من الملف السياسي: إلغاء العبودية في الغرب، بقلم: حسان عبدالعزيز

تظهر الدول الغربية حاليا (اوروبا والولايات المتحدة) بمظهر المدافع عن حقوق الانسان بما في ذلك اتهام بعض الدول بممارسة العبودية, مع أن تجارة الرقيق شهدت رواجا كبيرا في الغرب, خاصة امريكا, كما تدل على ذلك الافلام الامريكية نفسها . فمتى تم الغاء الرق في المجتمعات الغربية وكيف كان موقف الفلاسفة والمثقفين الغربيين من العبودية في مراحلها التاريخية المختلفة؟ لم تكن العبودية مجرد حالة عابرة في تطور بعض المجتمعات, بل كانت مؤسسة اجتماعية واقتصادية وسياسية ذات اسس قانونية ارتبط ظهورها بتطور الاقتصاد والمجتمع في مراحل متقدمة نسبيا من التاريخ البشري, وكانت متعددة الاشكال. وقد ظهرت, اول ما ظهرت, عندما توقف الانسان, في مرحلة متقدمة من التطور الاقتصادي, عن قتل خصمه او عدوه او مدينه, واخذ يستغله (او يستعبده) بتحويله الى شغيل مجاني ذي مستوى معيشي متدن. والملاحظ ان المجتمعات البدائية المتوحشة لم تشهد ابدا هذا النوع من العبودية بل ظل مصير العدو الاسير فيها القتل المباشر. والوظيفة الاجتماعية الاساسية لهذا النوع من العبودية التي يطلق عليها البعض صفة (العبودية القديمة) او (العبودية غير العنيفة) كانت اذن في (الحفاظ) على الاسير والإبقاء على حياته بهدف تشغيله وتسخيره في خدمة سيد واعٍ لمصلحته البعيدة المدى, وهذا الوعي هو الذي يدفعه الى معاملة (عبده) برفق واعتدال. اما في الشكل الاخر للعبودية فان وضع الانسان المستعبد يكاد لا يختلف في شيء عن وضع الحيوان. وهكذا يصبح العبد ملكا لسيدة تماما يتصرف فيه كما يتصرف بحصانه وببقرته... والأمثلة على هذه العبودية في التاريخ كثيرة, فقد كان القانون الروماني ينظر الى العبيد كأشياء يمكن ان تباع وتشترى وتؤجر... وعندما يكون العرض في (سوق العبيد) أكثر من الطلب خاصة في أثناء الحروب, كان الاسياد يعمدون الى خصي عبيدهم او عدم تشجيعهم على الانجاب نظراً للكلفة الباهظة التي يفترض فيهم ان يدفعوها لتربية الطفل قبل بلوغه مرحلة القدرة على العمل. ولكن هذا الموقف سرعان ما تبدل رأساً على عقب بعد الغاء تجارة العبيد رسميا مما ادى الى ندرة العرض وهذا بدوره قد دفع الاسياد الى تشجيع العبيد على الانجاب واعتماد طرق سريعة واقتصادية لتربية صغار العبيد ووضعهم بسرعة في سوق العمل. اضافة الى ذلك, فقد عمد بعض تجار العبيد, خاصة في امريكا الشمالية, الى إنشاء (مزارع) لتربية الاطفال العبيد وبيعهم في السوق, خاصة بعد عام 1808. كما تخصص بعض هؤلاء التجار بتزويج العبيد من أجناس مختلفة لإنجاب جنس جديد وقوي من العبيد ذي قدرة عالية على التحمل الجسدي والقيام بالاشغال الشاقة. وقد وجد دائما بين الفلاسفة والمفكرين من يروج لهذا النظام او يبرر وجوده. ففي القرون الوسطى وقف العديد من مفكري الكنيسة الى جانب الحفاظ على نظام العبودية اما لاسباب نفعية او أخلاقية. ولعل هذا ما دفع ببعض المفكرين الى تفسير تاريخ المجتمعات القديمة من خلال جدلية السيد والعبد, والى اكتشاف علاقة حتمية وضرورية بين وسائل وقوى الانتاج وبين البنية القانونية والسياسة وما تتضمنه وتفترضه من تمييز بين أحرار وعبيد, ولابد من التمييز هنا بين نوعين من العبودية يختلفان اختلافاً جذرياً, اي (العبودية الأبوية) غير العنيفة التي يعتبر العبد فيها جزءاً من عائلة كبيرة ويعامل بنوع من الانسانية, و(العبودية المطلقة) التي يعامل فيها العبد كأداة انتاج تباع وتشترى في أسواق متخصصة وتستغل بأقصى طاقتها ومردوديتها وتعامل معاملة (عسكرية) . فالعبودية المطلقة يحرم فيها العبيد من كامل حريتهم ويعاملون كسلع وكأشياء ويكونون في معظم الأحيان غرباء عن البلد الذي يعملون فيه. الفارق الكبير بين الحضارتين الرئيسيتين اللتين كانتا تتقاسمان العالم القديم, في نظرتهما الى العبودية. ففي الامبراطوريات الشرقية القديمة (بابل والممالك السورية ومصر الفرعونية) كان من الممكن للعبودية ان تطال كل السكان دون تمييز في أصولهم العرقية او القومية. اما في الامبراطوريات اليونانية والرومانية فقد كان من العار استعباد السكان ذوي الاصول الاغريقية او اللاتينية, واذا حصل ذلك فقد كان يعتبر فضيحة قومية وكان لابد من إعطاء تبريرات قوية لهذه العبودية او الغائها. وبالمقابل فان العبيد في الحواضر الاغريقية والرومانية التقليدية كانوا يتشكلون في غالبيتهم الساحقة من الغرباء والمساجين وأسرى الحرب او ضحايا القرصنة. وقبيل ذلك كان هناك نوع آخر من العبودية في كل من أثينا وروما هي العبودية المترتبة عن عدم دفع الديون. وقد عمد الاوروبيون منذ القرن السادس عشر, وبعد اكتشاف امريكا ومناطق افريقيا الجنوبية والغربية والوسطى, الى (صيد) الافارقة والسيطرة عليهم واستعبادهم, فتاجروا بالرقيق ونقلوا الكثير من الزنوج الى أمريكا للعمل في مزارع البيض, عدا استعباد الزنوج وتشغيلهم في ارضهم الافريقية نفسها. ولعل العوامل الاقتصادية البحتة هي التي دفعت بالعديد من الدول الاستعمارية ـ تحت غطاء القيم الانسانية ـ الى العمل على إلغاء العبودية وتجارة الرقيق ابتداء من القرن التاسع عشر. وقد مرت عملية الغاء تجارة الرقيق بعدة مراحل طيلة القرن الماضي. وكانت بريطانيا من اوائل الدول الاوروبية الاستعمارية التي عملت على محاربة تجارة العبيد, بعد ان استفحل امرها واصبح استمرارها يشكل فضيحة اخلاقية كبرى في جبين العالم الغربي, اضافة الى ان فوائدها الاقتصادية قد بطلت نسبياً, وذلك بعد ان اصبح في امكان الدول الغربية الاستعمارية استغلال اهالي المستعمرات داخل بلدانهم ذاتها بحكم احتلالها لهذه البلدان. وقد اجتمعت الدول الاوروبية, بمبادرة من بريطانيا, لتوقع على إعلان عالمي بادانة العبودية. وبمبادرة من بريطانيا أيضا عقد مؤتمر اكس لا شبل الذي اقر الغاء العبودية وتجارة العبيد, وعلى اثر هذا المؤتمر اخذت الدول الاوروبية تدريجياً تتخلى عن تجارة العبيد وتعتق العبيد في مستعمراتها. وفي الاعوام 1831 و1833 و1845 وقعت ثلاث معاهدات بريطانية ـ فرنسية من أجل قمع هذه التجارة ووضع حد لها. ولكن رغم كل هذه المعاهدات فان فرنسا لم تتصد فعلياً للقضاء على هذه التجارة الا مع اندلاع ثورة 1848 التي اعلنت رسميا في 4 مارس 1848 عن (القضاء النهائي على العبودية) في المستعمرات الفرنسية وادرجت ذلك الإعلان في المادة السادسة من الدستور. وكانت البرتغال وهولندا واسبانيا من اواخر الدول التي اعتقت عبيدها) (ما بين 1856 و1860). وقد تعهدت عصبة الامم منذ إنشائها, بمحاربة العبودية فنص ميثاقها (المادتان 22 و23) على قمع تجارة العبيد كما تعهد اعضاؤها بالغاء العمل الاستعبادي في دولهم ومستعمراتهم. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية جاء (الاعلان العالمي لحقوق الانسان) الصادر عن الأمم المتحدة ليؤكد من جديد إلغاء العبودية (10 ديسمبر 1947. المادة الرابعة). وبالطبع فان كل هذه الاعلانات والمواثيق والمعاهدات قد اقتصرت على تأكيد عدم جواز استمرار مؤسسة العبودية قانونياً وانسانياً وأخلاقياً وفلسفياً, الا انها لم تتجاوز حدود المبادئ لتعالج المشكلة من جذورها الاقتصادية والاجتماعية, اذ لا يكفي اعتاق العبيد وملاحقة تجار الرقيق, بل ينبغي خلق الظروف الموضوعية التي تحول دون انبعاث هذه المؤسسة تحت أشكال مقنعة وخفيّة. واذا كان من الممكن القول ان العبودية بشكلها القديم السافر قد قضي عليها فان اشكالا اخرى مموهة من العبودية ما زالت متفشية في العالم اليوم, خاصة في العالم الثالث حيث يشكل الفقر والبطالة المزمنة والاستغلال الاقتصادي والاجتماعي استمراراً للعبودية بأشكال أخرى. حسان بن عزيز المملكة المغربية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات