في حياة الشعوب مراحل زمنية وتحولات تضربها في الأعماق.. قد تصيبها في مقتل وأخرى لاتزيد عن كونها أصوات أبواق تهدأ بعد حين.. محن تصنعها الأقدار تقف الأمم أمامها عاجزة دون رد لقضاء..من رعد الى برق يضيىء السماء.. وزلزال يحرق ويدمر ويهدم بيوت بشر ويدفعهم للعراء .. وما أصاب الشعب التركي كارثة لم يكن من الممكن أن يمنعها أحد لأنها بفعل القدر الذي يعلم وحده الحكمة منها, لكن الانسان الذي وهبه الله من العلم الكثير, يدفعه الطمع في الثراء من الدنيا لأن يعطي لضميره اجازة أبدية, فنفر قليل نسوا حياة البشر واستغلوا المميزات التي منحتهم إياها الحكومة التركية في اللعب بأرواح الأبرياء في سبيل المال, فانتقصوا من المواد الأساسية لبناء المساكن من حديد مسلح وأسمنت, وتواطأ معهم بعض الفاسدين والمفسدين بأن أغمضوا عيونهم وصموا آذانهم على مدار 20 سنة, الى ان أتت كارثة الزلزال التي ذهبت بأرواح حوالي 15 ألف انسان من أطفال وشيوخ ونساء وشباب, واصابة عشرات الآلاف بجروح ومثلهم دخلت بيوتهم الأحزان على فراق ذويهم, فماذا سيفعل كل ذلك على الساحة السياسية والاقتصادية داخليا وخارجياً في تركيا؟ والى أى طريق سيذهب بحكومة تركيا؟ هذه الاسئلة وأخرى فرضتها كارثة الزلزال على الساحة توجه بها (الملف) الى سيف اوزكوزال التركي الأصل والخبير في الشؤون السياسية والاجتماعية التركية ومستشار هولندا في شؤون الأقليات والتعليم. إذابة الجليد * هل من الممكن ان تساعد تلك الكارثة في تحسين العلاقات التركية مع اليونان خاصة على ضوء موقف الأخيرة وتقديمها المساعدات العاجلة؟ ـ لقد رأينا بين لحظة واخرى ان اليونان التي كانت تتبادل مع تركيا بالأمس القريب العبارات النارية في حملات هجوم سياسية, وكادت أكثر من مرة ان تضع الجانبين على حافة الصدام العسكري, واطاحت في خضم ذلك بأدنى تحسن منتظر في العلاقات بين الجانبين, تحول موقفها فجأة امام هذه الكارثة الانسانية الطبيعية, واذا بها تبادر من بين أولى الدول العالمية في تقديم المساعدات للمنكوبين في تركيا وارسال فرق الانقاذ لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض, وتناست امام هذه الأزمة كل عداء وصدام لها مع تركيا. وانا أؤكد ان دافع اليونان لمساعدة تركيا في تلك المحنة لم يكن سببه فقط وجود آلاف من اليونانيين الذين يعيشون على الأراضي التركية أو وجود اتراك باليونان, بل ما حدث في تصوري انتفاضة شعبية يونانية تجاوزت حد الخلاف, دمجت ارادة الشعب بالحكومة وحركتها تجاه تركيا بشكل انساني, واعتقد ان هذا التحول قد يكون بداية لإذابة جبل الجليد بين البلدين, ومرحلة جديدة لبناء علاقات جديدة. * ما هو حجم الخسائر ونوعيتها التي لحقت بتركيا نتيجة لهذه الكارثة؟ ـ بداية حجم الخسائر رهيب جداً, فقد عدت لتوي من تركيا, وقدرت الخسائر المالية فقط بأكثر من 20 مليار دولار, ومن المتوقع ان تزيد عن هذه القيمة بنسبة قد تصل الى 30 مليار دولار, مع العلم انه لاتدخل في حسابات هذه التقديرات التكاليف المطلوبة لإعادة إعمار البنايات والمساكن التي تهدمت ولا قيمة الخسائر في الانتاج, حيث توقف الانتاج داخل معظم المؤسسات التي اضيرت وستمتد فترة التعطيل من 6 أشهر الى عام, اما الخسائر فهي تنقسم وتتعدد, بعضها مباشر واضح على المدى القريب, وآخر غير مباشر سيظهر على المدى البعيد: ـ خسائر بشرية في الأرواح تتمثل في الضحايا والجرحى, وما لذلك من آثار اجتماعية ونفسية تمتد لأسر المنكوبين, ومانتج عن الكارثة من خسائر اقتصادية مباشرة للمواطنين. ـ خسائر في المنظومة السياسية الداخلية وتتجسد في هز وتصدع جسور الثقة بين المجتمع والاجهزة الحاكمة, وسيجعل الشعب التركي يعيد النظر في تقييم حكومته التي ينظر اليها منذ عام 1982 على انها الأب الذي يفعل كل شىء لأبنائه, وسوف لا يظهر ذلك في القريب العاجل حيث ان الشعب في حاجة لوقت حتى يعيد تنظيم شؤونه من جديد وإعادة بعض ما هدمته الزلازل, ثم بعد ان يلعق جراحه سيظهر على السطح نتاج التصدعات التي حدثت في علاقة المواطن بالحكومة, ومن المتوقع ان يؤدي هذا الى تراجع العلمانية في المجتمع التركي ويجنح مدفوعاً بالعاطفة نحو تأكيد مشاعره الدينية, وهذه ليست خاصية للشعب التركي فقط, بل في الشرق كله نرى على مر التاريخ ان الكوارث الطبيعية والحروب تكون لها عدد من الافرازات الاجتماعية والمتغيرات التي تطرأ على حياة المواطنين منها التوجه نحو التدين. ـ خسارة المؤسسة العسكرية لهيبتها وسلطانها لدى الشعب, فقد اتضح منذ اللحظات الأولى لكارثة الزلزال وجود أزمة داخل الحكومة والجيش, فكلاهما وقف مصاباً بالشلل بينما المؤسسات المدنية والجمعيات الخاصة هي التي قامت بدور فعال وكان لها زمام المبادرة. * بجانب هذه الآثار السلبية والخسائر هل توجد تداعيات أخرى لهذه الكارثة؟ ـ كما هو معروف فإن التاريخ التركي حافل بالدراما, لكن هذه المرة تشير العديد من الدلائل بأن كارثة الزلازل ستدفع الشعب التركي نحو تحويل بعض الشعارات الى حقائق وأهمها (تركيا لتركيا) وقد يؤدي إلى وحدة سكان تركيا من مختلف الأجناس والأعراق. تأثيرات ايجابية * انطلاقا من حجم ونوعية الخسائر التي ذكرتها, هل سيؤدي ذلك إلى زلزلة الحكومة الحالية؟ ـ الائتلاف الحاكم الموجود في تركيا الآن عمره أشهر قليلة, وحقيقة لقد وجه الشعب التركي انتقادات حادة إلى الحكومة لتباطئها في تقديم العون للمنكوبين وفي عمليات الاغاثة والانقاذ وذلك بسبب التخبط الذي حدث داخل الأجهزة التنفيذية على مستوى المحليات, ومن ناحية ثانية بسبب الاهمال والتقاعس, وقد اعترف رئيس الوزراء (أجاويد) انه أثناء وجوده بالمروحية متوجها إلى موقع الكارثة الرئيسي فشل في الاتصال بالمسؤولين في المجالس المحلية, وذلك لسببين: الأول هو تعطل أجهزة الاتصال التي من المفترض ان تعمل في حالة الطوارئ ومثل هذه الكوارث, والسبب الثاني هو انشغال كبار الموظفين بالاطمئنان على أقاربهم ومعارفهم وانصرافهم عن أداء مهامهم وواجباتهم كتشكيل غرف عمليات للاتصال والانقاذ, والتنسيق بسرعة مع الأجهزة المعنية لانقاذ المنكوبين, ولهذا سيقتصر الأمر على توجيه الانتقادات إليها بسبب ما حدث من اهمال, لكن سوف لا يؤدي هذا لأن يعصف بالحكومة فقط, المتوقع حدوثه توقيع بعض العقوبات الادارية في المؤسسات الحكومية وتقديم البعض للمحاكمات, لكن شخصية أجاويد تحظى بالحب والقبول لدى الشعب التركي كله لأنه في نظرهم نظيف اليد لم يتهم قط في قضية فساد أو رشوة, كما انه لا يميل إلى الترف بل يمارس حياة عادية كسائر المواطنين. والشعب التركي يعلم جيدا ان الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تهدم المنازل وتحطمها كعلب الثقاب الصغيرة, تكمن في ان الحكومات السابقة خلال العقدين الماضيين قد دأبت على تشجيع تأسيس جمعيات تقسيم الأراضي والبناء, وقد وضعت شروطا ميسرة لقيام هذه الجمعيات تتمثل في ان تضم في عضويتها 12 شخصا, وان تمتلك الجمعية 40% فقط من رأس المال اللازم لاقامة مشروع من الوحدات السكنية على ان تمنح الحكومة بقية النسبة (60%) كقرض ميسر وبفائدة منخفضة جدا, وكانت الأقساط الواجبة السداد تتحول إلى مبالغ ضئيلة جدا, تكاد تكون عديمة القيمة نظراً لتزايد نسبة التضخم الذي تصل نسبته أحيانا إلى 80% لذلك كانت تعتبر قيمة المنحة لهذه الجمعيات وكأنها معونة, وحدث ان معظم هذه الجمعيات قد لجأت إلى طرق غير مشروعة في اقامة الوحدات السكنية بصورة غير مطابقة للمواصفات الفنية والأمان, فكانت توفر من مواد البناء الأساسية لتخفيض التكلفة, وكان بعض كبار الموظفين في مجالس المدن والادارات يلتزمون الصمت مقابل الانتفاع أو الحصول على رشوة, وآخرون كانوا يمارسون نوعا ضعيفاً من الرقابة يحيطها الاهمال, لذلك اتصور بأن الشعب لن يحمل الحكومة الحالية أخطاء 20 عاماً مضت. * هل يمكن ان تعيد تركيا النظر في التحالفات الاقليمية؟ وهل للكارثة تأثير على مشروع أنابيب نفط بحر قزوين الذي يمر عبر تركيا؟ ـ لا اعتقد ان شيئا من هذا النوع سيحدث لعدم وجود أسباب جوهرية, لكن سيحدث عدد من الانفراجات السياسية في علاقة تركيا باليونان لتأخذ بعدا انسانيا يكون بمثابة مفتاح جديد للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي الذي تريد تركيا الانضمام لعضويته, وكانت اليونان واحدة من الدول التي تشكل عقبة أمامها, ولا يعني ذلك بأن الأمور ستتغير بين ليلة وضحاها فالسياسة ليست هكذا, لكن الأجهزة السياسية في الخارجية التركية على قدر من الوعي لاستثمار عودة الحرارة للعلاقات مع جارتها اليونان, كما انه من المتوقع ان تبدأ الحكومة التركية في اتخاذ مواقف أكثر ليونة في قضية الأكراد, ولا استبعد ان تكون واحدة من اثبات حسن النوايا أمام الساحة الدولية هي تخفيف حكم الاعدام إلى السجن المؤبد على الزعيم الكردي عبدالله أوجلان, أما عن الشق الثاني من السؤال فمناطق الزلازل تبعد حوالي 1000كم عن طرق مرور أنابيب النفط ناحية الغرب, وهي لم تتأثر بالزلازل. وعلى الجانب الآخر من الخسائر والسلبيات التي نتجت أو تسببت في مزيد من الضحايا يبقى شيء غاية في الأهمية وهو ان كارثة الزلازل لها ايجابية لا يمكن انكارها تتمثل في توحيد وتضامن الشعب التركي أكثر من أي وقت مضى.