مع تصاعد موجة الحديث عن مفاوضات الوضع النهائى ظهرت كل الملفات القديمة الساخنة الى سطح الأحداث, فإسرائيل بدأت من جهة فى تسريب المعلومات حول تعويض اللاجئين الفلسطينيين بدلا من عودتهم الى ديارهم وأراضيهم, وفى المقابل تصاعدت فى العواصم العربية التى تستضيف اللاجئين موجة من الهجوم على الأطروحات الاسرائيلية وإعلان الرفض المبكر لفكرة التعويض الذى يعنى توطين اللاجئين الفلسطينيين فى الأراضى التى يعيشون فيها, وبين (العودة) و(التوطين) تدور حرب باردة فى العواصم العربية المعنية بهذا الملف, فالدول المضيفة تخشى أن يوقع الفلسطينيون اتفاقا نهائيا لا ينص على حق العودة, وفى المقابل فإن إسرائيل تنظر إلى عودة اللاجئين على أنه (كلمة السر) لتدمير كيان الدولة العبرية بالقنبلة السكانية الفلسطينية, وعلى جانب آخر لاتزال الولايات المتحدة الأمريكية تراهن على المشروعات البديلة لتوطين اللاجئين فى أماكن أخرى غير الأراضي الفلسطينية لإرضاء إسرائيل. الواقع الحالي يفرض عشرات الأسئلة, فهل يمكن أن يقبل الفلسطينيون والبلدان العربية فكرة التوطين مقابل التعويض الكافى الذى يتيح استيعاب اللاجئين فى البلاد التى يعيشون فيها؟ وهل يقبل اللاجئون أنفسهم بهذا الوضع؟ وما هو مستقبل المشروعات البديلة التى تطرحها واشنطن؟ وإلى أى مدى يمكن للمفاوض العربى أن يعيد هؤلاء اللاجئين الى ديارهم؟ (البيان) طرحت هذه القضية على نخبة من الخبراء السياسيين وأساتذة القانون الدولى المتخصصين فى الصراع العربى الإسرائيلى. العودة قطعية بقرار 194 القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة فى 11 ديسمبر عام 1948 ينص بصورة قاطعة على عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين أضيروا من الحرب وهجروا ديارهم وأراضيهم, وهذا القرار أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة على أهميته واستمراريته وضرورة الالتزام به عشرات المرات وفى مختلف المناسبات, كما يقول الدكتور إبراهيم عنانى أستاذ القانون الدولى بكلية الحقوق جامعة عين شمس, ويضيف أن هذا القرار ينص على حق العودة للفلسطينيين الذين يودون العيش بسلام مع جيرانهم ويسمح لهم بالعودة الى حيث كانوا يسكنون قبل قيام الحرب, وينص القرار كذلك على حق الفلسطينيين فى التعويض اذا لم يرغبوا فى العودة, كما ينص على تعويضهم من قبل اسرائيل عن أية خسارة لحقت بهم على ايدى السلطات الاسرائيلية ويعد القرار 194 جزءا لا يتجزأ من القانون الدولى وليس هناك أى مبرر مهما كان لتجاهله من قبل أية دولة فى العالم لأنه من القرارات الحاسمة فى تاريخ منظمة الأمم المتحدة. وحسب المظلة التى تجرى تحتها عملية التسوية السياسية بين العرب وإسرائيل فإن السلام بين الطرفين يتحقق فى ضوء قرارات الشرعية الدولية وفى ظل معادلة الأرض مقابل السلام وبالتالى فإنه يجب على المفاوض العربى أن يتمسك بهذا الموقف ولا يقبل فكرة التوطين خاصة أن هذا الموقف مدعوم دوليا ولا يمكن تجاهله,بل أن تصريحات صدرت قبل ذلك من الإدارة الأمريكية تؤكد أن اللاجئين من حقهم العيش أينما أرادوا فى إشارة إلى حقهم فى العيش على أراضيهم فى فلسطين إن هم أرادوا ذلك. ويضيف أستاذ القانون الدولى أن إسرائيل تعتبر هذه العودة مستحيلة وتحاول من خلال الأجهزة الإعلامية التى تسيطر عليها فى العالم أن تصرف أنظار العرب عن حق العودة وتشيع أن قضية اللاجئين ستصبح عقدة مفاوضات الوضع النهائى لتهيئة الرأى العام العربى والعالمى لقبول فكرة التوطين, واستبدال العودة بقبول دفع التعويضات المنصوص عليها فى القرار 194 وهو ما يعد نهاية كارثية لمفاوضات التسوية خاصة أن وجود اللاجئين فى البلدان التى يعيشون فيها اليوم يمثل وضعا استثنائيا شديد الصعوبة ليس على اللاجئين وحدهم و لكن على أنظمة تلك البلدان التى تنتظر اليوم الذى يرحل فيه الفلسطينيون عن أراضيهم, بل أنهم يهيئون أنفسهم لهذا اليوم ويسخرون وسائل إعلامهم للتأكيد على رفض فكرة التوطين بشتى الوسائل,بل أن بعض البلدان بدأت فى اتخاذ إجراءات عملية ضد التوطين وعلى رأسها لبنان التى منعت الفلسطينيين من تولى العديد من الوظائف وتفرض قيودا مشددة على المخيمات الفلسطينية. التوطين فكرة خبيثة الدكتور عبد العليم محمد مدير وحدة الدراسات الإسرائيلية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام يرى من جانبه أن فكرة التوطين هى أحد الأفكار الخبيثة التى سعت إلى إقرارها الدولة العبرية منذ بدء رياح التسوية على الصراع العربى الإسرائيلى فاللاجئون الذين تركوا بلادهم بعد الحرب رحلوا إلى بلدان كانت هى أيضا تخوض حربا مع الكيان الإسرائيلى الأمر الذى أدى إلى تسهيل المهمة على تل أبيب فى رفض عود تهم باعتبار أنها فى حالة حرب مع هذه البلدان ولن يضيرها شىء إذا عاندت هذه العودة, ويضيف الخبير السياسى أن فكرة التوطين خضعت لدراسات عديدة داخل دوائر صنع القرار الأمريكية والإسرائيلية وكانت هناك مشروعات متعددة أقرب إلى العبث منها توطين اللاجئين الفلسطينيين فى أحد البلدان الافريقية, ثم بدأت واشنطن فى الإعداد لفكرة أخرى هى التوطين فى المناطق التى يسيطر عليها الأكراد فى شمال العراق فى ظل صيغ مختلفة ومقابل صفقة مع الأقليات الكردية يسمح لهم من خلالها بإقامة دولة مستقلة تعترف بها الولايات المتحدة الأمريكية, وكان هدف واشنطن من وراء هذه المشروعات إبعاد قضية اللاجئين الشائكة عن تعطيل أية تسوية محتملة وإرضاء إسرائيل والعرب بضربة واحدة. ويضيف عبد العليم محمد أن أحد المشروعات التى روجت لها إسرائيل أيضا هو استيعاب اللاجئين من مختلف البلدان العربية فى دولة الأردن على أساس أن الأردن خلقت صيغة فريدة من التعايش مع اللاجئين واستوعبتهم داخل المجتمع ويمكن لهذه الصيغة أن تتوسع من وجهة النظر الإسرائيلية تمهيدا لإعلان الكونفدرالية بين الأردن والدولة الفلسطينية المرتقبة. غير أن كل هذه المشروعات ينبغى رفضها جملة وتفصيلا على حد قول الخبير السياسى لأنها تعنى بكل بساطة الإطاحة بأهم حق من حقوق الفلسطينيين وهو العودة إلى بلادهم, كما أن بقاء اللاجئين فى البلاد العربية التى يعيشون فيها حاليا سوف يؤدى الى تفاقم المشاكل الاجتماعية خاصة أن وضعهم مرتبط بالمناخ السياسى فى العالم العربى. ويضيف عبد العليم محمد المشكلة الحالية أن هناك فى العالم العربى ـ للأسف ـ من يرى أن حق العودة مستحيل فى ضوء معطيات الوضع الإسرائيلى والدولى,بل أن البعض يروج لنفس ما تروج له الدولة العبرية من أن الاقتصاد الفلسطينى لن يتمكن من احتمال هذا العدد الكبير من العائدين جملة واحدة ولن تستطيع السلطة الفلسطينية تهيئة أراضيها لاستيعاب تلك الأعداد من حيث توفير المساكن والوظائف والمؤسسات التعليمية والبنية الأساسية, ويرى الخبير السياسى أن الإعلاء من تلك التصورات هو أمر بالغ الخطورة ويؤدى إلى تمييع القضية التى تمثل أحد أكبر المشكلات المعلقة, كما تمثل أيضا أحد القضايا الجوهرية فى هذا الصراع, إذ أن أى اتفاق يتم توقيعه لا يتضمن بصورة صريحة حق العودة لجميع الفلسطينيين اللاجئين فى الخارج فهو اتفاق باطل جملة وتفصيلا إذ أنه يتنازل عن أحد أهم أسـباب القضية,فالمسألة فى جوهرها هى الأرض والبشر, ولا يمكن أن يعتد العرب بأى اتفاق يتضمن عودة (بعض الأرض) فيما يرفض عودة (كل البشر) , ولا يمكن ان يعتد العرب بأي اتفاق يتضمن عودة (بعض الارض) فيما يرفض عودة (كل البشر) . لا تعويضات ولا توطين ويعتبر عبد العليم محمد أن الموقف الذى أعلنته الدول التى تستضيف اللاجئين حاليا عن رفضها كافة أشكال التوطين, مشيرا الى الموقفين السورى واللبنانى, ينطلق من رؤية صحيحة شكلا وموضوعا. ويضيف الخبير الاستراتيجى أنه حتى بالنسبة للتعويضات التى نص عليها القرار 194 فإنها لا تعنى أن التعويض يكون بديلا عن العودة بأى حال, فالقرار ينص على العودة والتعويض معا, أى أنه يفرض على إسرائيل أن تعيد جميع اللاجئين الذين تركوا أرضهم خلال الحرب, وأن تعوضهم أيضا عن أراضيهم وأموالهم وممتلكاتهم الضائعة فى هذه الحرب بعد أن أجبروا على اللجوء, أما صيغة التعويض كبديل فهى صيغة دخيلة لا يقبل بها أحد ولم تطرح على المستوى الدولى ولا يمكن القبول بها على الإطلاق. الدكتور السيد عليوة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان لا يبعد كثيرا عما يطرحه الدكتور عبد العليم محمد مشددا على ضرورة الرفض النهائى لفكرة التوطين إذ أنها تعنى أننا لم نحل المشكلة, بل وخلقنا مشاكل أخرى أكثر تعقيدا داخل البلدان العربية المضيفة للاجئين على المستوى الاجتماعى والسياسى. ويضيف عليوة أن المشكلة أنه فى ظل التطورات السلبية والتدهور الدائم فى مسيرة الصراع صار من حق اسرائيل تعريف من هو اللاجىء و اشتراط وثائق معينة حتى يتم الاعتراف باللاجئ, وهذه الوثائق قد تكون غير متوافرة للعديد من اللاجئين فى البلدان العربية وغيرها الأمر الذى سوف ينقل القضية إلى مشكلة إجرائية وقانونية أخرى معقدة, ولكن التعريف المتعارف عليه دوليا للاجئين الفلسطينيين هو الشخص الذى كانت فلسطين مقر اقامته الطبيعى لمدة لا تقل عن سنتين قبل نزاع 1948 وفقد نتيجة للنزاع داره وسبل عيشه ولجأ الى أحد البلدان حيث تقدم الأونروا مساعدات إغاثة له فى الاردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وغزة وأيضا يدخل تحت هذا التعريف الاشخاص المنحدرين منه بشكل مباشر. وبالتالى فإن قضية التوطين لا تنطوي على جانب واحد من الأزمة ولكنها تضم العديد من المشكلات فهل نحن نتحدث عن توطين هؤلاء اللاجئين الذين يتلقون مساعدات من منظمة الأونروا فقط؟ أم عن جميع اللاجئين الذين يعيشون على الأراضى العربية بخلاف الدول الأساسية فى سوريا والأردن ولبنان أما الذين هاجروا إلى عواصم أوروبية وينتظرون اليوم الذى يعودون فيه إلى ديارهم, وفى كل الأحوال, حسب رأى السيد عليوة, فـإن فكرة التوطين ينبغى رفضها جملة وتفصيلا. وفى رأى الخبير الإستراتيجى اللواء أحمد عبد الحليم, الخبير بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط, أنه لا يمكن من الناحية العملية أن يقبل المجتمع الدولى والعالم العربى بأن تقوم إسرائيل بتهجير الآلاف من اليهود من كافة بقاع الأرض,ومن بلدانهم الأصلية, إلى الأراضى المحتلة فى حين تطرح بالمقابل فكرة التوطين كبديل عن العودة, وتعمل على تأكيد استحالة الموافقة على عودة هذه العدد الكبير من اللاجئين الفلسطينيين بذرائع مختلفة, ويشير الخبير الإستراتيجى إلى أن إسرائيل تعمل على ترويج فكرة التوطين لأسباب عديدة أهمها الفزع من القنبلة الديموجرافية (السكانية) الفلسطينية, فقد عبرت اسرائيل مرارا عن قلقها البالغ من انخفاض نسبة السكان اليهود فى القدس الى أقل من 70%, حيث ترى الدولة العبرية أنها تفقد النسبة الديموجرافية الأمثل بأن يكون هناك ثلاثة يهود مقابل كل عربى فى المدينة, ويبلغ عدد سكان اسرائيل الآن حوالى ستة ملايين نسمة يؤلف اليهود منهم 80% والعرب 20% وقد تضاعف هذا العدد سبع مرات منذ 1948 وشكلت الهجرة المصدر الأكبر لهذه الزيادة حيث أدت إلى زيادة سكانية مقدارها 40% خاصة بعد تزايد عدد المهاجرين من الاتحاد السوفييتى وبولندا والمغرب بينما يبلغ متوسط النمو السكانى سنويا 5.2% داخل إسرائيل. وفى المقابل يبلغ عدد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة أكثر من ثلاثة ملايين نسمة ومن المتوقع أن يبلغ العدد ما يزيد عن سبعة ملايين نسمة بحلول عام 2025 وحسب الاحصاءات الاسرائيلية فإنه فى العام 2020 وبحساب العرب الموجودين فى داخل الدولة العبرية (عرب 48) سيكون تعداد السكان العرب فى الدولة 2.8 ملايين نسمة مقابل 6.6 ملايين يهودى. ويطرح الدكتور ابراهيم عناني موقفا متطورا مؤكدا على ان هناك سوابق عديدة لعودة اللاجئين تحت اشراف الامم المتحدة مثل عودة اللاجئين تحت إشراف الأمم المتحدة مثل عودة اللاجئين فى رواندا, ولاجىء كمبوديا وأخيرا وقبل عدة أشهر عودة لاجئ كوسوفو, وبالتالى فإن التمسك بالقرارات الدولية ومطالبة الأمم المتحدة بتنفيذ هذا القرار يمثل أهمية كبيرة خاصة بعد هذه السوابق فى عودة اللاجئين. ويضيف عنانى أن اللاجئين أنفسهم بإمكانهم نقل معركة خطورة إلى الأمام بعرض القضية على محكمة العدل الدولية وهذا الوضع سوف تقره محكمة العدل الدولية إذا قرر اللاجئون الاحتكام إليها, ويمكن إقامة الدعوى من خلال واحدة من البلدان التى تستضيف اللاجئين والتى ترفض فكرة التوطين على أراضيها نهائيا. القاهرة مكتب (البيان)