء التي تعتقد بأن وضع الجزيرة سيكون وضعاً مؤثرا في المنطقة, لان الولايات المتحدة تعتزم اتخاذها كقاعدة عسكرية لها وان كنت ارفض مثل هذا الاعتقاد لان الولايات المتحدة لم تعد في ظل النظام العالمي الجديد في حاجة لقواعد عسكرية وخاصة في هذه المنطقة, اما بالنسبة لاحتمالات حدوث حرب اهلية بالاقليم فقد تضاءلت امكانية حدوث ذلك وبقوة خاصة في ظل وجود قوات دولية وان كان لا يتصور ان ينتهي العنف بالجزيرة فور وصول القوات, الامر يحتاج لبعض الوقت حتى يعود الهدوء الى الجزيرة. وعن مواقف القوى الدولية وانعكاساتها على الوضع في اقليم تيمور الشرقية, يرى ايمن عبد الوهاب انه لابد من الاخذ في الاعتبار ان منظومة النظام قد تغيرت, واصبح هناك اعلاء من قيم حقوق الانسان والحريات العامة حتى وان كان هذا يطبق حسب المصالح الدولية. وبالتالي كان لابد للولايات المتحدة الامريكية ان تدعم نتيجة الاستفتاء خاصة وانها وجدت اندونيسيا تحاول التهرب من هذه النتيجة, من خلال موجات العنف التي شنتها الميليشيات الموالية لها في الاقليم لكي تحدث حالة من عدم الاستقرار, ولكن تفعيل الموقف الدولي والمطالبة بالتدخل وفرض العقوبات كانت هي القيد الرئيسي حول الرئيس الاندونيسي حبيبي, والذي دعاه الى تغيير موقفه... الموقف الدولي فيما يتعلق بتيمور الشرقية يتسق مع الرؤية الجديدة للنظام العالمي الجديد, بالاضافة الى ان المصالح الغربية والامريكية مع جاكارتا ليست من النوع الذي يجعلها تغض الطرف عن الاحداث التي تجري في تيمور. العالم يشهد الان نظاماً جديداً يقوم على اقرار مبدأ التدخل لانهاء النزاعات, ولكن هذا التدخل يتوقف حسب رؤية الولايات المتحدة لمصالحها وأولوياتها بالنسبة للمنطقة المراد التدخل فيها, وهذا يفسر احجام الولايات المتحدة عن ارسال قوات بصورة مباشرة الى تيمور والاكتفاء بالعمل من خلال الامم المتحدة, لان تيمور الشرقية لا تمثل نفس الاهمية التي كانت تمثلها كوسوفو على سبيل المثال. ويوضح ان المؤسسة العسكرية الاندونيسية ليس امامها الان الا ان تقبل نتيجة الاستفتاء رغم ما يمثل ذلك بالنسبة لها من مرارة. فالمؤسسة العسكرية كانت تراهن في البداية على الميليشيات الموالية لها لعمل نوع من الضغط على سكان الاقليم حتى لا يصوتوا لصالح الاستقلال عن اندونيسيا, ولما لم يحدث ذلك لجأت المؤسسة العسكرية الى دعم هذه الميليشيات لخلق جو من عدم الاستقرار والعنف في الجزيرة, حتى يظل الموضوع عائما ولا يتم اقرار نتيجة الاستفتاء. ولكن بقبول اندونيسيا مبدأ التدخل الدولي, فهذا جعل انه لا سبيل امام المؤسسة العسكرية الا ان تقبل نتيجة الاستفتاء.. القاهرة ـ مكتب البيان