الزلزال الذي دمّر اجزاء كبيرة من تركيا, لم يمنع من استمرار الحديث عن مشاريع نقل النفط والغاز من بحر قزوين الى اوروبا والولايات المتحدة, وغيرها من الدول الغربية عبر تركيا.صحيح ان التساؤلات بدأت تطرح نفسها عن جدوى مرور انابيب النفط في ارض غير مستقرة وغير آمنة ضد الزلازل , الا ان الكثير من البلدان, وفي مقدمتها الولايات المتحدة, لاتزال ترى ان تركيا هي الافضل لانتهاء الانابيب التي تنقل نفط بحر قزوين, وكل ذلك بهدف ابعاد روسيا وايران من مرور هذه الانابيب في اراضيها. لقد طرح الحريق الهائل الذي اندلع في اكبر مصافي تركيا (توبراس) لعدة ايام بعد كارثة الزلازل, الكثير من التساؤلات, وكلها تدور حول مصير انابيب النفط في حال تعرضت المناطق التي تمرّ بها الى زلازل مماثلة!! ومع ذلك نجد ان روسيا تغازل تركيا وهي في اوج ازمتها, حيث اعلنت وزارة الخارجية الروسية في الثامن عشر من اغسطس الماضي ان مسؤولين امريكيين يلجؤون بشكل متزايد الى ممارسة ضغوطاً سياسية, وضغوط اخرى للتقليل من شأن مشروع انبوب النفط بلوستريم, ومنع تنفيذه, ورأت روسيا ان الملاحظات التي افادت بان ارسال المحروقات الروسية الى بعض دول المنطقة يمكن ان يمسّ باستقلالها السياسي والاقتصادي تثير القلق. ومما يذكر ان انبوب الغاز الذي سيجري بناؤه تحت البحر الاسود سيزيد كميات الغاز الروسي المرسل الى تركيا في العام 2000, ويمكن ان نلاحظ بان التحذير الروسي للولايات المتحدة يأتي بعد يوم واحد فقط من الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا... فهل هذا غزل روسي لتركيا التي تعرضت لخسائر فادحة؟!! وبعبارات اخرى هل هي رسالة الى تركيا بان روسيا لم تغير خططها بشأن المضي قدما في تنفيذ مشروع الانبوب الذي سيزيد كميات الغاز الروسي الى تركيا؟!! مهما يكن من أمر, فان المسألة المطروحة الان ماذا بالنسبة لمشروع نقل نفط بحر قزوين بعد زلزال تركيا؟!! هل سيبقى المشروع قائما كما خطط له سابقا؟ ام ان الزلزال سيعيد حسابات شركات النفط العالمية وبلدان منطقة بحر قزوين باتجاه تغيير مسار الخط؟ وبالتالي ما البديل في هذه الحالة, مادامت الولايات المتحدة تعارض بشدة مرور انابيب النفط سواء في روسيا او في ايران؟ قبل ان نجيب على هذه التساؤلات دعونا نستعرض بايجاز ما ألحقة الزلزال من خسائر بالاقتصاد التركي. ما بعد الزلزال قدرت مصادر الامم المتحدة ان ترتفع حصيلة ضحايا الزلزال الذي ضرب شمال غرب تركيا في السابع عشر من الشهر الماضي الى أكثر من 50 ألف قتيل. وقد ناشدت تركيا الاسرة الدولية لتقديم مساعدات لها نظرا للخسائر الكبيرة التي لحقت بها في القطاع الصناعي بفعل الزلزال. واعلنت تركيا انها ستحتاج من 20 الى 25 مليار دولار لتغطية الخسائر المادية والانتاجية, والحد من تدمير توازن الاقتصاد. وقد وعد صندوق النقد الدولي بصرف 325 مليون دولار, في حين افرج البنك الدولي عن قرض قائم بقيمة 100 مليون دولار, وتعهد بمنح قروض جديدة بقيمة 120 مليون دولار. واشارت مصادر تركية الى ان الزلزال سبب خسائر لتركيا تقدر بنحو 20 مليار دولار تمثل نصف ميزانية عام 1999, وقال خبراء اتراك ان الخسائر الناجمة عن الزلزال المدمر تمثل ايضا نصف ديون تركيا الخارجية البالغة 40 مليار دولار وهذا يعني ان اعباء تركيا اصبحت بحدود 60 مليار دولار!! وقد اكد كورشات توزمان مساعد وكيل وزارة التجارة الخارجية التركية انه نتيجة للزلزال الذي دمّر المناطق الصناعية, فان هناك خسارة يومية تقدر بين 200 ـ 250 مليون دولار بسبب توقف الانتاج الصناعي في المنطقة, وهذا يعني ان الوضع الاقتصادي في تركيا اصبح حرجا!! وهذا الوضع هو الذي يدفع بتركيا الان ومستقبلا الى حث البلدان المطلة على بحر قزوين باستمرار مشروعها لنقل هذا النفط عبر انبوب ينتهي باحد الموانئ التركية... ولعل المخاوف بدأت تساور تركيا في هذا المجال, وبخاصة بعد الاعلان عن ان تركيا تقع في منطقة غير آمنةج ضد الزلازل!! ويقول خبراء الزلازل الامريكيون ان الزلزال الذي ضرب تركيا ربما يعقبه زلزال كبير اسوأ بنفس القوة, واوضحوا ان صدع شمال الاناضول الذي تحرك في السابع عشر من الشهر الماضي يعدّ اكثر الصدوع الجيولوجية في العالم بطريقته الخاصة في انتاج سلسلة زلازل قاتلة!! ويعتبر الخبراء ان الزلزال الاخير ربما زاد من الضغوط على امتداد خط الصدع, وهو لا مثيل له في طبيعة تشققه المتزايدة, ويبدو في معظم المواقع اكثر عشوائية وتعقيداً!! ووصف خبراء الزلازل على امتداد هذا الصدع بانها تأتي في نمط يشبه قطع الدومينو المتساقطة, وقالوا ان عشرة زلازل بقوة تزيد على 6.7 درجة سجلت على امتداد الصدع في الفترة ما بين عامي 1939 ـ 1992, مما يوفر فرصة لا مثيل لها في دراسة الكيفية التي تهيئ بها الهزة الآنية للهزة التي تليها. ورأى الخبراء ان الامر الاكثر رعبا هو ان الهزة التالية يمكن ان تضرب موقعا ابعد الى ناحية الغرب بالقرب من اسطنبول, وهي مدينة يبلغ عدد سكانها 12 مليون نسمة, وقد تضررت بشدة من الزلزال الاخير.. ان مثل هذه التحليلات والتوقعات لا تفرح تركيا, فهي تثير قلقها لانها تؤثر سلبا على اقتصادها, وقد تغير من خطط الاخرين وبخاصة فيما يتعلق منها بجعل تركيا المصدر الاول لنفط وغاز بحر قزوين الى العالم الغربي.. ويدخل في باب التحليلات المثيرة للقلق في تركيا ما قالته صحيفة الديلي تلغراف البريطانية في تقرير لها عن الزلزال. فقد رأت الصحيفة ان الزلزال يعرض للمساءلة اهداف واتجاه برنامج التحديث في السنوات القليلة الماضية, هذا البرنامج الذي دفع بالملايين من ابناء القرى والاقاليم التركية الى هجرة اراضيهم الزراعية والاندفاع الى المدن المكتظة والى الحزام الصناعي غربي تركيا الذي ضربه الزلزال الاخير!! وهكذا فان المشهد الاقتصادي في تركيا ما بعد الزلزال يثير قلق المسؤولين الاتراك: خسائر تقدر بـ 25 مليار دولار تضاف الى ديون خارجية تقدر بـ 40 مليار دولار, واذا اراد الاقتصاد التركي ان يعود الى ما كان عليه قبل الزلزال فهو بحاجة الى مساعدات لا تقل عن 20 مليار دولار, والا ستبقى الخسارة اليومية بحدود 250 مليون دولار ناجمة عن توقف الانتاج الصناعي في المنطقة التي دمرها الزلزال.. امام هذا المشهد, ما هو مستقبل نقل نفط بحر قزوين عبر انابيب او انبوب واحد الى الغرب عبر تركيا؟ أهمية بحر قزوين لعل السؤال الأهم في هذا السياق: هل يشكل نفط بحر قزوين احتياطيا استراتيجيا كبيرا حتى يثير شهية الكبار من بينهم تركيا التي تبحث لها عن دور استراتيجي في مناطق الاتحاد السوفييتي سابقا؟ ام ان المسألة برمتها هي لعبة امريكية لاحتواء دول المنطقة سياسيا واقتصاديا بمنأى عن روسيا وايران؟!! ان ما يثير الريبة هو الاصرار الامريكي على ضخ نفط بحر قزوين الى اوروبا والولايات المتحدة عبر انبوب ينتهي بالمرافئ التركية!! لاشك ان اعتبار منطقة بحر قزوين كأكبر مخزون للنفط في العالم بعد منطقة الخليج وروسيا يثير الجدل, ولكن واشنطن تمكنت من اثارة شهية بلدان المنطقة فحرضتهم كما حرضت الاخرين على الفوز بعقد لاستخراج النفط من هذه المنطقة!! وهكذا انضمت كبريات شركات النفط الامريكية الى الكونسورتيوم الدولي الذي شرع في استخراج النفط من حقل تشيراف الاذربيجاني. ولا يخفي الامريكيون خططهم بان مصلحتهم هي في وجود اكثر من خط لنقل النفط الى مواقع التسويق. الا ان الولايات المتحدة تؤيد عمليا المشاريع التي لا تمر فيها انابيب النفط في روسيا او ايران, لذا فهي تضع ثقلها لصالح خط انابيب من باكو الى ميناء جيهان التركي عبر جورجيا. وتؤيد اذربيجان وجورجيا هذا المشروع. وقد رأى الرئيس الاذربيجاني في تصريح له لمجلة نيوزويك الامريكية في مارس 1999 ضرورة ان ينقل اكبر جزء من النفط الذي يستخرج من بحر قزوين الى جيهان, واضاف ان خط باكو ـ جيهان على قدر كبير من الاهمية, ليس فقط لتصدير النفط الاذربيجاني بل ولتصدير نفط كازاخستان وتركمانستان ايضا, وتعترف اذربيجان ان هذا الخيار لا يروق لروسيا!! وكانت تركيا انتهت من دراسة الجدوى الاقتصادية لمشروع نقل نفط بحر قزوين الى الاسواق العالمية من باكو عبر ميناء جيهان في فبراير 1998. اما فيما يخص مشروع مد خط انابيب النفط من حقول كازاخستان الى ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الاسود, فهو مشروع مفترض ان ينفذه كونسورتيوم دولي آخر, الا ان الشركات الغربية الاعضاء في هذا الكونسورتيوم بما فيها شيفرون وموبيل الامريكيتان, قد جمدت عملية تمويل هذا المشروع!! ولكن الى اي درجة يمكن ان يكون نفط بحر قزوين بهذه الاهمية؟! لو عدنا الى بداية الاهتمام بمنطقة قزوين لاكتشفنا ان وزارة الطاقة الامريكية هي من دفع بحر قزوين الى الواجهة, فمنذ ان اكدت هذه الوزارة ان هذه المنطقة تعوم على بحر من النفط والدول المطلة على بحر قزوين, وهي روسيا واذربيجان وايران وتركمانستان وكازاخستان, تتنافس على احقية كل منها في الحصة الكبرى من نفط بحر قزوين!! والمسألة تستحق التنافس مادامت وزارة الطاقة الامريكية قدّرت احتياطي نفط بحر قزوين بما لا يقل عن 200 مليار برميل, ومنذ ان سوقت الوزارة الامريكية نفط قزوين, والاتفاقات تعقد بين شركات نفطية امريكية واوروبية مع دول المنطقة وكل منها يسعى الى مرور خط نقل النفط في اراضيها. ولم تكن السياسة بعيدة ابداً, فواشنطن اكدت منذ البداية معارضتها لاقامة خط انابيب لنقل نفط قزوين يمّر عبر ايران, ورأت ان افضل الخطوط هو الذي يمرّ بباكو والقوقاز الى تركيا. وهذه الاخيرة كانت جاهزة ولاتزال, فانجزت سريعا الجدوى الاقتصادية. معطيات مضللة بالطبع لم يسأل احد ما هي المعطيات التي جعلت وزارة الطاقة الامريكية تؤكد ان احتياطيات النفط في بحر قزوين قد تتجاوز 200 مليار برميل, الى ان صدر تقرير عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن العام الماضي... فماذا في هذا التقرير من معطيات اخرى مختلفة عما قالته وزارة الطاقة الامريكية؟ لقد قلل تقرير المعهد الدولي في لندن من اهمية نفط بحر قزوين واكد ان طاقة البحر هي اقل بكثير من تقديرات المحللين السياسيين!! فالمعهد رأى ان الموضوع بالمحصلة مجرد تحليلات سياسية حول منطقة تحظى باهتمام الولايات المتحدة. ويؤكد التقرير ان خبراء صناعة النفط ينظرون على نطاق واسع من السخرية الى تقدير وزارة الطاقة الامريكية لاحتمالات الاحتياطي القابل للاستخراج من المنطقة. ويؤكدون ان تلك الاحتياطيات تتراوح بين 25 و35 مليار برميل منها كميات لم تكتشف بعد, اي لاتزال في اطار التوقعات غير المؤكدة. ورأى رئيس المعهد جون شيبان ان هذه الارقام المتواضعة تجعل حجم نفط بحر قزوين مماثلا على اقصى تقدير لما هو موجود في بحر الشمال لا في السعودية!! ان الولايات المتحدة كشفت نوايا في سبتمبر 1998 عن تأييدها لتقسيم سريع لبحر قزوين الى قطاعات اقليمية عدة للتمكن من استغلال مصادر الطاقة فيه على نطاق واسع, فهي ترى ان حوض بحر قزوين, ذو اهمية كبيرة لتطوير شبكة نقل مصادر الطاقة في كل المنطقة, وانه يمكن توقع تدفق استثمارات اجنبية كبيرة في هذه المنطقة بعد تقسيم بحر قزوين. وترى واشنطن انه من الضروري ان تعترف جميع القوى البحرية في المنطقة بهذا التقسيم. وبعبارات اكثر دقة فان واشنطن تريد ان يتدفق النفط من خلال عدة انابيب عبر تركيا الى الاسواق الدولية كي لا يتحكم احد في هذه الانابيب... صحيح ان الائتلاف النفطي الجديد في المنطقة الذي يضم شركات امريكية واوروبية يحبذ فكرة خطوط للانابيب تمتد تحت بحر قزوين, الا انه ايضا يرى ان تنتهي هذه الخطوط في تركيا!! وهذا يعني ان لا خيارات اخرى امام الولايات المتحدة سوى تركيا لضخ نفط بحر قزوين عبرها الى الاسواق الدولية.. وهذا الوضع لن يتغير بعد الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا, مادامت السياسة هي التي تحرك مسارات انابيب النفط!! * كاتب وصحفي سوري