منذ ثلاثة عقود على الأقل يعاني الفكر السياسي من شحوب وتآكل مستمرين, ويتآمر عليه علماء السياسة, ويحاصرونه, ويهمشونه, ويزهدون الطلاب من التخصص فيه, وبينما انبرت زمرة من جهابذة الفلسفة السياسية من تلاميذ ليو ستراوس وايريك فوجلين, ومحسن مهدي, لنفخ الروح فيما تبقى من هيكل الفكر السياسي, يحاول سائر علماء السياسة كبت واطفاء الانفاس الأخيرة فيه . وكمثال لما تلاقيه مادة الفكر السياسي من اهمال واستخفاف, في أروقة الجامعات الامريكية, فإن الطالب المتخصص في العلوم السياسية يستطيع ان يجتاز كل سنوات الدراسة من بداية السنة الجامعية الأولى والى ان يحتاز شهادة العالمية (الدكتوراه) من دون ان ينال (كورسا) واحدا في الفكر السياسي. مؤسسات .. لا أفكار المنطق المضمّن في ازدراء الفكر السياسي, هو ان محتواه العام أصبح في عداد البديهيات, وان مفرداته قد تمت ترجمتها في شكل مؤسسات سياسية, لذا ينبغي ان يتوجه الدارسون الى تقصي مهام وصلاحيات وسلوكيات تلك المؤسسات. أما دراسة ما يسمى بالعقد الاجتماعي, ومشروعية الدولة, وأصلها وأصل الطبيعة البشرية... الخ, فهو ما يقود حتما الى التقعر والتعقيد ,واصطناع (الخرافات) أو الفرضيات التحكيمية التي لا دليل عليها, لا من العقل ولا من النقل الموروث في كتب الانثروبولوجيا والتاريخ.. وأبرز تلك الخرافات هي خرافة (العقد الاجتماعي) نفسه الذي لم يقم دليل على ابرامه بين البشر. ثمة اعتقاد بأن التحولات والنازلات التاريخية الكبرى هي التي قادت الغرب الى الديمقراطية ولم تقده اليها الاجتهادات والابداعات النظرية, فالديمقراطية الممارسة في الغرب حاليا لم تنحدر اليه من مواريث الفلسفة اليونانية, لأن الديمقراطية اليونانية شيء مختلف تماما, انها تعبير عن حكم الرِجْرِجَة ,والغوغاء, ودهماء العوام وأجلافهم, كما كان يصفها سقراط وافلاطون وأرسطو, وهي لاتعني سوى الاستناد الى الكثرة العددية, وتحقيق المساواة بين غير المتساوين, أما الديمقراطية الحديثة, فإن جوهرها يشير الى عملية المشاركة في السلطة, والتأثير في صنع قراراتها عن طريق الضغط والموازنة.. وهكذا فالديمقراطية الحديثة, تحمل فقط هذا الاسم المركب من اللفظين الاغريقيين, ولكن المضمون لم يأت من عند أثينا. لم يأت المضمون كذلك من فلاسفة العقد الاجتماعي كهوبز وروسو وجون لوك, وإنما انبثق عن نضالات الطبقة الوسطى الاوروبية ضد السلطات الاقطاعية وتطور مع ثوراتها العارمة ضد كنيسة روما, وهي الثورات التي عرفت في التاريخ بحركات الاصلاح الديني البروتستانتي. هذه النضالات الثورية هي التي أدت الى تقليم أظافر الاباطرة والبابوات, وأتاحت بالتالي حيزا أكبر للجماهير, للمشاركة في انتخاب واختيار النواب والحكام, وأصبح التقليد الساري. من ثم ان ينشأ برلمان منتخب يراقب تصرفات الهيئة الحاكمة (المنتخبة) ايضا, وان تقوم مراكز ضغط عديدة في المجتمع, تمثل مصالح مختلف طبقاته وفئاته, ويستخدم كل مركز ما أتيح له من قوة ونفوذ لتحقيق مصالح الطبقة أو الفئة التي يمثلها. هذه التقاليد الديمقراطية لم تتولد أساسا عن أفكار وإنما عن ممارسات عملية, تقوم على التجربة والخطأ فلماذا تُنصًّب فوقها هياكل أفكار نظرية تحدّ من طلاقتها وتطورها؟.. إذن فدراسة الفكر السياسي عمل ضار يؤذي التجربة السياسية ويقيدها ويلزمها بمستلزمات لا تلزم, كما يقول اساتذة المدرسة السلوكية الذين لم يألوا جهدا في ازهاق روح الفكر السياسي لولا انه استعصى عليهم. لقد نسي اولئك الاساتذة, وهم يستضعفون الفكر السياسي بجملته, انهم مجرد فصل واحد منه, وهو مع ذلك فصل قاصر, لمّآ يكتمل بعد.. لقد اغتروا كثيرا, وتجرأوا كثيرا, على الفلسفة السياسية اعتدادا بقوتهم الراهنة, وصلابة مناهجهم البحثية وسيطرتهم علي مقاعد التدريس في معظم الجلسات, ناسين ان تحالف الظروف الراهنة معهم, لايمكن ان ينهي سائر حقب وانجازات الفكر السياسي, فنهاية التاريخ لاتزال بعيدة جدا, في رحم الغيب, لا كما تجاسر وتنبأ عالم السياسة, الياباني المتأمرك, الذي صاغ النظرية الفجة عن (نهاية التاريخ) وتجميده بسطوع شمس الفكر الليبرالي. مشروعات معاكسة في المقابل كان المفكر النمساوي محمد اسد, مثالا للمفكر العالمي الكبير المتواضع, وكان شديد السخط على كل دعاوى الانغلاق, والتحجر, وختم الولاية الفكرية على البشر وبالرغم من انه تتلمذ علي تراث (هيجل) ونيتشه) وهو اين بيئتهما ـ الا انه احتفظ مع تفوقه الفكري بسمات الانفتاح والاريحية الفكرية ونأى عن تعصب وشوفينية هذين الفيلسوفين الكبيرين, وانطلق طوال حياته في مغامرات الفكر والاكتشاف, يتعلم مختلف اللغات ويتعايش مع مختلف الاقوام, وينخل التراثات البشرية نخلا, بحثا عن الحكمة والبصيرة التي صفاها راووق العصور, ولم تنته مغامراته باعتناقه للاسلام في عام 1926, في العالم العربي, وانما ظل يطوف الاقطار ويقود سيارته بنفسه وهو على ابواب التسعين, ولم يتوقف دفق مشاريعه الفكرية الخلابة, الا مع توقف دفق الدم في عروقه حين توفاه الموت في 1992 عن قرابة قرن كامل من العمر. نظر محمد اسد يعمق الى تراث الفكر السياسي العربي الاسلامي, على ضوء خلفيته الفلسفية الغربية, وانجز في هذا المضمار مشروعين رائدين, سجل اولهما في كتابه (منهاج الاسلام في الحكم) الذي ترجمه الاستاذ محمد ماضي الى العربية, والثاني كتابة "the low of ours" الذي كان خلاصة محاضرات القاها على طلاب الدراسات العليا, بجامعة نيويورك, وجمعتها زوجته في هذا الكتاب, الذي صدر حديثا, وينتظر مترجما وناشرا يروجانه بلغة الضاد. اندهش محمد اسد لانه لم ـ يجد ـ الا قليلا ـ غير اولئك العاطفيين الذين يحملون تصورات هلامية عن شكل الدولة الاسلامية, ووظائفها بتصورات شكلتها بعصر ما حكايات التاريخ, ثم جمد الناس عليها, ووجد من الطرف الآخر أناسا ربما كانوا معذورين ـ انكروا تلك التصورات والحكايات تماما, بسبب قصورها, وتخلفها عن الاستجابة لمعطيات العصر الحديث, ومن ثم اراد محمد اسد ان ينشىء جسرا صلباً يصل ما بين أولئك الذين يعيشون في خدر التاريخ, وأولئك الذين يصطلون بوهج الواقع, وكانت أداته المفضلة لإنشاء ذلك الجسر هي اداة الاجتهاد والاسهام في احياء الفكر السياسي الذي عايش اقصى أزماته سواء في الغرب, أو بالعالم الاسلامي. ولم يبال محمد أسد بمن تربصوا به لاصطياد أخطائه, واتهمامه بتهمة التغريب, وهي تهمة كان من الغريب انها وجهت اليه من كل الأطراف. معارك العقل لم يكن محمد أسد متخصصا في العلوم السياسية, ولا الدستورية, ولا الدراسات الاسلامية بمعناها التقليدي, وانما هو مجرد صحفي, ومستشرق مبرز, وناضج فكريا, وجريء في توجهاته, ولكنه مع ذلك كان أصفى احساسا وأنفذ رؤية من معظم رجالات علم السياسة الأمريكيين, والغربيين عامة, فبينما كان أولئك مدفوعين بمواريثهم الليبرالية متوجهين لإعلاء شأن البرلمانات, كان محمد اسد يرى ان دور البرلمانات في تضاؤل وهذا ما اثبتته الدراسات الاخيرة التي انجزها علماء السياسة المقارنة شأن ألموند, وفيربا, وبلودنيل, ليس اهتداء باراء محمد اسد, وانما بالبحث العملي, وهو امر استشفه محمد اسد من دون بحث عملي مضن. ايمان محمد اسد بالبرلمانات ايمان صميمي. هو يعتقد ان الآية القرآنية (وامرهم شورى بينهم) يجب ان تعتبر الركن الاساسي في الفكر السياسي الاسلامي, فكلمة (امرهم) التي وردت في الآية, تشير الى كل الامور المتعلقة بالشأن العام, واما كلمة (بينهم) فهي تشير الى (مجلس الشورى) او (البرلمان) ويعتقد محمد اسد ان العقل الانساني, لم يتمكن حتى الآن من تحديد آلية لحسم القضايا السياسية الاجتماعية, افضل من الاخذ برأي (السواد الاعظم) او (الاغلبية) , وان التقدم الصحيح في مضمار الحياة لن يتحقق بدون المعارك العقلية, التي تخوضها الاراء المتباينة, حيث يتضح من صراعها الدرب الذي قد يقود لحل الاشكالات العويصة. لكن لم يندفع محمد اسد مع ذلك لاعلاء شأن البرلمان, على الجهاز التنفيذي, بل مال الى العكس, ان الدولة ملزمة, ولا ريب, بتنفيذ ما يصدره البرلمان, ولكن لها مساحات كبيرة من الحرية, لاختيار افضل الوسائل للتنفيذ, ولا يملك البرلمان حق اختيار وسائل التنفيذ, ورئيس الدولة لا وزراؤه هو وحده المسؤول امام البرلمان. واذا كان محمد اسد قد اقترح بناء على ما استند اليه من مفاهيم اسلامية نظاما سياسيا قريبا من النظام الرئاسي الامريكي, الا انه عاد فابرز لنا اختلافا واضحا عن ذلك النظام, وعن كل النظم الديمقراطية, عندما دعا الى انشاء علاقة عملية, من نوع جديد ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. صحيح انه من الناحية النظرية البحتة فان البرلمان او مجلس الشورى منوط به وضع القوانين والنظم, الا انه من الناحية العملية, فان مسودات تلك القوانين والنظم, توضع في الغالب بواسطة الاجهزة التنفيذية, لانها تتطلب دراسات وجهودا فنية لاتتوفر الا للاجهزة المهنية ومن النادر ان تتوفر للجهاز التشريعي, الذي لاينتخب اعضاؤه الا لاسباب وصفات عامة كالنزاهة, والخلق والذكاء.. الخ, لذا يعطي محمد اسد للجهاز التنفيذي الدور الاكبر في صنع القوانين, كما يدعو الى الحاق اللجان البرلمانية المتخصصة مثل لجان الشؤون القضائية والاقتصادية والامنية, والخارجية.. الخ, بالاجهزة التنفيذية, وان تعطى كل لجنة من تلك اللجان مهمة المجلس الاستشاري للوزير المختص وان تتمتع بسلطات برلمانية, في ادائها لاعمالها, لان توجيهها يأتي اساسا من قبل البرلمان. هذه افكار في غاية الغرابة, ولكن غرابتها لاينبغي ان تكون مبررا لنبذها, ولا, لان يتسارع كهنة علوم السياسة, الى وصف داعيتها بالهرطقة, وهو على كل لم يكن يبالي كثيرا بذلك, لانه لم يبال على الاطلاق بتسارع بعض الاسلاميين الى وصفه بالميوعة الفكرية. لايسعنا المجال الآن لمناقشة آراء محمد اسد تفصيليا, وليس ذلك هو موضوع المقال, انما ما قدمناه مثال للمجتهد الذي لايؤمن بالحرفية الفكرية, ومثال للثورة على الغرور الفكري الذي ابتدأ بهيجل, ودعوته التي ضيقت واسعا, وكادت ان تحول الفلسفة الى علم اجتماع سلوكي مغلق.. ان محمد اسد يستحق دراسات جادة من قبل طلاب الدكتوراه النابهين.. سواء اكانوا من ابناء الحضارة العربية او الغربية.