دخلت أمريكا عمليا في منافسة جديدة مع فرنسا والاتحاد الأوروبي على أسواق ثلاث دول مغاربية هي المغرب وتونس والجزائر, وذلك رغم تأكيد واشنطن ان تطلعاتها للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الثلاث لا تهدف إلى الاضرار بمصالح فرنسا خاصة والاتحاد الأوروبي عامة . ويندرج الاجتماع الذي عقد في واشنطن في ابريل الماضي بين نائب كاتب الدولة الأمريكي للشؤون الاقتصادية آنذاك ستيوارت ايزنستات, وبعض الوزراء المغاربيين من بينهم الدكتور فتح الله ولعلو وزير الاقتصاد والمالية المغربية, في اطار تفعيل المبادرة الأمريكية التي اطلقها هذا المسؤول الأمريكي والمعروفة بمبادرة (ايزنستات) التي استهدفت اقامة شراكة بين الولايات المتحدة والدول المغاربية المذكورة. وقد ارتكزت المبادرة على ثلاث أفكار أساسية هي, أولا: ارساء حوار منتظم مع دول المغرب العربي, ثانيا: التعامل مع هذه الدول كمنطقة للتعاون الاقتصادي بشكل يمكنها من الاستفادة من التكنولوجيا وكذلك من ضخامة السوق الأمريكي, ثالثا: التأكيد على الدور المركزي للقطاع الخاص. وتأتي المبادرة في سياق الاهتمام الأمريكي بالمنطقة, والذي تمليه عدة اعتبارات منها: الارتباط العميق بين هذه المنطقة ومنطقة الشرق الأوسط, فالمنطقة المغاربية تعتبر طريقا مؤديا إلى الشرق الأوسط والخليج, والتي تعتبر مجالا حيويا بالنسبة للمصلحة الأمريكية, حيث سبق لها ان دفعت في اتجاه ربط المنطقتين باسرائيل من خلال مؤتمر التنمية للشرق الأوسط وافريقيا الشمالية الذي كانت المغرب قد استضافت دورته الأولى, في سنة 1994 بالدار البيضاء, والذي تعثر مع رفض الكثير من الدول العربية تزكية التعنت الاسرائيلي, مما دفعها إلى مقاطعة مؤتمر الدوحة الأخير, الأمر الذي أفضى إلى انهيار هذه المبادرة غير انها تظل قائمة, وقد تتجدد الدعوة لها في حالة تحسن المناخ السياسي في اسرائيل التي قد تسجل تغيرا أكثر تفهما لمتطلبات العملية السلمية. لا ريب ان هذا التوجه الشمولي الأمريكي نحو المغرب العربي, لا ينفصم عن الاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى توسيع علاقاتها ومنافسة الدول الأوروبية في أسواق كانت تعتبر بمثابة مجال لاحتكارها, فالملاحظ ان السنوات الأخيرة قد شهدت نوعا من اعادة توزيع الاهتمام الأمريكي بمناطق ظلت محسوبة على النفوذ الفرنسي والأوروبي, فالولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة استشعرت ضرورة الانتشار في جميع مناطق العالم, ومن بينها القارة الافريقية التي شهدت تحركا أمريكيا ملحوظا تجلى في القمة التي انعقدت في واشنطن بين الطرفين. ومن خلفيات المبادرة التحولات التي تعرضها الاقطار المغاربية والتي دفعتها نحو معانقة الاختيارات الليبرالية, والانفتاح على الأسواق الخارجية بشكل لا رجعة فيه, وينطبق الأمر بالخصوص على الجزائر التي أدارت ظهرها للتجربة الاشتراكية التي ظلت سائدة لا سيما خلال مرحلة بومدين. ان تحرير الاقتصاد في الدول المغاربية يفتح فرصا استثمارية جدية أمام رأس المال الأجنبي, ومن بينه الأمريكي الذي يتطلع الى الاستفادة من هذه الفرص وعدم تركها بيد رأس المال الأجنبي, لكن هذه الخطوة الأمريكية الهادفة إلى تحريك التبادل الاقتصادي بين الطرفين, إذا كانت تؤكد على نوع من الانتقال الأمريكي من معاملة دول المنطقة كأقطار منفردة, إلى النظر إليها كمجموعة, مازالت تتسم بنوع من الانتقائية, فلأسباب سياسية معروفة تم اقصاء الجماهيرية الليبية. وعلى خلاف الأوروبيين الذين عبروا عن مرونة في التعامل مع هذا القطر المغاربي, فان الولايات المتحدة لم تغير من رؤيتها للجماهيرية, رغم القرار الليبي الأخير بتسليم المشتبه فيهما في قضية لوكيربي إلى العدالة في لاهاي, فمازالت تضعها ضمن خانة الدول الارهابية, علاوة على ذلك فإن موريتانيا ربما لاعتبارات اقتصادية مرتبطة بامكانياتها المتواضعة لم تدرج ضمن الاقطار التي فتحت معها الولايات المتحدة هذا الحوار. وفي حالة اعادة تحريك قطار المغرب العربي, فهل سيستمر هذا الحوار بشكله الحالي أم انه سيتوسع ليشمل كافة الدول المغاربية؟ على صعيد آخر فليس ثمة شك في الفوائد التي يمكن ان تجنيها أقطار المغرب العربي من تدعيم التعاون مع الولايات المتحدة في كثير من الميادين المالية والاقتصادية, كما هو الأمر بالنسبة لمواجهة المديونية, ورفع تنافسية المقاولات في هذه الأقطار..إلخ لكن في الوقت نفسه, وكما هو معروف بالنسبة للولايات المتحدة فإن علاقاتها الاقتصادية التعاونية لا تحددها السلطة بصفة أساسية, بل ان هذه الأخيرة تكتفي بوضع الاطار الملائم الذي ينبغي ان تندرج ضمنه هذه العلاقات, ويبقى للقطاع الخاص الدور الأساسي في بلورة هذه التوجهات, ومعنى هذا ان هذا الأخير لا يمكن ان يتحرك بشكل مكثف في اتجاه هذه المنطقة, إلا إذا شعر بأنها أصبحت تتوفر على المناخ الملائم والجاذب, سواء منه السياسي أو القانوني أو الاقتصادي لضمان استثماره. وفي هذا الصدد فان منطقة المغرب العربي مازالت تقدم نفسها كأقطار متنافسة ومتصارعة, أكثر مما هي مجموعة منسجمة تعبر عن سوق واحدة ومصالح متكاملة وتطلعات مشتركة, بل أكثر من ذلك حتى على مستوى القطر الواحد, مازال مسلسل الاصلاح السياسي والقانوني والاقتصادي متفاوتا ومتعثرا, وهذه الوضعية لا تشجع كثيرا على اغراء الاستثمار الأمريكي بشكل واسع. ويبقى الأمر معقودا بفعل التحولات الأخيرة التي عرفتها المنطقة, والمرتبطة بقضية لوكيربي والانتخابات الجزائرية وقضية الصحراء, في ان يتحول هذا اللقاء من مجرد حوار بين دول المغرب العربي والولايات المتحدة إلى شراكة امريكية مغاربية تشكل فيها هذه الأخيرة طرفا أساسيا وفاعلا. * استاذ العلوم السياسية ـ جامعة محمد الخامس