لعل اول ما يلحظه المتابع لمسيرة(الاتحاد المغربي), منذ انشائه قبل حوالي عشر سنوات(فبراير1989), هو أنه مازال يتعثر.. بسبب العديد من المشكلات التي تفصل بين اعضائه, وتعوقهم عن تنفيذ العديد من القرارات, وكذا المشروعات, التي تم اقرارها من قبل مجلس الاتحاد . بيد ان هذا وان كان صحيحا.. فان الاونة الاخيرة, قد حملت بعض المؤشرات التي توحي, بل تشير, إلى أن ثمة وضعا جديدا على وشك ان يواجهه الاتحاد المغاربي, مع اولى بواكير القرن الحادي والعشرين.. نعني الوضع الخاص بحدوث انفراجات ملموسة لازالة اسباب التعثر والجمود التي اعترضت مسيرة الاتحاد لسنوات طويلة (خاصة منذ علق المغرب عضويته فيه عام 1995). مؤشرات ايجابية من هذه المؤشرات, ما أكده الملك محمد السادس ـ في أول خطاب عرش له ـ من أنه يولي اهتماما خاصا بدفع مسيرة الاتحاد المغاربي عبر: (ضرورة تصفية الاجواء وازاحة العراقيل التي أدت الى تعثر الاتحاد وتعطيل ممارسته دوره على مختلف المسارات) .. ومنها موقف القيادة الجديدة في الجزائر لتحسين العلاقات مع المغرب, وهو ما عبر عنه اللقاء الذي تم مؤخراً بين الرئيس الجزائري بوتفليقة والملك المغربي محمد السادس.. ومنها, الانفراج الذي شهدته الازمة (الليبية ـ الغربية) , ورفع الحصار الاقتصادي عن ليبيا.. ومنها, التقارب بين المغرب وتونس الذي تردد ان مؤداه تنشيط الاتحاد المغاربي, خاصة وان هذا التقارب كان قد جاء مع توافق (تونسي ـ ليبي) وتوافق (مغربي ـ ليبي) على تفعيل الاتحاد. ضمن هذه المؤشرات ايضا, وربما اهمها في الوقت نفسه, تأتي المحاولة (المصرية) في الانضمام الى الاتحاد المغاربي, وهي المحاولة التي سيكون لها تأثيرها, المؤكد, على مسيرة الاتحاد خلال السنوات المقبلة.. خاصة في اطار تصريحات الرئيس المصري حسني مبارك لرؤساء تحرير الصحف المصرية (13 يوليو 1999), في طريق العودة من القمة الافريقية بالجزائر, من انه سيقوم ببحث اية مبادرة في اتجاه انضمام مصر للاتحاد كعضو اساسي, في ضوء التعامل وتحقيق المصلحة الاقتصادية المشتركة لمصر ودول اتحاد المغرب العربي. واذا ما اقتربنا من هذه الخطوة, خطوة انضمام مصر للاتحاد كعضو مراقب اولا, حيث يمكنها المشاركة في القمة المغاربية المقبلة (المقرر عقدها في اكتوبر المقبل).. فان اهم ما يأتي في هذا الشأن, ان الاتحاد المغاربي كمجموعة اقليمية, يضم دول شمال افريقيا ـ بما فيها مصر ـ يمثل تجمعا اقليميا في إطار التعاون (الاوروبي ـ المتوسطي) . وفي اطار التعاون المنشود بين الاتحادين الاوروبي والمغاربي.. وفي اطار التحضير لعقد القمة (الافريقية ـ الاوروبية) عام 2000 في القاهرة.. وفي اطار ما يجري من خطوات لعقد اتفاق مشاركة بين مصر والاتحاد الاوروبي, الى جانب ما تم من قبل من عقد اتفاقات مشاركة بين الاتحاد (الاوروبي) وكل من تونس والمغرب.. ناهيك عن التوجه المصري الواضح نحو دعم العلاقات التجارية والاقتصادية مع دول الاتحاد المغاربي, وتفعيل دور اللجان العليا المشتركة, وكذا محاولات انشاء مناطق التجارة الحرة مع كل من تونس والمغرب, وزيادة بنود السلع المتبادلة بالاعفاءات الجمركية, واقامة الآليات اللازمة لدعم التجارة بين دول الاتحاد, وتدعيم التعاون بين رجال الاعمال.. كل ذلك يمكن ان يمثل رصيدا ايجابيا يخدم الحركة المستقبلية للاتحاد وتفعيل دوره, سواء على المسار الداخلي فيما بين دول الاتحاد وبعضها البعض, او فيما بين الاتحاد المغاربي والاتحاد الاوروبي. ولعل اول ما يلفت النظر, هنا, ان هذه المحاولة المصرية تأتي تأكيدا لاحد اهم الخطوط الرئيسية التي تلتقي بناء عليها كل من مصر ودول المغرب العربي.. فهذه الاخيرة, بحكم كونها اقرب المناطق العربية الى اوروبا, هي من اكثر الدول العربية تنسيقا مع الجماعة الاقتصادية الاوروبية منذ وقت مبكر. اما المحاولة المصرية, فتأتي متوافقة مع الفكرة التي طرحها الرئيس مبارك في بيانه امام البرلمان الاوروبي (ستراسبورج, نوفمبر 1991), بإنشاء (منتدى الدول المتوسطية) على اساس النظرة الشاملة للبحر الابيض المتوسط, كإقليم يتمتع بخصائص معينة تجعل من مصلحة دوله ان تتعاون في شكل (لا يتعارض مع تجمعات اخرى لدول معينة) . واذا ما اقتربنا اكثر من بانوراما الصورة, يمكننا ملاحظة ان (مشروع التعاون المتوسطي) , انما يعد احد المحطات المشتركة التي التقت عليها مصر مع دول المغرب العربي على هامش مؤتمر (الامن والتعاون الاوروبي) , حيث تشارك جميعها كـ (مراقبين) في حضور المؤتمر. تحديات مشتركة بيد ان التساؤل الذي نود مناقشته, هو: هل يمثل انضمام مصر الى (الاتحاد المغاربي) عاملا دافعا لتفعيل اداء الاتحاد وتجاوزه للعديد من المشكلات التي اعاقت مسيرته طوال سنوات عديدة مضت؟! اذا كان الدافع الى هذا التساؤل, هو ما ذكرته صحيفة (البيان) الناطقة باسم (حزب التقدم والاشتراكية) ـ منذ بضعة سنوات ـ بان: (انضمام مصر الى الاتحاد المغاربي خطوة تثبت على الاقل نظرية ان تجمع كل الدول العربية لمنطقة شمال افريقيا, يحيي الامال والامكانيات التي لا نستطيع ان نقلل من شأنها: الا ان الاقتراب من مناقشة ذلك التساؤل يمر, في رأينا, عبر جهات ثلاث: فمن جهة.. يمكن القول ان مصر تعتبر كبقية اجزاء الشمال الافريقي, مكونة للشاطئ الجنوبي للبحر الابيض المتوسط, وان دول هذا الشمال الافريقي تواجه مستقبلا مشتركا ازاء التحديات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية الداخلية والخارجية, ومستقبلا مشتركا في التعامل مع المجموعة الاوروبية, التي اصبحت تكون وحدة قوية اقتصادية صناعية وتجارية تفرض وجودها على الضفة الجنوبية المقابلة للبحر المتوسط. ومن جهة اخرى.. فان انضمام مصر يمكن ان يعطي (نفسا) جديدا للاتحاد المغاربي. كما يمكن ان تقلل مصر من التنافس (المغربي ـ الجزائري) , وان تخفض من التأثير السلبي لهذا التنافس على مسيرة وفاعلية هذا الاتحاد.. ناهيك عن ان مثل هذا الانضمام المصري الى الاتحاد المغاربي, في ظل وجودها ضمن اعلان دمشق مع سوريا ودول الخليج العربي, يمكن ان يعطي دفعة هامة نحو تنسيق السياسات العربية, وربطها بقواعد تكاملية حقيقية في مجالات عدة, خاصة التعاون (الامني) والتنسيق السياسي. اضف الى ذلك, ان موقع مصر, كهمزة وصل بين المشرق والمغرب العربي, ليس مجرد وصف جغرافي للموقع, وانما هو ترجمة حية لمشروعات تنموية طموحة (.. بعضها محل التنفيذ, والبعض الاخر محل دراسة الجدوى الاقتصادية والتكنولوجية), لا تكتفي بربط المشرق بالمغرب العربي فقط ـ عن طريق مصر ـ وانما ربطهما, ايضا, بعمق القارة الافريقية.. ويكفي الاشارة الى مشروعين خطيرين تلعب فيهما مصر هذا الدور الاستراتيجي بالنسبة للمغرب العربي وافريقيا, قبل ان تفكر ـ بسنوات ـ في الانضمام الى الاتحاد المغاربي, وهما: مشروع الشبكة الكهربائية العربية الافريقية الموحدة, ومشروع الطريق البري (العرضي) مع دول الاتحاد و(الطولي) مع دول العمق الافريقي, ومن جهة ثالثة.. يمكن ملاحظة انه بانضمام مصر الى الاتحاد المغاربي, يكون جسر جديد قد اقيم, لدعم التعاون بين الوطن العربي واوروبا, حيث يتكامل الامن على شاطئ البحر المتوسط, وحيث تبدي الدول الاوروبية جميعها اهتماما كبيرا بهذا الصد.. او قل: اهتماما كبيرا باستقرار المنطقة العربية, باعتبار ان ذلك يشكل اساسا لاستقرار الشرق الاوسط كله, وعلى امتداده في اسيا. هذا الجسر الذي نعنيه, يتمثل في امكانية انضمام مصر الى الاتفاقية التي تربط دول المغرب العربي الخمس مع دول اوروبا الخمس (.. فرنسا, ايطاليا, اسبانيا, البرتغال, مالطا), والتي تعرف بصيغة (خمسة + خمسة) .. وهي الاتفاقية التي تم تعطيلها بسبب ازمة (لوكيربي) . هذه الجهات الثلاث, اضافة الى المؤشرات التي سبقتها, تشير الى امكانية ان يساهم انضمام مصر الى الاتحاد المغاربي, في تفعيل اداء الاتحاد, او على الاقل, المساهمة في تجاوزه لبعض من العثرات والمشكلات, التي اعاقت مسيرته خلال السنوات العشر الماضية. بل ان قولنا الاخير, هذا, يتأكد اذا ما لاحظنا حرص دول (الاتحاد) على الابقاء عليه (.. رغم تفاقم مشكلات الحدود وقضية الصحراء, وتزايد الضغوط الدولية بشأن ازمة لوكيربي).. اذ ان مثل هذا (الحرص) , في اطار المؤشرات التي سبق الحديث عنها, يمكن ان يكون دافعا قويا لاحياء نشاط (الاتحاد) وفعالياته, لينسجم مع العصر ومستجداته الاقتصادية, وذلك من منظور ان (مراكش) كانت قد شهدت مولد اعلان منظمة التجارة العالمية, منذ اربعة سنوات (في بداية العام 1995), بالتوقيع على اتفاقيات جولة اورجواي, التي دقت جرس الانذار المبكر لدول المنطقة, لمواجهة خطر التداعيات السلبية التي يمكن ان تتعرض لها اقتصادياتها على المستويين الدولي والاقليمي. باحثة في معهد البحوث والدراسات العربية ـ القاهرة