لا تزال اسرائيل تواصل سرقة ونهب الاثار الفلسطينية, وتحويلها إلى متاحفها بهدف طمس معالم التاريخ الفلسطيني القديم.وعلى الرغم من توقيع ثلاث اتفاقيات سلام مع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية إلا ان اسرائيل تقوم بأعمال التنقيب في العديد من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة سواء تلك الخاضعة للاحتلال أو الواقعة في محيط المستوطنات , وتتجاهل الحكومة الاسرائيلية بذلك كل نداءات السلطة ومنظمة اليونسكو في الحفاظ على الآثار الفلسطينية القديمة. يقول الدكتور معين صادق مدير ادارة الاثار بوزارة السياحة الفلسطينية في غزة ان هدف الحكومات الاسرائيلية من سرقة الاثار الفلسطينية والتنقيب عنها هو محاولة لمصادرة التاريخ وطمس الهوية الثقافية للشعب الفلسطيني. وأضاف: لو باشرت اسرائيل بنهب غالبية الآثار الفلسطينية من الضفة الغربية وقطاع عزة منذ عدوانها على هذه الأراضي عام 1967 ووضعتها في متاحفها بتل أبيب ويافا والقدس الغربية. وتقوم ادارة الاثار الفلسطينية حاليا برصد الآثار المنهوبة وتلك المتبقية في مناطق السلطة الفلسطينية لمحاولة استعادتها من خلال المفاوضات أو عن طريق اليونسكو. والغريب في الأمر ان الاسرائيليين يصرون على ان الآثار المكتشفة في الأراضي الفلسطينية يهودية, ويرفضون اي تدخل فلسطيني أو دولي في هذه المسألة باعتبارها شأنا اسرائيليا, ففي يونيو 1999 تم العثور على موقع أثاري يرجع للعصر البيزنطي على شاطئ بحر خان يونس, وبالقرب من مستوطنة (غوش قطيف) الصهيونية, وحاول الاسرائيليون اقامة حاجز من الأسلاك الشائكة حول الموقع بحجة انه تابع للمستوطنة, وكادت تنشب مواجهة فلسطينية اسرائيلية في ذلك المكان لولا تراجع الجانب الاسرائىلي, وأجمع خبراء الآثار ان الأواني الفخارية والعملات المخزونة بداخلها ترجع للعصر البيزنطي حينما كانت القوافل التجارية المتجهة من بلاد الشام إلى مصر تمر عبر قطاع غزة. وسبقت هذا الاكتشاف حادثة أخرى في رفح حيث رفض الجيش الاسرائيلي السماح لخبراء الآثار الفلسطينيين بالتنقيب في موقع قريب من المستوطنة بحجة ان الأرض ليست فلسطينية هناك, وأذعن الخبراء للأمر الاسرائيلي وتراجعوا عن مطالبهم, ولم يتوقف الأمر على الآثار في تلك المنطقة الحدودية, بل تعداه إلى اكتشاف مقبرة جماعية لجنود فلسطينيين ومصريين استشهدوا رميا بالرصاص في اسرائيل ابان عدوان 1967, ويبدو ـ كما قال أحد الخبراء ـ ان الجنود قتلوا وهم مقيدو الأيدي باطلاق النيران عليهم من الخلف. تلك الجريمة بالتأكيد ليست هي الوحيدة التي ارتكبها الجنود الصهاينة ضد العرب طيلة نصف قرن مضى. نهب منظم للآثار يقول د. صادق ان اسرائيل قامت منذ عدوان 1967 بحملات مكثفة في الأراضي الفلسطينية لنهب الآثار وكنوز التاريخ الانساني في تلك الأرض التي التقت فيها الديانات السماوية الثلاث. وأضاف ان اسرائيل كثفت من حملاتها بعد مؤتمر مدريد عام 1991 وبعد التوصل لاتفاق أوسلو يوم 13/9 1993, حيث قامت 40 حملة اسرائيلية للبحث عن الآثار في الأراضي الفلسطينية التي كانت مرشحة لاعادة انتشار الجيش الاسرائيلي فيها. وذكر ان اسرائيل قبيل انسحابها من قطاع غزة قامت بفتح 15 موقعا أثريا ونهبت محتوياتها وانتهتكت بذلك اتفاقيات لاهاي الدولية للأعوام 1954 ـ 1970 ـ 1972. ومما يدعو للأسف ان اسرائيل تقوم بهذه الحفريات في الأراضي الفلسطينية بدون أي منهج علمي أو صيانة أو ترميم, ولم تكن توافق على أي محاولة فلسطينية للبحث عن الاثار, بل قامت بتجريد الفلسطينيين من أية حقوق في المناطق الفلسطينية, خاصة متحف الآثار الفلسطيني في مدينة القدس الذي تتجمع فيه المكتشفات الأثرية التي عثر عليها في أنحاء فلسطين, وقد حالت اسرائيل دون تطوير متحف بلدية الخليل أو متحف الآثار الاسلامي في القدس الذي أنشأه المجلس التشريعي الاسلامي الأعلى. وبالطبع تهدف هذه الممارسات الى تجريد الشعب الفلسطيني من حقوقه وتاريخه وثقافته بأدواتها الهامة كي تثبت اسرائيل مقولتها الزائفة ان فلسطين ارض بلا شعب, منحت لشعب بلا أرض (اليهود) غير ان هذا الزيف لم يفلح في محو التاريخ الفلسطيني القديم ولا في القضاء على الاثار الفلسطينية الخالدة التي تؤكد عروبة هذه الارض واسلاميتها منذ فجر التاريخ. ويطرح د. صادق معادلة صعبة تواجه المتاحف والمواقع الاثرية في الاراضي الفلسطينية وتتمثل هذه المعادلة في الطرح بين الكثافة السكانية وضيق الاراضي السكنية, ففي قطاع غزة مثلا الذي تبلغ مساحته 360 كيلومتراً مربعا ويسكنه حوالي مليون و200 الف نسمة نجد ان البيوت السكنية الحديثة قد وصلت الى المواقع الاثرية والمحميات الطبيعية, مما يعتبر تهديدا, ولذلك لابد من مواجهة هذا الزحف العمراني الكبير. واضاف نحن نطالب الآن بجمع شمل القطع الاثرية الفلسطينية فلا يعقل ان تكون قبور اثرية في غزة وتوابيتها ذات الطابع الكنعاني والفرعوني في المتاحف الاسرائيلية مثلما لا يعقل ان يكون رأس ابو الهول في مصر وذقنه في بريطانيا. وقال يجب على السلطة الوطنية الفلسطينية ان تواصل جهودها عبر لجان المفاوضات المقبلة او من خلال الاتصالات المباشرة لاسترجاع الاثار المسروقة والمنقولة الى الفلسطينيين تنفيذا للاتفاقيات الدولية. وبإمكان السلطة طرح هذه القضية امام اليونيسكو باعتبار الاثار الفلسطينية اثارا خالدة في التاريخ الانساني يجب حمايتها وصيانتها باستمرار أما الصمت المطبق فإنه قبول بالمنطق المعادي للثقافة والتاريخ. غزة مدينة كنعانية يقول د. معين صادق ان مدينة غزة تعتبر من اقدم مدن العالم, سكنها الكنعانيون وهم من العرب البائدة وهي اهم المدن الكنعانية الفلسطينية الخمس (غزة, عسقلان, اسدود, جات, عقرون) . وكانت غزة مدينة محصنة بالاسوار التي ظلت قائمة حتى القرن الثامن عشر الميلادي وكان لها سبعة ابواب سميت بأسماء المدن التي تؤدي اليها وهي : باب البلاخية, باب ميماس, باب البحر, باب عسقلان, باب الخليل, باب المنطار باب الداروم) . واليها كان ينتهي اهم الطرق التجارية في العالم القديم, ومنها كانت تصدر البضائع الى سائر مدن حوض البحر المتوسط واعتبرها المصريون القدماء العاصمة الفرعونية في ارض كنعان وكانوا يسمونها (غازاتو) وعبرها (مرن رع) سنة 3235 ق. م اثناء فتحه لبلاد الشام. ويقول مدير دائرة الاثار في غزة ان الاشوريين استولوا على هذه المدينة عام 734ق.م فتحالف ملكها (حانوت) مع المصريين للتخلص من الاشوريين. ثم استولى عليها (نيخو الثاني) عام 609ق. م الذي تغلب عليه نبوخذ نصر اذ هبط غزة سنة 568 ق.م واستمرت السيادة البابلية على غزة إلى ان جاء الفرس وانتزعوها منهم عام 525 ق.م وكانت في عهدهم ادارة مستقلة في عهد داريوس الاول, وقد قاوم الغزيون والفرس معا الاسكندر الاكبر الذي حاصر غزة لمدة شهرين وجرح فيها الى ان استولى عليها ودمرها عام 332ق.م. وبموت الاسكندر الاكبر اصبحت غزة ميدانا لصراع خلفائه البطالمة والسلوقيين, فكانت لمعركة غزة سنة 312ق.م اهمية خاصة حيث اصبحت تقويما عرف بالتقويم السلوقي ثم احتلها الرومان عام 65 ق.م. وزارها الامبراطور الروماني (هادريان) سنة 129م فدخلت المسيحية غزة في عهد الدولة الرومانية ولم تقو على الانتشار إلا في عهد الدولة البيزنطية كما استوطنت بها قبائل عربية كثيرة قبل الاسلام اضفت اسمها على كثير من مدن قطاع غزة مثل عبسان, خزاعة, بني سهيلا, النصيرات, وقد كانت قريش تزور غزة للتجارة وتقيم فيها خلال الصيف وهي احدى الرحلتين وكانت تسمى بحمراء اليمن. وقد دفن جد الرسول عليه السلام هاشم بن عبد مناف فيها ولذلك سميت (غزة هاشم) وولد فيها الامام الاعظم محمد بن ادريس الشافعي سنة 150هـ ـ 767م وكان يحبها ولما حن اليها يوما قال فيها: وانني مشتاق الى ارض غزة وان خانني بعد التفرق كتماني سقى الله ارضا لو ظهرت بتربها كحلت به من شدة الشوق اجفاني ودخل المسلمون غزة سنة 634م بعد معركة (داثن) الدمثية وتمكن الصليبيون من احتلالها سنة 502 هـ 1108م والتي عرفت غزة في زمانهم باسم GRADES ثم احتلها العثمانيون فالانجليز واخيرا الاسرائيليون عام 1967 ثم تولت السلطة الوطنية الفلسطينية ادارة غزة في 1/7/1994. غزة ـ د. جمال المجايدة