من الملف السياسي:زلزال تركيا.. هل يقلص دور المؤسسة العسكرية لصالح مؤسسات المجتمع المدني؟ القاهرة: مكتب البيان

تعيش تركيا هذه الأيام مأساة حقيقية بسبب الاثار التي ترتبت على الزلزال الذي تعرضت له خلال الشهر الحالي, الزلزال الذي أدى الى وقوع خسائر كبيرة في الارواح قدرت بعشرات الالاف من القتلى والمصابين ونحو600الف من المشردين يعيشون حاليا في المخيمات وسط ظروف انسانية سيئة للغاية , كما ادى الى تعرض الاقتصاد التركي لضربة قاصمة حيث قدرت الخسائر بنحو 40 مليار دولار تسعى تركيا حاليا للحصول على قروض لتغطيتها هذا الزلزال اوجد حالة من الضيق لدى الشارع التركي الذي رأى ان هناك تراخيا من الحكومة التركية في مواجهة اثار الزلزال, وفتح الباب امام تساؤلات كثيرة حول امكانية ان يدفع الزلزال والآثار الناجمة عنه تركيا لإعادة النظر في تحالفاتها الاقليمية, وحول انتقادات الشارع التركي, وهل تؤدي الى تغيير في الخريطة السياسية في تركيا, ومدى امكانية ان يتقلص دور المؤسسة العسكرية لصالح مؤسسات المجتمع المدني؟ وهل تنحسر العلمانية في تركيا امام تنامي المشاعر الدينية من جراء الزلزال؟ والاثار السياسية والاقتصادية الناجمة عنه؟ (الملف) التقى بالدكتور حسن بكر استاذ العلوم السياسية بجامعة اسيوط, وأحمد السيد النجار الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام للرد على هذه التساؤلات. لا تقصير الدكتور حسن بكر استاذ العلوم السياسية بجامعة اسيوط يرى في البداية ان الانتقادات التي يوجهها الشارع التركي للحكومة التركية لن تؤدي الى تغيير خريطة السياسة التركية, لانه سيتضح بمرور الوقت أنه لم يكن هناك تقصير كبير من جانب الحكومة بالنسبة لعمليات انقاذ وإزالة اثار الزلزال فمعروف ان الاولوية الاولى لاي حكومة في العالم هي الاسراع بمواجهة اي كوارث قد تقع للسكان, والحكومة التركية من المؤكد انها حاولت ذلك, ولكن يبدو ان قوة الزلزال لم تمكنها من أداء دورها بالشكل المطلوب وزاد من الامر كثرة عدد الضحايا وضخامة الخسائر, وهو ما أدى الى إتهام الشارع التركي للحكومة بالتقصير في مواجهة الاثار الناجمة عن الزلزال بمفردها وانه لولا المساندة الخارجية لساءت الامور اكثر واكثر. وهذا في حد ذاته يعد عيبا وميزة في الوقت نفسه, ميزة لان هذه المساندة الخارجية ادت الى نجدة الالاف من الاتراك وساعدتهم من الناحية الانسانية على مواجهة الظروف المعيشية الطارئة الصعبة وتخفيف المعاناة عن الأطفال والنساء. وعيبا لانها ساهمت في ترسيخ الرأي القائل بتقصير الحكومة التركية لدى الشارع التركي وانها لم تواجه اثار الزلزال بالصورة المطلوبة والواجبة, ولكن مع ذلك اعتقد انه لا يمكن ان يقوم زلزال بتغيير الخريطة السياسية لاي دولة, فتغيير الحكومات يحتاج الى سياسة وليس إلى زلازل وكوارث طبيعية, الكوارث تساعد احيانا على تدعيم وترسيخ الحكومات. وعن تعليقه فيما تردد من ان الزلزال قد يساهم في إزالة التوتر في العلاقات بين تركيا وبعض دول الجوار وخاصة اليونان, قال الدكتور حسن بكر: لا شك ان الكارثة قد أدت الى وجود درجة من التعاون والتواصل بين اليونان وتركيا لمواجهة اثارها, واعتقد ان هذا سيكون مقدمة لان تعيد تركيا فتح صفحات للحوار مع دول الجوار الجغرافي ومنها اليونان. كما اعتقد ان اليونان لديها الاستعداد لذلك, والزلزال سيكون سببا غير مباشر في حدوث ذلك, فليس هناك دولة في العالم تسعى للحرب بهدف الحرب. واذا اثبتت تركيا حسن نواياها فيما يتعلق بالمشكلة القبرصية, واثبتت الاطراف الاخرى ان لديها الاستعداد للجلوس في مفاوضات فانني اعتقد انه يمكن الوصول الى حل يرضى الطرفين وليكن اقامة كيان كونفيدرالي يربط شطري الجزيرة. وفي رأى الدكتور حسن بكر ان الزلزال والاثار الناجمة عنه لا يمكن باي حال من الاحوال ان تدفع تركيا لاعادة النظر في تحالفاتها الاقليمية لان هذه التحالفات تمت لاسباب سياسية عميقة, ولكن هذا لا ينفي انه قد يحدث على المدى البعيد وبعد تغيير النخب الموجودة حاليا ان يعيد المجتمع الاسلامي في تركيا النظر في تحالفات الدولة التركية مع دول الجوار وبالذات العربية منها والاسلامية.. اما بالنسبة للتحالف التركي الاسرائيلي, معروف ان اسرائيل قدمت مساعدات كثيرة لتتجاوز تركيا هذه الكارثة وكذلك قدمت مساعدات لبعض العناصر من قواتها التي كانت موجودة في تركيا وقت حدوث الزلزال, وهذا كله يخضع للأمر الانساني فهناك الكثير من الدول قدمت مساعدات لتركيا لتجاوز المحنة, اما التحالف بين الطرفين الاسرائيلي والتركي فقد بني على اسس واضحة وثابتة وعقلانية ولا يمكن لظرف طارئ مثل الزلزال ان يجعل اي من الدولتين تعيد النظر في هذا التحالف الذي يحقق مصالح واغراض استراتيجية هامة لكلا الطرفين.. ونفى الدكتور حسن بكر ان يؤدي الزلزال وآثاره إلى تقليص دور المؤسسة العسكرية لصالح مؤسسات المجتمع, الزلزال نكبة وكارثة غير متوقعة وبالتالي لا يمكن اللوم فيها على أحد, وهذا لن يؤثر على دور العسكر في تركيا في شيء, فالدولة في تركيا يتحكم فيها العسكر بصورة كبيرة وهم يحافظون على هذا الدور ولا مجال هناك للتفريط فيه من قريب او بعيد. تنامي المشاعر الدينية وفيما يتعلق برأيه في الاراء التي ترى ان الزلزال سيؤدي الى تنامي المشاعر الدينية وفي المقابل انحسار العلمانية في تركيا, قال الدكتور حسن بكر انه لا يعتقد ان التأثير سيكون مباشرا بالنسبة لتنامي المشاعر الدينية في اعقاب الزلزال, فالعلمانية في تركيا راسخة بصورة كبيرة, وبالتالي الحديث عن ضعفها بسبب الزلزال امر مبالغ فيه, ما لم يكن هناك هبة شعبية تثبت عجز الحكومة وهو ما لم يحدث حتى الان, فلا أعتقد ان العلمانية سوف تصاب بتغيير كبير والحديث بهذا الشكل يعد امراً مبالغا فيه ولا مبرر له, ولكن ربما على المدى البعيد اذا تكرر الزلزال مرة اخرى فمن الممكن أن تكون هناك نظرة جديدة واستنهاض للروح الدينية في تركيا.. وفي النهاية يؤكد الدكتور حسن بكر ان الزلزال كارثة غير متوقعة وسوف تصيب الاقتصاد التركي القومي بهزة شديدة من جراء الخسائر الكثيرة واعادة التعمير والتعويضات التي تتعدى بلايين الدولارات هذا من الناحية الاقتصادية, ومن الناحية السياسية ساعد الزلزال الى حد كبير في اضعاف هيبة الحكومة التركية ولكنه لم يهز استقرارها, ومن ناحية ثالثة سوف يساعد الزلزال على خلق قناعة لدى العديد من المتدينيين الاتراك بان هذه الكارثة قد جاءت لتذكر المجتمع التركي بانه قد خرج على التقاليد الاسلامية ولابد من العودة اليها مرة اخرى. خسائر في الأصول على الجانب الاخر يرى احمد السيد النجار الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام انه ما من شك ان هناك اثارا اقتصادية واجتماعية كثيرة ترتبت على هذا الزلزال, فمثلا كانت توقعات صندوق النقد الدولي للعام الحالي تشير الى ان معدل نمو الناتج المحلي التركي سوف يصل الى 2%, ولكن المؤكد انه بعد الزلزال سيكون هذا المعدل بالسالب بسبب الخسائر التي تسبب فيها الزلزال وهي نوعان. الأول: خسائر في الأصول القائمة المتمثلة في المنازل التي تهدمت ومحطات الكهرباء والمياه, ومحطات ومصافي تكرير البترول وكل البنية الاساسية والعقارات والمصانع, وهذه الخسائر لا تظهر عادة في رقم الناتج المحلي الاجمالي, ولكن الذي يظهر هو الرقم الخاص بانخفاض الناتج المحلي المترتب على انخفاض طاقة الجهاز الانتاجي الذي جاء نتيجة تدمير بعض اجزائه مثل تدمير بعض المصانع ومعامل تكرير البترول. اي هناك خسارتين للاقتصاد التركي الاولى في الاصول. والثاني في الناتج المحلي وقد تم تقدير القيمة الفعلية لهاتين الخسارتين بنحو 40 مليار دولار بواقع 30 مليار دولار خسائر في الاصول و10 مليارات انخفاض في الناتج المحلي الاجمالي, كما ادى الزلزال الى وجود ظواهر اجتماعية اقتصادية مثل تزايد معدلات البطالة نظرا لان الزلزال قام بتدمير عدد كبير من الوحدات الانتاجية وبالتالي العاملون الذي كانوا يعملون في هذه الوحدات في حالة بطالة مستمرة لحين توفير فرص عمل بديلة لهم بعد بناء وحدات بديلة وهذا سيستغرق وقتا طويلا, والبطالة يترتب عليها اثار سلبية بالنسبة للتماسك الاسري وعلى المناخ القيمي والغضب على الحكومة.. ايضا ادى الزلزال الى وجود ظاهرة التشرد فهناك 600 الف شخص تركي مشردين يعيشون في العراء والشتاء على الأبواب ومناطق المخيمات التي يعيشون فيها لن تتحمل الظروف المناخية في الشتاء, ولذلك فمن المتوقع ان يتجه هؤلاء الى المدن اذا لم تتخذ الدولة اجراءات حاسمة لتسكينهم وحتى الان لا يلوح في الأفق ان الدولة لديها خطة بهذا الشأن وبالتالي سيضاف جزءاً كبيراً منهم الى مشردي المدن. انتقادات الشارع التركي وفيما يتعلق بامكانية ان تؤدي انتقادات الشارع التركي للحكومة الى حدوث تغيير في الخريطة السياسية التركية يقول احمد السيد النجار: الشارع التركي محق في انتقاداته لان هذه لحظة طوارئ عظمى واداء الدولة التركية في الزلزال لم يتناسب على الاطلاق مع هول اللحظة, المعروف انه وحتى في اغنى الدولة الليبرالية ان الحالة الوحيدة التي يسمح فيها للدولة بالسيطرة على وسائل النقل والانتاج هي لحظة الطوارئ, وكان من الأولى ان تقوم تركيا بدور كبير في ازالة اثار الزلزال, فالشارع التركي لم يلمس دوراً للدولة في تسكين المشردين او انهاء البطالة ولذلك حدث التذمر من الشارع التركي, ولكن هذا التذمر لا نستطيع ان نؤكد على انه قد يتجسد في صورة تذمر جماهيرية كبرى فهذا يتوقف على عوامل اخرى كثيرة ووجود مفجر مباشر يستطيع تفجير بركان الغضب الموجود بالفعل. وعموما فأنا اعتقد ان المساندة الاقليمية والدولية التي وجدتها تركيا ساعدت على التخفيف من اثار الزلزال بجهد خارجي وليس للدولة التركية فضل فيه وبالذات الامريكان, وهذا قلل من فرصة حدوث انفجار وغليان شعبي بسبب تباطؤ وضعف الاداء الحكومي في مواجهته. مشكلة كبرى واوضح احمد السيد النجار رداً على ما يقال من ان كارثة الزلزال قد تساعد في مد الجسور بين تركيا واليونان, ان هذا الامر يكاد يكون مستحيلاً فلن يساعد الزلزال على اي مد لجسور العلاقات او التعاون بين اليونان وتركيا, فهناك مشكلة كبرى بين البلدين تتعلق بجزيرة قبرص وبحر ايجه, وهناك ايضا ميراث ثقيل من الدم بين الاثنين, ولذلك فمن المستبعد حدوث تطور ايجابي في هذا الشأن, اقصى ما يمكن ان يحدث بين الطرفين في هذا الظرف هو المساعدة الانسانية, اما العلاقات وتطورها فهذا الامر يتوقف على حل المسائل والقضايا الخلافية وهي كبيرة وحاسمة ولن يكون للزلزال دور مهم فيها. او يتعلق بامكانية ان تؤدي الاثار الناجمة عن الزلزال لان تقوم تركيا بإعادة النظر في تحالفاتها الاقليمية. يضيف احمد السيد النجار: فيما يتعلق باسرائيل ينبغي ان يكون واضحا ان الموقف الاسرائيلي من تركيا كان له بعدين رئيسيين الاول هو العمل في المنطقة التي كان يوجد بها اسرائيليون بغرض انقاذ ما يمكن انقاذه منهم, والثاني الاظهار المبالغ فيه للتضامن مع تركيا والتركيز على إظهار ذلك في الإعلام الغربي, مع التقليل في الوقت نفسه من شأن المساندة التي خدمها العالم الاسلامي والعربي رغم ان هذه المساندة العربية والاسلامية اضعاف ما قدمته اسرائيل. وبالنسبة لتركيا يدل موقفها بالنسبة للكثير من الدول العربية بالكثير من نكران الجميل, ماعدا مصر فقد تم الاشادة بها اكثر من مرة لضخامة مساعدتها.. تركيا مازالت تنظر الى المنطقة العربية من منظور استعماري بدليل ان هناك مشروع بناء 21 سد منها 17 سدا على نهر الفرات, واربع سدود على نهر دجلة, ومعروف ان السد الاخير على نهر دجلة تمويله من بريطانيا وقدره مليار جنيه استرليني, وهذا يعني ان تركيا اعتدت على انهار دولية تشترك فيها مع دول عربية واعتمدت على منطق شريعة الغاب بالاستيلاء على المياه بمنطق القوة, والدولة التي تفكر بهذا المنطق لا يغيرها زلزال وستظل سياساتها تجاه المنطقة العربية واسرائيل كما هي مزيد من التحالفات مع اسرائيل ونظرة استعمارية الى المنطقة العربية. وعن امكانية حدوث تقلص لدور المؤسسة العسكرية لصالح مؤسسات المجتمع المدني بسبب اثار الزلزال يقول احمد السيد النجار من الممكن ان يحدث تأثر لدور العسكريين وموقعهم ولكن لدى الشارع التركي فهو سيصبح اقل قابلية لوجود دور سياسي للعسكر نظرا لانه لم يلمس منها اداء قويا عندما حدثت الكارثة, بمعنى ان النفوذ الاجتماعي للعسكر تآكل في الزلزال لانهم لم يثبتوا انهم جديرون بالمكانة السياسية والاجتماعية التي يحتلونها ولكن فيما يتعلق بعلاقتها بالدولة فمن المؤكد ان المؤسسة العسكرية ستحافظ على دورها وبنفس سيطرتها الا اذا حدثت تطورات اجتماعية وسياسية قوية تؤثر على هذا الدور. بشكل اصيل وعن رأيه في ان الزلزال قد أدى الى انحسار العلمانية في تركيا في مقابل تنامي المشاعر الدينية قال احمد السيد النجار: بالفعل الدولة التركية العلمانية استدعت الدين في محاولة لجعل الشعب التركي يتقبل الزلزال والاثار الناجمة عنه, وتقبل تقصير الحكومة في مواجهته باعتباره قدراً, وكأن الدين يستدعى في الازمات ثم يستبعد في الاوقات الاخرى. وهذا اوضح ان تركيا ليست دولة علمانية بشكل اصيل ولكنها تستخدم العلمانية من اجل استبعاد اتجاهات سياسية معارضة ولها نفوذ لدى الجماهير بدعوى انها تشكل خطراً على على الطابع العلماني للدولة التركية مثل حزب الفضيلة والرفاه وحتى بعض الرموز السياسية التركية مثل نجم الدين اربكان. ولان الجماهير لا تحدد علمانيتها بقرار فان استدعاء الدولة للدين في هذه الازمة بشكل مكثف سيجعلها في موقف ضعيف ازاء القوى المعارضة الاسلامية والعلمانية الاصيلة في علمانيتها, لان علمانية الدولة التركية ثبت في هذه الازمة انها علمانية شكلية وانتهازية وليست اصيلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات