بعد مرور زهاء اسبوعين على زلزال اغسطس1999المروع في تركيا, راحت فرق الاغاثة التي تقاطرت من خمسين دولة تغادر مواقعها. بعضها فعل ذلك عن قنوط من جدوى جهود البحث عن ناجين وسط الانقاص, والبعض ترك المكان ممتعضاً من معاملة المسؤولين الاتراك وسوء ادارتهم لعمليات الانقاذ واستهتارهم بمهمة المنقذين , وحدهم الاسرائيليون استمروا عاكفين على اداء المهمة بدون شكوى وبلا ملل. هم يقيناً كانوا في طليعة الذين هرعوا لمديد العون المادي والمعنوي, ولكنهم من ناحية اخرى حرصوا فيما يبدو على ان يكونوا آخر من يغادر الميدان. وليس في هذا السلوك المميز ما يبعث على الدهشة, فقد تعود الاسرائيليون تكييف كل حركة لهم على الصعيد الخارجي, بغض النظر عن ماهيتها, على انها خدمة لاهداف الدولة العليا, يتعين اداؤها بدأب وتفان, ومن يستذكر اسلوب التعامل الاسرائيلي مع بلدان آسيا وافريقيا غداة حصولها على الاستقلال تباعاً, يمكنه بشيء من التحوير والمعالجة تفهم مغزى المداخلة الاسرائيلية على خط الكارثة التركية الاخيرة. ان محاولة تقديم اسرائيل بمظهر الدولة المتقدمة العطوف صاحبة المبادرة بتقديم العون الفني والتقني المغلف بأبعاد انسانية, تبدو صارخة في الحالتين القديمة والراهنة. مساعدات... سياسية وتعكس التغطية الاعلامية الاسرائيلية, المدعومة بأوساط الاعلام الصهيوني دولياً, للحدث التركي المأساوي, معلماً اخر من معالم المداخلة المحسوبة بموازين الربح والخسارة السياسية في التحليل الاخير, فموت اسرائيليين في غمرة الحدث قضية ينبغي التركيز عليها انها تعني ان الاسرائيليين كانوا هناك... واسرائيل مفجوعة بهؤلاء كشأن الاتراك الاصدقاء الحميمين. ونجاح فريق الاغاثة الاسرائيلي في انقاظ بضعة اتراك من آلاف ردمتهم الانقاض, امر استثنائي هو الاخر يجب ان لا يمر بدون عناية خاصة. خمسون دولة شاركت الاتراك مأساتهم, بيد ان المشاركة الاسرائيلية ليست كغيرها. او هكذا يفترض او ببعض التزيد والغلو قد نذهب الى ان اهمية الابعاد الانسانية في المسارعة لنجدة مواطن الكوارث عموماً, لا تحجب الابعاد السياسية لهذه العملية في سياق العلاقات الدولية. فالدول تبعث باطقمها المتخصصة, تسبقها اعلامها ولهذا فانه اذا قيل بأن السياسة بمراميها واهدافها ـ وغلظتها ايضاً ـ تداعب حركة الدول على هذا الصعيد, علينا ان نأخذ هذا القول على محمل الجد... والسياسة في هذا الاطار تبدو كتاجر شره يستغل كل الفرص بلا استثناء, وينافسها في ذلك ايضا... الاقتصاد وتحسين الصورة القومية واشياء كثيرة اخرى في دنيا العلاقات الدولية شديدة التعقيد. فلنتأمل مثلاً ما الذي تتوقعه اسرائيل من مداخلتها القوية على خط المحنة التركية التي اثارتها غضبة الطبيعة مؤخراً... 1) عجلت اسرائيل بابداء مؤازرتها للشعب التركي... وليس ثمة توقيت افضل من زمن الكوارث الكبرى لاجتذاب مشاعر الناس بعد اظهار الاستعداد لان يكون الاخرون بجانبهم. المكسب المعنوي بين تضاعيف الرأي العام يكون مضاعفاً في مثل هذه المواقيت. وكلما كانت مظاهر المؤازرة اسرع واكثر انتشاراً وبروزاً ـ وهذه ميزة يتكفل الاعلام ايضا بها ـ كلما كانت ردود الفعل الايجابية اعمق. وبصفة عامة فان مشاعر الناس العاديين المأخوذين بهول الكارثة, تصبح اكثر حساسية ورهافة وقت الحدث, وتترك (فزعة) الاخرين اليهم انطباعات لا يمكن محوها بسهولة. والاسرائيليون يعون ذلك على الارجح. وهذا ما يفسر سرعة تحركهم وكثرة ضجيجهم تجاه الحدث التركي. وقد اشرنا الى انهم فعلوها ـ ومازلوا ـ مع الشعوب الافرواسيوية بالذات فور استقلالها, حين كانوا في طلائع الذين ارسلوا البعثات الفنية والعلمية على اعتبار ان اثار الاستعمار بدورها كوارث تتعين معالجتها. 2) تنطوي سرعة التحرك على عروض من نوع اخر. فثمة تحسين صورة الاسرائيلي المجرم, اذ كيف يصدق الاتراك وغيرهم بعد قوافل النجدة الانسانية كل ما يقال في حق اسرائيل... اليست هي على الجار الطيب اذا لزم الامر؟. وثمة ابراز القدرة والكفاءة التقنية العالية. فاسرائيل بسرعة در فعلها تعد شريكاً كفئاً ذي جهوزية عالية بامكاناتها في الانتقال بالفريق المناسب للمهمة المعنية في الوقت المناسب. لان تركيا اظهرت عجزاً بيناً في مواجهة مخرجات الزلزال, فانها تبدو بحاجة مستقبلية بينة ايضاً لخبرة الشريك الاسرائيلي المتطور بالجوار الاقليمي. تسويق وسط الفاجعة 3) قد نذهب تأسيساً على الملاحظة السابقة الى احتمال ان ترنى اسرائيل من عرضها التكنولوجي اثناء الكارثة لما هو أت من تدابير تركية مستقبلية فعلاوة على احتمال الاستعانة بالخبرة الاسرائيلية في مواجهة الكوارث, هناك فرصة لافساح المجال امام مشاركة اسرائيلية في عمليات اعادة اعمار المناطق المنكوبة, وهنا يطل البعد الاقتصادي بكل خبثه وتنفعيته, وتطل معه توقعات زيادة التعاون الاقتصادي والاعتمادية من الجانب التركي ازاء الجار الاسرائيلي الكريم, ولعل اللحظة التي تفجرت فيها المشاعر الانسانية من اسرائيل تخلى مكانها للحظة العواطف الاقتصادية والصفقات من جانب نخبة الحكم التركي. 4) على ذكر نخبة الحكم التركي, يلاحظ ان القوى الاسلامية شديدة التوجس من هذه النخبة, سلوكها ونواياها ونمط علاقاتها بالغرب وباسرائيل, لم تدع وقت الكارثة يمر سلام بالنسبة للمدافعات الداخلية حول الحكم والسياسة والايديولوجيا. فقد صبت هذه القوى جام غضبتها على العلمانيين الذين عاقبتهم السماء على معاداتهم للمسلمين وزلزلت الارض تحت اقدامهم... ومثل هذه الاقاويل تكتسب في توقيت كهذا صدقية عالمية, ومن المقرر انها تؤلم نخبة الحكم الموغلة في تعبيرات الابتعاد عن الاسلام ورموزه. وهو ملمح لا يسعد اسرائيل على الاطلاق, فكل ما يخصم من رصيد النخبة الحاكمة في انقرة السياسي والايديولوجي والعقيدى, يرتد سلباً على حساب اسرائيل وعلاقتها المميزة مع تركيا العلمانية. ولذا, فان تل ابيب يهمها تماماً ان يجري تعزيز مواقع هذه النخبة. المساهمة الاسرائيلية التي يستحسن ان تكون متفردة في هذا الشأن, تمثل بمعنى ما مصلحة اسرائيلية قريبة وبعيدة في الوقت نفسه. كانت مناسبة الكارثة التركية اختبارا للعلاقات التركية الاسرائيلية, ولا يمكن التيقن حتى الان من العوائد النهائية لهذه المناسبة على مسار هذه العلاقات ولكن المؤكد ان اسرائيل قد تعاملت مع المسألة بجدية بالغة وتدبرتها من خلال آليات تكنولوجية واقتصادية واعلامية, تفضي جميعها الى حقل السياسة وتصب في مجراه. وجماع هذه العملية هو ما ندعوه مجازاً بـ (دبلوماسية استغلال الكوارث) واذا كان التعامل الاسرائيلي مع المناسبة يستدعي بشكل ما المقارنة بالتعامل العربي معها, فعلنا نطمئن الى ان العرب بدورهم لم يقصروا في الامر. فقد كانوا هناك ايضاً. على ان التفكير المعمق في مجريات ردود الفعل الاسرائيلية والعربية قد يسوقنا الى تحليل اعمق. فالجمهورية الاسرائيلية الاجدى للتعامل مع الكوارث يمكن احالتها الى طبيعة الكيان الاسرائيلي ذاته. انه كيان يعيش حالة مستمرة من الاستنفار والتربص, بحكم جذره العدواني وخشيته من العقاب من اي مكان وفي كل وقت. وحالة كهذه من شأنها اثبات الجدارة في اوقات الطوارىء داخلياً, الامر الذي لا يستبعد جدارتها الخارجية في حالات معينة, كما حدث مع الحالة التركية. هذا مجرد تكهن وثمة تكهن آخر لعله يشارك في تفسير السلوك الاسرائيلي المميز تجاه كارثة تركيا العتيدة, مقارنة بكثير من الدول دون استثناء الدول العربية. وهو حاجة اسرائيل الملحة للوجود حيث يمكن اثبات الوجود, وشوقها الى شهادات حسن السير والسلوك حيث يمكن ان تصدر هذه الشهادات. * كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة