الفن والسياسة وجهان لعملة واحدة, هذا ما علمته لي الحياة, فقد شاء القدر ان انتمي لاسرة ارستقراطية وطنية, فوالدي الذي تخرج من كلية الزراعة شارك هو وعمي في ثورة 1919, وخالي كان عضوا في مجلس النواب, وكنا نعيش في حي جاردن سيتي.ولكن اسرتي الوطنية كانت اقطاعية في الوقت نفسه, ولم اكن راضيا عن تقاليد الاسر الاقطاعية في مصر بشكل عام , فقد شعرت انه من الظلم ان نفرق بين الناس بسبب مكانتهم الاجتماعية او بسبب ثراء بعضهم وفقر البعض الاخر. وفي هذا الاطار اتذكر موقفا اثر فيّ كثيرا, حيث كنت طفلا ولعبت يوما مع ابن البواب فعنفتني والدتي وغضب مني والدي, ولم افهم سر هذا الغضب وذلك التعنيف لان ابن البواب كان طفلا مثل بقية الاطفال. وربما يكون هذا سبب اتجاهي لليسار عندما وصلت لمرحلة الشباب لانني امنت منذ ذلك الوقت بان العدالة والمساواة حق لكل الناس على اختلاف طبقاتهم. تغيير المسار وعندما سافرت الى فرنسا لدراسة القانون والاقتصاد السياسي نزولا عند رغبة الاسرة, جرفني حب التمثيل, فالتحقت بمعهد (الفيوكولوبين) لدراسة التمثيل الى جانب استمراري في الجامعة, وقاطعتني الاسرة عندما علموا بالامر. وحتى اوفر المال عملت كمبارسا ومترجما وشيالا في سوق الخضار, وتعرفت على عدد كبير من الناس في مختلف المجالات, وناضلت وكافحت في الحياة مثلهم وعشت حياتهم ومشاكلهم. وكان لهذه التجربة اعظم الاثر في نفسي فيما بعد. ثم تعلمت مبادئ الثورة الفرنسية القائمة على الحرية والاخاء والمساواة, واكتشف ان طبيعتي قريبة من هذه المبادئ. وعندما قامت الثورة في مصر فرحت فرحا كبيرا لانها ستصحح كل الاوضاع التي كنت ساخطا عليها, وكتبت بيان تأييد باسم المصريين والعرب المقيمين في فرنسا. وشعرت وقتها بان الثورة اعادت لي احساسي الضائع بالانتماء والوطنية ودعمت موقفي داخل المجتمع كإنسان له وطن حر ومستقل. رفض العدوان ثم قام العدوان الثلاثي على مصر ورفض المثقفون الفرنسيون هذا العدوان ووصفوه باسم (الغزو الخائن المهين) , وارسلوا مذكرة احتجاج للحكومة الفرنسة كتبتها (سيمون سينيوريه) ووقعت عليها مع سارتر والبير كامي وسيمون دي بوفوار. ووقتها رفضت كل الاعمال التي عرضت علي والتي شعرت انها تناهض الثورة والعرب. ثم قدمت مسرحية تتحدث عن رجال المظلات الفرنسيين في الجزائر وتدافع عن الحقوق المشروعة للشعب الجزائري في الاستقلال, وتم عرضها تحت حماية البوليس خوفا من تهديدات الجماعات المتطرفة خاصة الجماعات الصهيونية. وكانت هذه المسرحية تعبيرا عن رأيي في الفن الذي هو مرآة المجتمع ولابد وان يعبر عن كل ما يحدث فيه من تغييرات. تجربة حزبية انتميت لليسار ولكنني لم اكن شيوعيا, وكنت دائما ارفض الانتماء لاي حزب, الى ان تم انشاء حزب التجمع في مصر ووجدته ينادي بكل المبادئ التي آمنت بها ويضم بداخله تيارات مختلفة تتحاور فيما بينها بحرية. فانضممت اليه, لانني مؤمن تماما ان الانسانية لا تتقدم الا بتبادل الحوار. ولكن بمرور الوقت فقد حزب التجمع حماسه القديم, واصبحت انا مجرد عضو فيه ولكنني لا امارس العمل السياسي. وطبعا سبب لي انضمامي لهذا الحزب في البداية بعض المضايقات, فمثلا في عام 1982 وقفت الى جوار مرشح الحزب في الانتخابات فلم يعرض علي اي عمل فني لمدة ثلاثة اشهر, وفي عام 1985 اثناء انتخابات مجلس الشعب اتفقت اللجنة المركزية لحزب التجمع على وضعي على قائمتها عن دائرة الزمالك, وبدأت في عمل الدعاية الانتخابية, وبعد عدة ايام تلقيت مكالمات تليفونية غامضة تهددني بالقتل اذا لم ابتعد عن هذا الطريق. وبالفعل ابتعدت ولكنني لم اتنازل عن افكاري في الدفاع عن القضايا الانسانية والاجتماعية والسياسية العادلة. ومازلت على موقفي ضد الارهاب والعنصرية في المطالبة بالمساواة والعدل, لايماني بأننا يجب ان نناقش مشاكل العالم الكبرى ونساهم بقدر ما نستطيع للوصول الى عالم افضل. مواصلة الطريق واود ان اعترف انني لم اندم ابدا على اختياراتي السابقة في شتى المجالات, بل على العكس فهي زادتني صلابة ودفعتني لاواصل طريقي دون انهزام.. اخترت ولم يجبرني احد.. اخترت ان اكون ناصريا ولم اكن اعمى, بل كنت دائما ارصد سلبيات المرحلة الناصرية التي هي في الحقيقة من افضل المراحل التي مرت على تاريخ مصر, خاصة وان مميزاتها اكثر من عيوبها. وكان لابد من قيام الثورة لاحداث تقدم على كافة المستويات داخل المجتمع المصري. ولانني تغذيت من الثقافات الفرنسية فقد كنت اميل دائما للجمهورية اكثر من الملكية. فالنظام الملكي في مصر كان ديكتاتوريا متعسفا, اما النظام الجمهوري فجاء لازالة الفوارق الوهمية بين طبقات الشعب المختلفة. وبرغم اتهامات البعض للعصر الناصري بانه عصر ديكتاتوري, الا انني اعتقد ان الديكتاتورية احيانا تكون ضرورة في بداية كل تحول جديد يحدث في المجتمع, واتصور ان عبدالناصر لو عاش لكان تخلى عن الديكتاتورية واتجه للديمقراطية.