من الملف السياسي: هل تعيد تركيا رسم اولوياتها السياسية؟بقلم : موسى الخميسي

بعد الزلزال الذي ضرب شمال غرب تركيا والذي توقعت مصادر الامم المتحدة ان يناهز عدد ضحاياه الخمسين الفا, بسبب قوة الهزة, وحجم المنطقة, وضعف المباني, وبطء عمليات الانقاذ, فان كل التوقعات تشير الى ان الزلزال المدمر سيحدث هزة سياسية , اذ ان الحكومة الائتلافية برئاسة بولند اجاويد تشعر بقدر كبير من القلق على مستقبلها الذي يرجح الكثير من المراقبين السياسيين, بان كارثة ازميت قد تأتي عليه هو الآخر. لقد انهمكت قوات الجيش التركي بانتشال قتلاها وعناصرها المدفونين في قاعدة غولجوك البحرية, بينما كان المدنيون من فقراء المدن والارياف يموتون تحت الانقاض, كما انشغلت قوات عديدة من الجيش عن الساحة باعمال ابادة ضد المناطق الكردية, حيث اعلن عن مقتل العديد من الاكراد, يزعم الجيش على انهم من مقاتلي حزب العمال الكردستاني. وقد جعل هذا الجيش موضع انتقاد قد يفضي الى أزمة سياسية اذا احسنت المعارضة استثمارها, كما ان تزايد حجم الانتقادات علنا ولاول مرة في الشارع التركي للمؤسسة العسكرية, سيطاول بالضرورة حكومة الائتلاف التي تضم مجموعة من الاحزاب السياسية, وكان لها دور في التستر على خرق القوانين التي تتكفل بحماية المناطق من الزلازل, مع علم السلطات والبلديات بان البلاد واقعة اصلا على صدع جيولوجي يخترقها من الشرق الى الغرب, ما يعني انها في خطر دائم من الاصابة بالزلازل. واللافت ان اهالي الضحايا صبوا جام غضبهم على الحكومة والمجالس البلدية, والمقاولين الذين ارتبطوا على الدوام برجال الحكم, وتسببوا جميعا في مضاعفة حجم الكارثة فالحكومة بدت عاجزة عن انقاذ الضحايا وتقليص عددهم بسبب عدم جديتها, وبدائية ادواتها, كما انها ملامة الان في الشارع التركي لانها لم تتعامل بشكل علمي مع المقاولين الانتهازين الذين اشرفوا على البناء, وحققوا ارباحاً طائلة, دون ان يلتزموا بالمعايير المتبعة في عمليات البناء, وبما يتناسب مع منطقة تهددها الزلازل. يفترض بتركيا حاليا احداث تحولات ايجابية على المستوى السياسي الداخلي والخارجي, لان منطق حالة السيولة والاقليمية والدولية الراهنة تجعلها معنية في عملية اعادة صياغة دورها السياسي من جديد, بعد ان غادرت بعد عشرة عقود فراشها كرجل مريض, لتقف على قدميها من جديد, ولتلعب دوراً اقليمياً بارزاً في سباقها المحموم لبسط نفوذها على منطقة اسيا الوسطى, وتأمين قواعد نفوذها في العمق العربي, حيث تبدو انقرة ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي, وكأنها تختال بخطاها على الساحة العربية وفي منطقة اسيا الوسطى على حد سواء. كما ان انقرة خلال السنوات الأخيرة, وضعت هدفا بتحجيم الدور الايراني في المنطقة في المعادلة الاقليمية, ومحاولة احتواء هذا الدور بأي ثمن. وليست بعيدة تلك المحاولة التي اقدمت عليها انقرة تجاه ايران عندما هاجمت وحدات عسكرية تركية مؤخرا الاراضي الايرانية تحت يافطة مخاطر حزب العمال الكردستاني, وكذلك استغلال انقرة للفراغ في منطقة كردستان العراق التي حولتها الى ساحة لتدريب قواتها العسكرية التي اجتاحت المنطقة مرات عديدة بقوات هائلة مثيرة الرعب. وكلنا يتذكر اطماع تركيا التي اعلنتها اكثر من مرة بمحافظة الموصل العراقية, وتهديداتها قبل فترة قصيرة بشن حرب على سوريا, والتوصل الى عقد اتفاقيات بينها وبين اسرائيل لتطوير التعاون العسكري, يضاف الى كل ما ذكرناه سياسة الاستعلاء القومي الكمالي التي مازالت تطبع ذوي المنهج العلماني المتزمت, والتي تجعل العديد منهم عاجزين عن استيعاب حقيقة ان العالم من حولهم لم يعد ابيض وأسود فقط, بل أصبح متنوع الالوان, وشديد الانفتاح على الخصوصيات التي تصب في مجرى الاندماج الاقليمي والعالمي, في عالم اصبح يتطلب التعايش مع الآخر والتعاون معه في جميع الميادين. لقد كانت تركيا في عقد الثمانينات تلفظ انفاسها من جراء الانقلابات العسكرية والحكومات الديكتاتورية التي تعاقبت على انقاض هذه الانقلابات, ووجهت كل جهودها الى ربط المنطقة العربية والاسلامية بالسياسة الامنية لحلف شمال الاطلسي, من خلال بناء الحلف الجماعي الذي يمثل صورة موسعة لـ (حلف بغداد) . وبلغة مكشوفة, فان العديد من قادة الاحزاب السياسية التي حكمت وتحكم تركيا اليوم يفكر بان عصر الوفاق الدولي قد ألغى الدور التركي السابق, وانه من خلال انهيار الاتحاد السوفييتي, فان الأبواب مشرّعة لدور جديد, وما على الاتراك الا ان يحوّلوا ضعفهم الى قوة. ويتبين هذا الموقف من خلال التزمت والافراط في الحساسية تجاه كل انتقاص يطاول تركيا في حاضرها وماضيها, وتقديم نفسها على اساس كونها وسيطاً في عمليات التحديث الاقتصادي بين الاقتصادات المتقدمة للغرب والاقتصادات شديدة التخلف للجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى, وهكذا يبدو الدور التركي متشعبا وينطوي على ابعاد متباينة يمكن لها ان تفيد من اعادة النظر في الخرائط والحدود, فيكبر دورها ونفوذها كيفما تقلبت الظروف, وهذا يعني ان الدور التركي لا يقتصر على الدول التي ذكرناها, بل هو يتحرك نحو حلم اعادة احياء القومية التركية التي توارت تحت ركام التاريخ. ان تركيا ذات الطبيعة المعقدة بسياستها الخارجية والداخلية, عليها تجاوز مبدأ العلاقات الاحادية مع الغرب والتي ادت الى ان تهمل طوال العقود السبعة الماضية التعامل الطبيعي مع العالمين العربي والاسلامي, وعليها ان تدرك معنى التخلي عن دور الدركي الذي يعيدنا بالذاكرة الى الدور الذي كان يلعبه شاه ايران قبيل الاطاحة به, حين كان يهدد دول الجوار بذات الاسلوب, فتركيا التي مازالت تمارس الابتزاز وتستخدم ورقة المياه للاضرار بالامن العربي, وتراهن على المواقف الاوروبية الازدواجية (بين تأييد حقوق الشعب الكردي ورفع لافتة حقوق الانسان, وبين محاولة ارضاء انقرة وكسب ودها والصمت على ما اقدمت وتقدم عليه من اعمال جديرة بالشجب والادانة), عليها ان تتخلى عن نهجها في مساعيها لاقتلاع وابتلاع حقوق الملايين من ابناء الشعب الكردي, وعن سياسات الحرب الباردة داخليا وخارجياً, فهي مؤهلة في حالة استقامتها واتعاظها من الكوارث التي تتعرض لها, بان تلعب دوراً متميزاً بربط الوطن العربي باوروبا الغربية من خلال السياسة المتوسطية للسوق الاوروبية المشتركة, ويمكن لها ان تؤدي دوراً رئيسياً في مجالات حساسة كالنفط والماء والغذاء. الا ان هذا يحتاج الى اعادة نظر جذرية في اولويات السياسة التركية, ومراجعة علاقاتها مع دول الجوار, خاصة العربية والاسلامية. الزلزال التركي الكبير يمكن في النهاية ان يصبح حافزاً للبناء او اداة للهدم, فهو تجربة فريدة قادرة على صياغة رؤية الانسان الى حياته ومستقبله, فالزلازل ترسم الاسئلة وعلى الانظمة ان تجيب... ولكن بصدق. * كاتب عراقي صحفي ومقيم في إيطاليا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات