لا يبدو الدور الاوروبي واضحا بشأن الصراع العربي الاسرائيلي, فما هي اسباب عدم الاهتمام الاوروبي بهذا الصراع ام هو عدم قدرة من دول المجموعة ؟ كانت السمة التي غلبت على اهتمامات الدول الاوروبية الكبرى في المنطقة العربية ـ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ـ هي اعطاء الاعتبارات الاقتصادية الاولوية على الاعتبارات السياسية, بمعنى عدم الاهتمام بالقيام بدور سياسي اساسي ـ باستثناء حرب السويس سنة 1956 ـ ولقد اضحى ذلك هو منطق الجماعة الاوروبية نفسه منذ انشائها, فلقد جعلت الاداة الاقتصادية وسيلة لتحقيق الهدف السياسي, ومن ثم ظلت المساهمة السياسية الاوروبية الجماعية معدومة لفترة طويلة. فلقد شعرت القيادات الاوروبية بضرورة تصفية علاقاتها مع مستعمراتها ومع دول العالم الثالث بصفة عامة, حتى تتفرغ لاعادة بنائها الذاتي. ولقد فرضت هذا المنطق ـ مؤقتاً ـ لعدة اعتبارات من أهمها: ان اوروبا حين بدأت تعيد تنظيم صفوفها اهتمت اولا بالعلاقات بين دولها وبالعلاقات بين الشرق والغرب. ولم تكن تقدر ـ منذ البداية ـ ان تضع اسس سياسة فعالة تجاه المنطقة العربية التي فتحت ابوابها لتنافس القوتين العظمتين في ذلك الوقت, والتي كانت تجتاحها في تلك الفترة حرب باردة مزقت الارادة العربية. ولذا احجمت اوروبا ـ حتى سنة 1967 ـ عن الانغماس في المشاكل السياسية للمنطقة العربية, وبصفة خاصة الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وكانت ممزقة في تعاملها مع المنطقة بين الالتزام نحو أمن اسرائيل, وبين مصالحها التقليدية في الوطن العربي. ثم جاءت حرب يونيو سنة 1967, وابرزت حيوية المصالح الاوروبية الاستراتيجية والاقتصادية في المنطقة, وبخاصة في ضوء آثار اغلاق قناة السويس وانعكاساتها الضارة على الاقتصاد الاوروبي, وفي ضوء اثار تزايد الوجود السوفييتي في حوض المتوسط الذي فجر المناقشات حول المشكلة التي تهدد امن اوروبا وتهدد التحالف الغربي من المنطقة جنوبه. ومن ثم بدأت القيادات الاوروبية تشعر استحالة استمرارها في سياسة, اساسها عدم الانغماس في مشكلة (الشرق الاوسط) , ولكنها ظلت موزعة بين التعاطف مع الوجود الاسرائيلي من جانب, وبين التساؤل عن مصير المصالح الاوروبية في المنطقة من جانب اخر. ثم اخذت القناعة تترسب تدريجياً, ولاسباب عديدة, بان على اوروبا ان تجد طريقها المتميز والمستقل في التعامل مع الوطن العربي. وجاءت نقطة البداية في تحول مسلك الجماعة الاوروبية تجاه المنطقة مع بيان مايو سنة 1971, الذي يعد اول وثيقة حول الموقف الجماعي الاوروبي تجاه الصراع العربي ـ الاسرائيلي. ثم ارست الجماعة اسس سياسة متوسطية شاملة تربطها بالبلدان العربية المتوسطية وبإسرائيل عن طريق مجموعة من الاتفاقات التفضيلية. وبدأ تطبيقها سنة 1972 ولكن لم يحرز ذلك المنهاج تقدما حتى اندلعت حرب اكتوبر سنة 1973. بعبارة اخرى, لم يتعد دور الجماعة الاوروبية ـ على الصعيد السياسي ـ مجرد الاهتمام بما يحدث, وذلك تحت تأثير فرنسا التي ارادت تعبئة الدور الجماعي لمساندة محاولتها القيام بدور مستقل في المنطقة العربية. وكانت حرب اكتوبر نقطة تحول اساسية في اهتمام الدول الاوروبية بالمنطقة العربية. فلقد اكدت دلالات برزت مع حرب سنة 1967 العلاقة بين استقرار المنطقة, وبين انتظام الامدادات النفطية, وبعبارة اخرى اكدت هذه الحرب العلاقة بين امن اوروبا بمختلف ابعاده وبين استقرار المنطقة. وهكذا اضحى للارتباط بين أبعاد امن اوروبا الاقتصادي, وبين تطورات المواجهة العربية ـ الاسرائيلية اثره العميق على مسلك اوروبا تجاه الصراع منذ سنة 1973. فبدأت اوروبا ـ تحت ضغط وإلحاح الاعتبارات الاقتصادية ـ تحاول المشاركة في عملية البحث عن تسوية سلمية من ناحية, وفي عملية تنمية المنطقة من ناحية اخرى. بعبارة اخرى انقسم مسلك الجماعة الاوروبية تجاه المنطقة العربية الى محورين اولهما سياسي والآخر اقتصادي. غير انه مبادرة الرئيس السادات بالذهاب الى القدس في نوفمبر سنة 1977, ثم ما اعقبها من تطورات حتى تم توقيع معاهدة السلام المصرية والاسرائيلية في مارس سنة 1979, واخيرا مع فشل المحادثات حول الحكم الذاتي للفلسطينيين في مايو سنة 1980, واجهت الجماعة الاوروبية مرحلة جديدة لسياستها (الشرق اوسطية) تأثرت فيها وبعمق بمعطيات متطورة. وقد اتسمت بداية هذه الفترة بالحذر والغموض وازداد تراجع الموقف الجماعي الاوروبي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, واحتكار امريكا لدور الوسيط والراعي لكل جوانب الصراع العربي الصهيوني.