من الملف السياسي:توقف العمل بهياكله منذ1992اتحاد المغرب العربي.. تحديات وآفاق، بقلم: خير الدين العايب

تتحرك بعض العواصم المغاربية في اتجاه تفعيل اتحاد المغرب العربي الذي جمدت هياكله الاساسية منذ عام1991,عندما توترت العلاقات بين المغرب والجزائر ووصلت الى حد اغلاق الحدود البرية بين البلدين.وساهمت مشكلة الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليزاريو, والازمة الليبية الغربية (قضية لوكيربي), ومشكلات الجزائر الداخلية في توقف انعقاد مؤتمرات القمة , وضاع حلم الشعوب المغاربية في اتحاد كانت طالبت به منذ عام 1958 عندما عقد مؤتمر طنجة. وعندما تأسس الاتحاد المغاربي في زيرالدا بالجزائر عام 1988, استبشرت الشعوب المغاربية خيرا, لاقناعها بمدى اهمية التكامل والاندماج من اجل مواجهة المشكلات الداخلية, خاصة تلك المشكلات الموروثة عن الاستعمار (مشاكل الحدود), بالاضافة الى بناء منظومة اقتصادية اجتماعية موحدة تضم شعوبا موحدة في اللغة والدين والمصير المشترك. فمنذ تأسيس اتحاد المغرب العربي عام 1988 كاتحاد اقليمي جاء لحل مشكلات المنطقة الاقتصادية والسياسية, ومواجهة التحديات الامنية القادمة من جنوب اوروبا, بعد زوال الاتحاد السوفييتي السابق, كان ينظر للاتحاد المغاربي على انه تكتل ستواجه الاقطار المغاربية من خلاله مشكلاتها الداخلية, والتي تفاقمت اثر ارتفاع حجم ديون بعض الاقطار كالجزائر مثلا, بالاضافة الى عجز اقطاراخرى عن حل مشكلاتها بنفسها كليبيا التي فرض عليها حصار اقتصادي في قضية الطائرة الامريكية التي سقطت في منطقة لوكيربي باسكتلندا. الا ان الملاحظ ان الاقطار المغاربية عجزت جميعها عن تجاوز خلافاتها, مع انها ربما عرفت كيف تحل مشاكل حدودها التي مثلت قنابل موقوتة كانت تنذر باشتعال حروب ومواجهات مسلحة, كما كان الحال عليه بين الجزائر والمغرب عام 1963, عندما اندلعت حرب بينهما عرفت بحرب الرمال آنذاك, وهكذا توصلت الأقطارالمغاربية الى تسوية مشاكل حدودها, وكانت المغرب والجزائر من أولى الأقطار التي وقعت على اتفاقية الحدود, وتبعتها اتفاقية اخرى بين الجزائر وليبيا, ثم اتفاقية ثالثة بين تونس وليبيا, فأغلق موضوع الحدود نهائيا الا بعضا منه له دلالة تقنية مرتبطة بلجان رسم الحدود. انعكاسات الوضع الجزائري لقد كانت لمشكلات الجزائر الداخلية منذ عام 1992 تأثير كبير على اضعاف بنية الاتحاد المغاربي, حيث ان انضمام الجزائر بوضعها الداخلي اثر تأثيرا كبيرا على اداء الاتحاد, وانقص من فعاليته ووجدت بقية الاقطار المغاربية نفسها في وضع يجبرها هي الاخرى ان توقف عملها وأداءها, لأن الجزائر تمثل ثقلا استراتيجيا في لعبة التوازنات الاقليمية والدولية, بالاضافة الى تمتعها بمنظومة اقتصادية وتكنولوجية كانت هذه الاقطار تعول عليها في دعم اعتمادها المتبادل وحل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية, فضلا عن ذلك أرادت الاقطار المغاربية ان تتعامل مع بقية التكتلات الاقتصادية الواقعة على ضفافها كالاتحاد الأوروبي من موقع يعطيها الثقة بأنها تتمتع بنوع من القوة التي تمكنها من المحافظة على مصالحها الاستراتيجية. وبمجيء عبدالعزيز بوتفليقة الى الحكم بالجزائر واتخاذه قرارات جريئة تصب في تهدئة الوضع الامني والسياسي الذي يساهم في اعادة السلم الامني والمدني, بدأت العواصم المغاربية على رأسها تونس وليبيا تطالب بإحياء الاتحاد المغاربي, لان الجزائر بدأت تسترجع عافيتها ومكانتها الاقليمية خاصة ان المحيط الاقليمي المغاربي يشهد تحسنا ملحوظا على مستوى العلاقات بين الاقطار المغاربية لعبت فيها تونس دوار مميزا كان اخرها زيارة العقيد الليبي معمر القذافي الى تونس وهي زيارة تصب في مسعى تفعيل الاتحاد المغاربي. و مع ان الجزائر تستعد لعقد القمة المغاربية في نوفمبر المقبل والتي بدأ الاعداد لها من اجل انجاحها فإن الواقع الاقليمي المغاربي الراهن خاصة الشارع المغاربي منه يضع امام الجزائر تحديا كبيرا اخر يضاف الى تحدياتها الداخلية وهو ان الجزائر مجبرة على انجاح القمة بتوظيف امكاناتها ورصيدها الدبلوماسي والسياسي في اتخاذ قرارات جريئة تصب في صالح المصلحة المغاربية, من هذه القرارات السوق المغاربية المشتركة, والاتفاقية الامنية المشتركة التي نصت عليها المادة 10 من اتفاقية مراكش المؤسسة لاتحاد المغرب العربي, بالاضافة الى تحديد دور الاتحاد المغاربي في المحيط الاطلسي الأوروبي بعد توسيع حلف شمال الاطلسي ليشمل منطقة جنوب اوروبا. ويعرف عبدالعزيز بوتفليقة وهو السياسي المحنك العارف بدواليب وخفايا السياسة الدولية, ما ينتظر الجزائر من تحديات اقليمية عليها مواجهتها والتكيف معها بما يخدم مصلحة الشعوب المغاربية واعلنها صراحة عندما تولى السلطة بأن للجزائر رصيدا دبلوماسيا ستوظفه في خدمة الشعوب المغاربية لأنه لا مفر لهذه الشعوب إلا التكتل لمواجهة التحديات الداخلية وهذه سمة العالم الجديد الذي لا يعترف بالقوى الصغيرة والمجهرية, حتى ان هذا العالم لا يعترف بالتكتلات التي لا يتجاوز عدد سكانها 150 مليون نسمة, بمعنى آخر ان لا مستقبل للشعوب المغاربية إلا الاندماج في شبكة موحدة من طرابلس إلى الدار البيضاء. التحدي المشترك يساهم الانفراج في علاقات الجزائر والمغرب, المجمدة منذ سنوات إثر اقدام المغرب على غلق حدودها البرية مع الجزائر, في اعادة التوازن الاستراتيجي لمنطقة المغرب العربي, الذي تآكل إلى حد افتقدت المنطقة تلك الادوار التي كانت تؤديها في المنطقة العربية, أو في علاقاتها بدول الاتحاد الأوروبي, كما ان محور الجزائر الرباط مهم جدا, في العلاقات المغاربية على المستوى الاقتصادي والسياسي, ذلك ان الدولتين تمتلكان شبكة اقتصادية وتجارية تساعد عملية التكامل والاندماج, وتمتلكان وزنا سياسيا يؤهلهما لاذابة الجليد عن الفتور الحاصل في العلاقات السياسية المغاربية. وربما كانت مشكلة الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو من بين أبرز وأهم المشكلات التي عكرت صفو العلاقات الجزائرية المغربية, وبالتالي العلاقات المغاربية, ذلك ان المغرب لاتزال تتهم الجزائر بأنها تساعد وتساند جبهة البوليساريو سياسيا وعسكريا, بدليل ان قواعد جبهة البوليساريو مستقرة في منطقة تيندوف الجزائرية وتعلن الجزائر باستمرار عبر قنواتها الرسمية والاعلامية وفي المحافل الاقليمية والدولية انها أوقفت دعمها السياسي والعسكري واللوجستي للجبهة منذ سنوات, واختارت ان تكون محايدة في المشكلة بين طرفي النزاع, كما انها ستحترم نتيجة الاستفتاء الذي تعتزم هيئة الأمم المتحدة اجراؤه في الأشهر المقبلة. ونفس المبدأ التزم به الرئيس الجديد عبدالعزيز بوتفليقة باعتباره شخصية مطلعة جيدا على ملف الصحراء الغربية, حيث عايش بدايات الأزمة عام 1976 عندما كان وزيراً للخارجية آنذاك, وكانت تربطه علاقات جيدة بالعاهل المغربي الراحل الحسن الثاني. ونعتقد ان اللقاء المنتظر بين الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والعاهل المغربي محمد السادس سيساهم في الارتقاء بالعلاقات المغاربية الى المستوى الذي يريده المواطن المغاربي الذي يحن الى اليوم الذي تفتح فيه الحدود ويعبر الحدود المغاربية بدون تأشيرة مرور ويسمح له بالاستثمار بحرية كاملة على غرار المواطن الاوروبي في دول الاتحاد الاوروبي. ليبيا ... ولوكيربي كانت تعول ليبيا على الاقطار المغاربية لمواجهة الحصار الاقتصادي الذي فرض عليها عندما رفضت تسليم المتهمين الليبيين في تفجير الطائرة الامريكية, وطالبت ليبيا الحكومات المغاربية بكسر الحصار ومساندتها سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا, من منطلق مساعدة دول مغاربية وعربية تشهد عدوانا خارجيا, الا ان السنوات التي أعقبت قيام الاتحاد خسر الاقتصاد الليبي خلالها أكثر من 30 مليار دولار, وهذا في الفترة الواقعة بين 1992 ـ 1996 فقط. ووضع ذلك ليبيا في موقع حرج للغاية, فهي من جهة دولة ما فتئت تطالب بالوحدة العربية من المحيط الى الخليج, وأكثر من ذلك كله اعتقدت ان الحصار الذي فرض عليها يعد حصارا على بقية اقطار الاتحاد ايضا من منطلق ان وثيقة تأسيس الاتحاد أشارت في أحد بنودها الى ان (أي عدوان خارجي على دولة من دول الاتحاد يمثل عدوانا على بقية الدول المؤسسة للاتحاد المغاربي) . ومن جهة اخرى تراجعت العلاقات التجارية بين الاقطار المغاربية وليبيا باستثناء علاقة الجزائريين التي وصلت الى 3%. في مقابل ذلك تطورت العلاقات التجارية بين الاقطار المغاربية الثلاثة: الجزائر والمغرب وتونس وبين دول اوروبا الجنوبية ووصلت الى 70%. هذه الحسابات وعدم التجانس في المواقف السياسية المغاربية تجاه قضية لوكيربي, أرغمت ليبيا على اعادة حساباتها الاستراتيجية مع الاتحاد المغاربي, وأعلنت عن رغبتها تدعيم علاقاتها مع الدول الافريقية, خاصة تلك التي اخترقت الحظر أكثر من مرة, الا ان الآمال تجددت بعد المستجدات الايجابية التي طرأت على قضية لوكيربي بتسليم ليبيا مواطنيها المشتبه بضلوعهما في تفجير الطائرة الامريكية, ثم قبول ليبيا المشاركة في أعمال القمة الافريقية التي عقدت بالجزائر مؤخرا, حيث أعلن العقيد معمر القذافي خلالها عن نية ليبيا المشاركة في القمة المغاربية المقبلة بالجزائر, وقد لعب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي دورا في اقناع القيادة الليبية بتلطيف مواقفها السياسية والعودة الى البيت المغاربي, وكللت التحركات التونسية بزيارة القائد الليبي للعاصمة تونس وأدلى بتصريحات مشجعة تصب في مسعى احياء الاتحاد المغاربي. التنافس الدولي فشلت أقطار المغربي العربي في التعامل مع دول جنوب اوروبا ككتلة اندماجية موحدة, منذ تأسيس الاتحاد والى غاية عام 1991 عندما توقف العمل به, ويرجع السبب الى ان الاقطار المغاربية تفتقد لبنية اقتصادية متكاملة تتعامل من خلالها من مركز قوة مع دول جنوب اوروبا خاصة مع فرنسا وايطاليا واسبانيا. ونجحت دول جنوب اوروبا في تفكيك السياسة الاقتصادية المغاربية, بتعاملها مع كل دولة مغاربية على حدة, واستندت الدول الاوروبية في هذا التعامل على هياكل الاتحاد الاوروبي الاقتصادية والمالية, كالبنك الاوروبي للاستثمار مثلا الذي يقدم قروضا وتسهيلات مالية كبيرة لدول المغرب العربي, وأعطى ذلك انطباعا لدى الدول المغاربية بأن حل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية رهين بقدرة هذه الدول على مضاعفة علاقاتها الاقتصادية مع دول جنوب اوروبا وبقية دول الاتحاد الاوروبي. وبالاضافة الى العامل الاقتصادي لاتزال أقطار المغرب العربي منطقة نفوذ اوروبي ويرجع ذلك الى عامل الاستعمار من جهة, والقرب الجغرافي من جهة اخرى.. واصبحت للمنطقة اهمية استراتيجية بالغة في لعبة التوازنات الدولية بين القوى الدولية اي بين الولايات المتحدة الامريكية ودول الاتحادالاوروبي, والتي تمثل دول جنوب اوروبا كفرنسا وايطاليا ثقلها الاستراتيجي. وتنافس الولايات المتحدة الامريكية دول جنوب اوروبا اليوم على اسواق المغربي العربي خاصة النفطية منها وتجلت هذه المنافسة عندما رفضت دول جنوب اوروبا وعلى رأسها فرنسا, توسيع ادوار الاسطول الامريكي السادس وحلف شمال الاطلسي نحو الجنوب ـ لان ذلك يهدد مصالح دول جنوب اوروبا. واصبحت منطقة المغرب العربي منطقة تنافس دولي عجزت اقطارها عن مواجهته واصبحت مثل هذه التحديات الامنية من خارج المنطقة تمثل تهديدا لسيادة وامن المنطقة المغاربية. وعلى سبيل المثال وسعت الولايات المتحدة الامريكية عن مجال مناوراتها العسكرية حيث اصبحت تغطي بعضا من المناطق الاقليمية واعالي بحار الاقطار المغاربية, ويعني ذلك في الفقه الاستراتيجي ان سياسة الردع الامريكي لاتزال توظف العامل العسكري للضغط على كيانات الدول الداخلية وارغامها على الدخول في المعسكر الامريكي. وعلى الرغم من تبرير الولايات المتحدة الامريكية سياستها المغاربية الجديدة بأنها سياسة ترمي الى احتواء النظام الليبي الذي لم يستجب للمطالب الامريكية كلها, الا ان الهدف الذي ترمي اليه الولايات المتحدة الامريكية هو مراقبة دول جنوب اوروبا واحتوائها باتباع سياسة ردعية تقوم على توظيف الاسطول الامريكي السادس والحلف الاطلسي بعد الاعلان عن مفهومه الامني الجديد. وبين فكي المنافسة الامريكية ـ الاوروبية على المنطقة تقف اقطار المغرب العربي عاجزة, ليس عن مواجهة التحديات الخارجية فحسب, بل عن مواجهة اوضاعها الداخلية. فهل تكون القمة المقبلة انطلاقة جديدة لتجربة وحدوية اقليمية ناجحة كما تتمنى الشعوب المغاربية ذلك؟ كاتب وباحث في العلاقات الدولية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات