كان ميشيل جوبير وزير الخارجية الفرنسي الاسبق قد ألف كتابا عن المغرب العربي, سجل فيه بارتياع(بالعين)كيف ان هناك من هو مقتنع بعمق بان وحدة المغرب العربي لن يشهدها الجيل الحالي ولا الذي بعده, بل انها قد لا ترى الا فيما بعد. وهذا استسلام كما يراه جوبير, المشفق على تأجيل المشروع الاقليمي المغاربي, منذرا بكارثة . كانت اوروبا في الوقت الذي الف فيه جوبير كتابه المشار اليه (ترجم الى العربية بعنوان (المغرب في ظل يديه) ), تستعد لصياغة علاقتها مع الاقطار الخمسة, ولما باء التنسيق الاقليمي بالفشل, اتجه الاوروبيون الى سياسة بديلة ترمي الى انشاء فضاء اورومتوسطي, يشمل مجموع اقطار ضفتي المتوسط, بحيث تكون اقطار المغرب العربي جزءا من مجموعة فضفاضة. وما تم بين هذا وذاك هو ان قطار الاورومتوسطية انطلق دون ان ينتظر المترددين, وحدث بالذات ان قطار مراكش (معاهدة 17/2/1989) تعطل بمجرد ما استكمل ادواته التأسيسية (الامانة العامة, مجلس الشورى), ومن بين 37 اتفاقية وبروتوكولا التزمت بها الدول الخمس المكونة للاتحاد لم تتم المصادقة الا على خمس اتفاقيات. واما الاورومتوسطية فقد انطلقت, وفي سياقها تم ابرام اتفاق بين الاتحاد الاوروبي وكل من المغرب وتونس, وهناك تفاوض مع الجزائر في نفس الصدد, واستمر التعامل ثنائيا بين بروكسل وبين كل عاصمة مغاربية. وفي افق 2010 ستكون منطقة التبادل الحر العابرة للمتوسط قائمة, بحسابات اوروبية جماعية, وبحسابات مغاربية فردية. حلقة مفرغة هاهو اتحاد المغرب العربي مجمد, ولا تتحرك في المنطقة الا المبادرات الثنائية, وما يرتبط بالتوجه نحو الاورومتوسطية, يتم هذا رغم انه, كما سجل تقرير عن المناخ الاستثماري في الاقطار العربية, ازدادت السياسات الاقتصادية في مجموع الاقطار العربية تماثلا, اذ ان اغلب الدول العربية اخذت بسياسات التقويم الهيكلي, وجلها التزم بسياسة تحرير الاسواق, امتثالا للقواعد الجديدة التي أخذت تضبط التجارة الدولية. وهذا من شأنه نظريا ان يسير تيار التبادل ويوفر اسباب التعاون بين الاقطار العربية بمجموعها, ويشجع تنقل رؤوس الاموال فيما بينها. ولا حاجة الى التذكير بالعديد من القوانين التي احدثت, والتدابير التي اتخذت في جل الاقطار العربية, ومن بينها اقطار المغرب العربي, للانسجام مع القواعد المتعارف عليها عالميا. وكان من شأن تلك التدابير ان ترفع وتيرة التبادل, وتقوي التعاون, وتحفز على استثمار الاموال العربية (وهي حوالي 800 مليون دولار في البلاد العربية التي مازال المستثمرون الرئيسيون في اغلبها من غير العرب). ان تدابير الانفتاح قد خدمت في كل اتجاه الا في اتجاه زيادة التعامل البيني سواء في التجارة او الاستثمار, ومازال التبادل الرئيسي بين كل بلد من بلدان المغرب العربي و مع اوروبا, وفي المغرب مثلا يصل الى 65% اما مع البلدان العربية فهو لا يتعدى 8% كما ان فرنسا هي المستثمر الاول في المغرب, وكل هذا يتم بطبيعة الحال خدمة لمصالح متبادلة, وهذا هو الحال مع باقي الدول الاوروبية او الغربية عموما, حيث ان مبادلاته التجارية هي اساسا مع فرنسا, ومع اسبانيا والولايات المتحدة وايطاليا. ولا يوجد نفس الوضع بين المغرب وباقي بلدان المغرب العربي, وكما هو معلوم تسمح شروط سياسية وبنيوية بأن يكون الوضع على هذا الشكل بين المغرب, وكذلك بالنسبة لكل واحد من بلدان المغرب العربي, وبين الاتحاد الاوروبي. ومن تلك الشروط وجود قرار سياسي سواء في دول الاتحاد الاوروبي, او كل واحدة من دوله, بأن يستمر التعامل على المنوال المعهود, بالاستفادة من تراكمات عقود من السنين ومن عوامل مادية كرست هذا الموضوع. وتسمح هذه الشروط بأن تعرف الاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد الاوروبي طريقها الى التنفيذ, بينما تبقى الاتفاقيات المبرمة فيما بين دول المغرب العربي في باطن الادراج. بات في المدة الاخيرة, وكلما اثير موضوع الاورومتوسطية وعلاقتها مع مشروع المغرب العربي, يتصدر سؤال مزعج: ماهي تكلفة عدم انجاز المغرب العربي؟ وقد يطرح الى جانب ذلك سؤال اكثر منه ازعاجا: هل يمكن الاستغناء عن المغرب العربي؟ لقد أخذ السؤال عن تكلفة غياب المغرب العربي يفرض نفسه, وذلك ان حصيلة البناء المغاربي ضعيفة جدا, بل ان اجهزة اتحاد المغرب العربي متوقفة, لم تتعد مرحلة الانشاء, وبينما كان مقررا ان تنشأ منطقة التبادل الحر ابتداء من 1992 ظل القرار حبرا على ورق. مرت سبع سنوات للتأكد من ذلك, وفي نفس الفترة تقريبا كان قد تقرر انشاء السوق المشتركة لدول امريكا الجنوبية (ميركوسور) , وقد تم الاعداد لدخول الاتحاد الجمركي في حيز التنفيذ في 1992 وكذلك كان, وتم الانطلاق في ذلك المسلسل, بعد ان امكن اضفاء جو من الثقة على العلاقات بين عملاقي المنطقة وهما البرازيل والارجنتين. ذلك انه بعد استئناف الديمقراطية في البلدين تبين للقادة الجدد ان التنافس فيما بينهما, الذي كاد يتحول الى حذر متبادل والى عداء, كان يمثل عرقلة حقيقية لأي تعاون اقليمي. وحين تبددت الشكوك فيما بين برازيليا وبوينس ايريس امكن الانطلاق في (ميركوسور) الذي يضم اليوم الى جانبهما الجارتين الصغيرتين اورجواي وباراجواي, وهاهي الدول الاربع تسوي المشاكل التي تعرقل التعاون, وتراجع دوريا لوائح السلع التي يقع تحريرها, وتتفاوض فيما بينها على تذليل الصعوبات المادية والنفسية التي تحول دون تحويل مشروع (ميركوسور) الى وسيلة للتنمية لفائدة الجميع. لم يتأت شيء من هذا القبيل في منطقة المغرب العربي, لان الحالة بين الجزائر والمغرب مازالت على حالها المعهود, وبعد ان عقد شعبا البلدين الامال على امكانية عودة العلاقات الطبيعية في اعقاب وعود الرئيس الجزائري الجديد عبدالعزيز بوتفليقة بفتح الحدول المغلقة بين البلدين منذ سبتمبر 1994 (وهو بالمناسبة تاريخ اخر قمة لاتحاد المغرب العربي على المستوى الرئاسي, حيث عقدت في ابريل من ذلك العام) حتى عاد التحفظ بين المغرب والجزائر, البلدين الاكثر سكانا على خلفية اتهام الرئيس بوتفليقة للمغرب بايواء معارضين اصوليين جزائريين ارتكبوا مجازر في بلادهم وهو اتهام نفته الحكومة المغربية بشدة. احتمالات المستقبل من الطبيعي ان يكون كل عضو في الاتحاد مدافعا عن مصالحه الخاصة وعاملا على تحقيق المآرب التي تهمه. واذا لم يتحقق ذلك من خلال المشروع التعاوني الاقليمي فمعنى ذلك ان المشروع المذكور فاقد لما يبرر قيامه, وانه مجرد خطاب افلاطوني, اما موريتانيا مثلا يجب ان تحس ان مشروع اتحاد المغرب العربي يحقق لها مجالا للدفاع عن مصالحها بكيفية اكثر كفاءة, ويتيح لها ان تحسن اوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية, والا فما المبرر للانضمام الى تجمع لا يحقق نفعا للشعب الموريتاني؟ الشيء نفسه يمكن قوله بالنسبة لأي بلد آخر. ان استهداف كل واحد من الاطراف لمصلحته الخاصة, والالتقاء في حظيرة تجمع اقليمي لخدمة تلك المصالح, هو المبرر لقيام واستمرار ونجاح ذلك التجمع, وتبقى العبرة في كل ذلك بشيئين اثنين: ـ ان تكون التطلعات الخاصة والمصالح القطرية قابلة للانسجام مع التطلعات والمصالح الخاصة لكل واحد من الشركاء الاخرين اي لا تتعارض مصالح هذا العضو او ذاك في التجمع مع مصالح عضو آخر, واذا حصل التعارض فان المشروع التعاوني الاقليمي لا يستقيم. ـ ا ن يكون التنازل المطلوب من كل واحد من الشركاء في سبيل تسهيل قيام المشروع, لان هناك دائما تنازلا متبادلا عن قدر من حرية القرار لفائدة ما هو مشترك, ان يكون هذا التنازل في مقابل شيء يربحه كل واحد من الاطراف وهو يسعى, كما هو بديهي, لتحقيق مصلحته الخاصة. واذا اقتصرنا على جانب واحد من التعقيدات التي تطرحه العلاقة بين الجزائر والمغرب, وهي المعضلة الاساسية امام اتحاد المغرب العربي, وما يتعلق بقضية الصحراء, سنجد ان كل العلامات تدل على ان تعثر مسيرة اتحاد المغرب العربي, وما يتعلق بقضية الصحراء, سنجد ان كل العلامات تدل على ان تعثر مسيرة اتحاد المغرب العربي سيستمر, ذلك انه فضلا عن ان الاتحاد في كنهه هو مسعى تكاملي وتنسيقي في سياق تحقيق التنمية لفائدة جميع اطرافه, فانه كان يمكن ان يوفر الاطار الكفيل بترويض كل من الجزائر والمغرب على تقليم تناقضاتهما. فما هو التناقض بين المغرب والجزائر بخصوص الصحراء؟ انه يكمن في ان المغرب لم يقم بأكثر من استكمال شوط في استرجاع وحداته الترابية, في حين ان الجزائر ترى عكس ذلك تماما. وبالحاح منها تم حشو قرارات الامم المتحدة بأن الغاية هي (تقرير المصير والاستقلال) لهذا الجزء من المغرب. فهناك تعارض جذري بين الموقفين ولا يمكن ان يتأتى انسجام في حظيرة الاتحاد بين التطلعات الخاصة لكل من الجزائر والمغرب في هذا الشأن الجوهري, ومن ثم فسلام على المشروع التعاوني الاقليمي. ثم ان هذا التعارض قد ادى الى تجميد مؤسسات الاتحاد, بعد ان ادى الى ان تكون الحصيلة على نحو ما نعرف. والتكلفة التي يتكبدها المغرب العربي من جراء غياب (الاتحاد) جد باهظة, تتجلى في ان كل واحد من مكوناته يتحرك بمفرده ويدبر بحساباته الخاصة امور الحاضر والمستقبل مع الشركاء الاخرين, بدلا من ترتيب الامور بشكل جماعي ومتوازن, وكل هذا يتم بتجاهل تام لعامل الزمن, وهو عامل يعتبر ذا وزن راجح, باعتبار ان الوقت يفوت بينما قطارات اللحاق بالقرن الواحد والعشرين لا تنتظر المترددين. وارحم ما يقال بشأن مصير المغربي العربي هو انه يمكن البحث عن آليات بديلة لتحقيق الاندماج عن طريق الآليات التقليدية كالاتحاد الجمركي, وقد طرحت اجتهادات نظرية تبقى مشروطة بالعامل السياسي, وهو حاسم. وفي كل الاحوال, ليس من العبث ان نتساءل: هل مازال المغرب العربي غير مستغنى عنه؟ * باحث مغربي مقيم في الولايات المتحدة