سنة 1989 تم التوقيع على معاهدة مراكش التي اسفرت عن ولادة اتحاد المغرب العربي وفتحت آفاقا جديدة, الشيء الذي زاد في الامال واذكى حماس الدول الخمس المعنية. واخيرا ستعطي القرارات والواقع نفسه مجموعة من المقتضيات الدستورية تؤكد على انتماء هذه الدول الى(المغرب العربي الكبير) كما ان عددا لايحصى من الخطب ستردد بانتظام هذا الانتماء . لكن هذا الحدث سيعمل ايضا ولو بصورة اضعف, على خلق اهتمام حقيقي وامال كبيرة لدى الشركاء القدامى للدول المغاربية وخاصة دول المجموعة الاوروبية لذا يمكننا ان نقول ان اتحاد المغرب العربي اعتبر كمؤشر على رغبة سياسية مشتركة تهدف الى وضع حد نهائي للمنافسات والمواجهات التي اصبحت تنتمي للفترات القديمة: عمليا منذ ربع قرن عرفت العلاقات عقما وقف حاجزا امام محاولات التعاون والتطوير بين دول المغرب العربي. لقد كان قرار الدفع بالدول الخمس نحو انشاء مجموعة اقليمية مهيكلة يعطي ضمانا معقولا يجعل من دول المغرب العربي فضاء للتطوير والامن. في 1992 عبر احد المغاربيين وهو الاستاذ المراني من كلية القانون بفاس في مداخلة بطرابلس (ليبيا) تحت عنوان (العلاقات بين السوق الاوروبية المشتركة واتحاد دول المغرب العربي: ثقل التحولات العالمية) عن ان الاعلان عن الاتحاد المغاربي جاء اثر (وعي بحقائق الواقع ومتطلبات التحولات العالمية, كل هذا سيعمل على بروز ثقافة سياسية جديدة ونظرة استراتيجية مغايرة سيتوصل اليها الزعماء المسؤولون والنخبة بالاضافة الى بداية تشكل رأي عام في مختلف الدول المغاربية. ويستنتج الاستاذ بعد ذلك ان هذا التوجه يعني تجاوز التنافسات الايديولوجية لسنوات الستينات والسبعينات وكذلك سياسات القوة التي كانت تؤسس على محاور وعلى تحالفات تقف حاجزا امام اي تطلع نحو الاندماج المغاربي. هكذا فإن (الوعي بارتباط السياقات السياسية والاقتصادية سيسمح ببروز فكر جيواستراتيجي يهم مجموع المنطقة وميل نحو تجمع متوسطي) اذن على مستوى هذه المجموعة الاقليمية يجب وضع اسئلة ترتبط بكل اشكال التطوير, كما انه استنادا الى هذه القاعدة الاقليمية يجب على الدول المغاربية ان تفحص مشاوراتها مع شركائها خاصة الاوروبيين منهم, لكن كان بناء مجموعة مغاربية يهم بالدرجة الاولى الدول الاطراف في الاتحاد المغاربي فانه من الواضح ان الفائدة تتجاوز الحدود المغاربية وانها تشكل بالنسبة لاوروبا خاصة تطلعا ذا اهمية بالغة. سأعود مرة اخرى الى احدى شهادات العصر لتأكيد ما اشرت اليه انها مجموعة من المساهمات في كتاب جماعي انجزته مؤسسة الدراسات الدفاعية الفرنسية تحت رئاسة ديمل بعنوان (غرب البحر الابيض المتوسط: الامن و التعاون) ويطرح كليمون السؤال التالي: اتحاد المغرب العربي: هل هو خطر ام فرصة امام اوروبا؟ ان طرح السؤال يحمل نصف الجواب. بالنسبة للكاتب فإن الاتحاد المغاربي يجب ان يدخل في (الاولويات الاوروبية) ويعزز هذا الطرح ما برهن عليه (فان اكري) من ان من مصلحة اوروبا انشاء قطب مغاربي ومزدهر. فبروز شريك مغاربي حقيقي يمثل فرصة امام اوروبا لرفع تحديات التطوير والامن عن طريق التعاون المتوسطي. ان هذا التذكير المقتضب بخصوص النتائج الايجابية سيفضي اليها بناء المغرب العربي له دلالات كبيرة تجعلنا نفهم النتائج السلبية التي يكرسها انقسام الاتحاد المغاربي ومهما كانت مبررات هذا الانقسام فمن الواضح ان هذه الوضعية ستشكل خطرا على مجموعة المنطقة رغم الاختلافات التي تباعد بين الدول المغاربية الخمس. وقد ذهب احد الملاحظين الامريكيين الى ان الولايات المتحدة الامريكية ترى ان الجزائر هي المغرب العربي, وبما ان الجزائر لاتعرف الاستقرار فإن المغرب العربي يبقى بؤرة غير مستقرة ويمكننا ان نؤكد, من دون ادنى خطأ ان هذا الطرح يعتمد على فكرة حبكت حول المغرب العربي يؤمن بها المنتمون الى دول الاتحاد الاوروبي, ويرجع هؤلاء بوعي او بغير وعي, ما يحدث في اية دولة من الدولة المغاربية الى اسباب ترتبط بالاتحاد نفسه, وهذا مايمكن ملاحظته عبر ردود فعل الرأي العام التي تعد محددات قوية بالنسبة للسياسة الخارجية للدول, لكنها تؤثر ايضا على تعامل الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والثقافيين في العلاقات الدولية. وعلى سبيل المثال فإن استطلاعا للرأي انجز قبل سنوات في فرنسا اسفر عن اغلبية تدعي ان الخطر الرئيسي يأتي من الجنوب وفي نفس الفترة جاء في استطلاع للرأي انجز في اسبانيا ان التهديد الكبير على اسبانيا يتمثل في المغرب, الشيء الذي يؤكد ان لاعلاقة بين مفهوم التهديد وحقيقة هذا الاخير. ان عدم التمييز بين الدول المغاربية نلمسه ايضا في الصحافة الغربية, وقد جاء في صحيفة (لوموند) الفرنسية عدد 7/2/97 على لسان احد الموريتانيين العاملين بمركز للبحث في الولايات المتحدة الامريكية مايلي: في المغرب العربي ليس هناك سوى ديموقراطية الواجهة لهذا فإن انقسام المغرب العربي في ظل الظرفية الجيوسياسية الحالية سيكلف ثمنا باهظا, اذ ينظر الى المنطقة من طرابلس الى نواكشوط كمنطقة خطر رغم الاختلافات بين الدول المكونة لهذه المنطقة ورغم ان هذا الطرح لايعتمد على اساس موضوعي فإن له مع ذلك نتائج وخيمة على الدول المغاربية اذ لا يشجع على تطوير المبادلات بين الشمال والجنوب, خاصة بين اوروبا والدول المغاربية كما انه يقف حاجزا امام التطلعات الايجابية التي ينتظرها المراقبون من مواصلة ماسطرته معاهدة مراكش. كيف يمكن اذن تحقيق التطور والامن المتبادل في حوض المتوسط اذا ظل التلاحم بين الضفتين فرضية ليس الا؟ كيف يمكن خلق شبكة من الترابطات اذا ضعفت وتلاشت العلاقات المختلفة التي يجب ان تساهم شيئا فشيئا في خلق شراكة اوروبية مغاربية تشمل مختلف الفاعلين في التطور الاقتصادي والاجتماعي؟ بتعميق البحث في هذه الاسئلة يمكننا ان نقدر حجم التكلفة التي سيؤدي اليها انقسام المغرب العربي وان نحيط علما بالنتائج السلبية العديدة. تهديد التطور الاقتصادي لقد تم التأكيد دائما على كون المغرب العربي يتوفر على مؤهلات هائلة امام الاتحاد الاوروبي, مؤهلات تتمثل في موارد الطاقة الهائلة, مواد اولية منتوجات سمكية, دون ان ننسى الصناعة السياحية لكن بالمقابل نعرف ايضا ان تطوير مختلف الدول يصطدم بحواجز عديدة تتمثل بالخصوص في نقص الرساميل التي تضمن التقدم والتحديث الصناعي, انتقال التكنولوجيا اللازمة لتكوين يد عاملة مؤهلة وقادرة على شغل مناصب جديدة في الاقتصاد الحديث, بالاضافة الى المساهمة في امتصاص البطالة. الا ان عدم التجسيد الحقيقي لاتحاد المغرب العربي يعمل على الزيادة في حذر المستثمرين المحتملين, ليس فقط الاجانب وإنما ايضا المستثمرين الوطنيين. النتيجة اذن هي ضعف في الاقتصاد يرفع نسبة البطالة, خاصة بطالة الشباب وحاملي الشهادات, كما يؤثر في السياسات التربوية, الصحة العمومية, التطور والتجهيزات الاقليمية... الخ. ان انقسام المغرب العربي يزج به في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها. ويستشف من مختلف الدراسات الحديثة ان الوضع في المغرب العربي وصل الى الباب المسدود رغم ان نسبة التقدم تختلف من دولة الى اخرى. ومن جهة اخرى, فرغم التكاملية الحقيقية بين الدول المغاربية الخمس, تبقى المبادلات راكدة, فمحاولة اعادة تنشيط المبادلات الاقتصادية بين تونس والمغرب لم تحقق نتائج هامة, كما ان انبوب غاز الجزائر ـ اسبانيا عبر المغرب توقف وكذلك الربط بين الجزائر ـ ايطاليا عبر تونس, وان كان المستفيد الاساسي هو الجزائر لا الدول المغاربية الاخرى. ومن الواضح, ان الاندماج المغاربي لم يكن في يوم ما عنصرا مركزيا في السياسات المرتبطة بالطاقة الجزائرية أو حتى في سياستها الاقتصادية. وعندما نعلم ان معظم المشاريع الكبرى للتجهيز قد توقفت, خصوصا في ميدان التواصل عبر دول المغرب العربي, ندرك ما يخلفه انقسام المغرب العربي من سلبيات ونتأسف لكون المساعدات المالية العالمية, وخاصة الاوروبية, توقفت عن تمويل المشاريع الرئيسية للاندماج المغاربي. وبالفعل, فإن من نتائج الوضعية الحالية ضعف مجموعة اتحاد المغرب العربي الذي لم يعد له سوى وجود شكلي, بالاضافة الى ضعف كل دولة في الاتحاد المغاربي أمام محاوريها الاوروبيين. ومما لا شك فيه, فإننا لا ننكر العلاقات الثنائية بين دولتين أو بين دولة ومنظمات اقليمية أو دولية, لكننا نريد ان نؤكد ان هذا النوع من العلاقات تطبعه بعض النواقص: أولها هو عدم التوازن بين دولة من الجنوب ودولة في الشمال المتوسطي (على المستوى الاقتصادي), ثانيها هو ان الابعاد المغاربية لا تناقش وإنما فقط ما يخص كل دولة على حدة. ولم تغير حتى اليوم ندوة برشلونة أي شيء في هذا الواقع, كما ان المشاورات الحالية التي تقوم بها الجزائر لم تحقق شيئا يذكر. ان هذه النتائج السلبية الناجمة عن انقسام المغرب العربي على المستوى الاقتصادي تتعمق اذا اضفنا اليها النتائج المتردية المسجلة على المستوى الاجتماعي. فالتطور ليس رهين ارتفاع التدفق التجاري أو المالي والزيادة في الناتج الداخلي الخام, بل يتوقف ايضا على احداث تقدم على المستوى الاجتماعي, وذلك بالانفتاح على العالم الخارجي وتقوية المبادلات البشرية التي تعد قاعدة أساسية في سبيل التحديث. التطور الاجتماعي ان مواصلة الانقسام المغاربي تؤدي الى توقيف المبادلات البشرية, فمن الواضح ان العلاقات التجارية والمالية... الخ, لا يمكن ان يقيمها الا أشخاص يتواصلون مع شركائهم, زبائنهم, مزوديهم داخل مقاولات, بنوك, مؤسسات التكوين المهني, جمعيات, منظمات ثقافية ومنظمات تعاون لا مركزي... الخ. ان هذا التواصل بتعدد مشاربه, هو الذي يهيىء التعارف والتفاهم المتبادل, وتغيير العقليات والتعامل في كل ميادين الحياة الاجتماعية. ان هذه التغيرات أساسية اذا كنا نتوق الى اعادة تشغيل آليات المغرب العربي, ليتمكن بذلك من مواجهة التحديات الكبيرة لمنطقة التبادل الحر التي تنص عليها ندوة برشلونة خلال سقف زمني قريب جدا. مهما قلنا فإننا لن نندد بما يكفي بالهزات التي أحدثها تصادم المسؤولين في القطاع العام والمسؤولين في القطاع الخاص بخصوص تقاسم ما يسمى بـ (ريع تدويل) جزء أو مجموع الثروات الوطنية. هكذا يمكننا ان نفسر رفض عدد من الاوساط العمومية والخاصة, لمسألة خصخصة القطاع العام. لكن يجب ان نشير الى ان سلطة الدولة كانت ومازالت دائما في خدمة القطاعات العامة أو الخاصة لتمكنها من الرفع من الايجابيات بأقل مجهود ممكن. وحتى نتأكد من ذلك يكفي ان نقوم بدراسة الطريقة التي تمنح بها الرخص التي يطلبها الزبناء من الادارة على أساس مجموعة من القوانين في مجال أملاك الدولة, الاستيراد, الاستثمار, الصرف... الخ. ان مقاومة السياسات الرسمية للحكومات لنتائج الليبرالية متعددة وتفسرها بالأساس رغبة بعض مراكز القرار الاداري في المحافظة على امكانيات التحكم في ادارة النظام الاقتصادي, تضاف الى كل هذه مسألة اخرى, فعلاقات الأعمال تعد غاية يستعمل فيها قانون الأقوى والاحتيال, أي القانون الذي يتوفر على مساندة سياسية, قبلية أو عائلة ذات سلطة. كما ان بعض المؤسسات تتنصل من ديونها تجاه مزوديها بالمنتوجات وكذلك تجاه المصالح الادارية, وهي بذلك تتبع المسلك الذي تسلكه في بعض الاحيان الدولة ومؤسساتها. طبعا, يضاف الى ذلك الفساد والرشوة التي تؤثر سلبا على حياة الأعمال, ان الانفتاح على الخارج يمكنه ان يساهم في القضاء على مثل هذه التعاملات التي لا يمكن قبولها في نظام اقتصادي يؤسس على أخذ المبادرة, التنافس والحرية في اطار اقتصاد السوق, وبالتالي فإن استمرار هذه التعاملات لا يمكن ان يؤدي الى الانغلاق, التراجع وانقسام المغربي العربي, وذلك لأن التعاون بين المغاربيين والاوروبيين وبين المغاربيين انفسهم يقتضي توافر جو ثقة متبادلة. لكن في اطار تطوير المجتمعات, لا يمكننا ان نعزل مختلف جوانب الحياة الجماعية. لهذا فإن انقسام المغرب العربي سيكلف ثمنا باهظا على مستوى الديمقراطية واقرار دولة القانون, الشيء الذي يعني ان هذا الانقسام يشكل ايضا خطرا على التطور السياسي. ... والتطور السياسي ان اتحادا مغاربيا في طور البناء, منفتحا على نفسه أولا ثم على العالم الخارجي, سيكون من دون شك قادرا على تحقيق المتطلبات وعلى تحمل المجهودات اللازمة لذلك. ويشكل كذلك حقلا ملائما لتطور دولة الحق والقانون ولتحرير الحياة السياسية رغم ما يتعاقب اليوم على اتحاد المغرب العربي من تقلبات, فإن بعض الدول لا تريد ان تحيد عن تشكيله. فسياسة المغرب المتبعة بهذا الصدد تؤكد انه يمكن تحقيق بعض التقدم, لكن هذا لا يكفي اذا كنا نرغب في تحقيق ديمقراطية الحياة السياسية في مجموع الدول المغاربية. ان انكماش بعض الدول الاطراف في اتحاد الغرب العربي على نفسها يؤدي الى توقف التطور السياسي, كما ان هذه الدول لا تبحث عن المشكل داخل بنياتها وإنما تلقيه على المتعاملين الخارجيين. فقبل مدة قصيرة, أرجع الرئيس الجزائري السابق الامين زروال مسؤولية ما يقع في الجزائر الى (مؤامرة عالمية واسعة) تحبك ضد بلاده. ان هذا الهروب الى الأمام لا يخدم التعاون بين دول المغرب العربي ولا التعاون الاورو ـ مغاربي. كما ان هناك ثغرات ونقائص في الاطار القضائي, وان تم تحقيق بعض التقدم في المجال التجاري, البورصة والتأمين, فإن المشكل يرتبط بالاساس بالنظام القضائي وبالتعامل الاداري. ولن يتم تجاوز كل هذا الا بتكوين جيد للقضاة وتمتيعهم باستقلاليتهم والقضاء على الفساد الاداري. ونجزم في الأخير ان لا مناص من سياسة الاتحاد هذه, خصوصا اذا كنا نطمح الى انشاء منطقة واسعة للتطور المشترك, منطقة أمن أورو ـ مغاربية تعرف ازدهارا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. ان هذا البناء هو الشرط الضروري لتحقيق اندماج مغاربي داخل العالم المتوسطي الجديد. * كاتب سياسي فرنسي