ما حدث في تركيا نتيجة الزلزال الذي ضرب سبع مدن تركية وراح ضحيته من البشر ما يزيد على100الف قتيل ومفقود وجريح واكثر من600 الف مشرد حسب اخر احصائية, يعتبر ولاشك وفي كل المقاييس كارثة انسانية.والمجتمع الدولي مطالب بالوقوف الى جانب الشعب التركي في محنته هذه , على الاقل للتخفيف من المعاناة التي سببها الزلزال والتي من المؤكد ان آثارها سوف تدوم لسنوات طويلة.. وقد رأينا كيف هبت الاسرة الدولية لتقديم العون, حتى أعداء الأمس لم يتأخروا بل كانوا في المقدمة حيث قاموا بما هو مفترض متجاوزين كل حساسيات الماضي, لان الذي تعرض له الشعب التركي لا علاقة له اصلا بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد.. بل ان هذا الذي حدث انما هو قضاء وقدر وعلى الجميع تقبله كما هو والتعامل معه من هذا المنطلق بعيدا عن السياسة وغير ذلك, وهذا ما حصل بالفعل.. اذ كان التعاطف مع الشعب التركي شاملاً.. واذا ما حاولنا الخوض اكثر في الموضوع فإننا نعتقد ان هناك فرصة لدى النظام التركي كي يعيد حساباته من خلال تقييم سياساته تجاه الاخرين لاسيما بعض الدول العربية ودول الجوار, على قاعدة المصالح المشتركة التي تجمع بين الجانبين, ونعني هنا: سوريا, العراق, اليونان, قبرص, ايران, وارمينيا الخ.. اذ وكما هو معروف لهذه الدول علاقات ليست بالحسنة مع تركيا, والسبب في ذلك يعود بنسبة كبيرة الى الجانب التركي.. فالدولة التركية التي تعاني من مشكلات كبيرة وخطيرة ان كان مع الاكراد الاتراك او مع الاتراك انفسهم ونعني هنا القوى الاسلامية, تريد حل مشكلاتها هذه من خلال دول الجوار.. وهذا الامر ليس سرا بل انه حقيقة.. وقد شاهدنا كيف افتعلت تركيا ازمة مع سوريا في العام 1998 في محاولة للهروب من أزمة مازالت تعاني منها الى الان رغم اعتقال زعيم الاكراد الاتراك عبدالله اوجلان, وعلى الاغلب سوف تعاني من هذا الوضع الى ان تعمل على حله بشكل ديمقراطي جريء. تداعيات الكارثة وعودة الى الزلزال الكارثة وتداعياته, نرى انه قد تسبب في عدة ازمات داخلية.. فهو عدا عن الخسائر البشرية الكبيرة, سوف يبتلع الميزانية التركية حيث تحتاج عملية اعادة اعمار ما دمر الى عشرات المليارات من الدولارات, وهذا ليس بالامر الهين بالنسبة لبلد مثل تركيا اقتصاده يعاني بالاساس من ازمات خانقة, هذا بطبيعة الحال عدا عن الازمات السياسية الداخلية التي ستفرزها معالجة الزلزال ونتائجه وآثاره المستقبلية. وقد لمسنا بوادر ازمة ثقة تظهر وهي كما هو ملاحظ اكثر حدية بين الشارع التركي بشكل عام من جهة والنظام والجيش من جهة ثانية.. والواقع ان الزلزال الكارثة ادى الى كشف العديد من الامور التي كانت كما بدا غائبة عن معظم المواطنين الاتراك.. فقد كشف الى اي مدى وصل الفساد في البلاد وكشف علاقة الجيش بذلك, وكذلك النظام ككل. وفي هذا الصدد قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية في عددها ليوم 1999/8/26 ان الزلزال العنيف الذي اصاب تركيا اظهر الفجوة الواضحة بين الشعب والدولة التركية, وان الزلزال هز النظام السياسي الذي كان يعتقد بأنه مقاوم لاي زلزال.. اضافت الصحيفة: ان تركيا عرفت الزلازل منذ مئات السنين حيث حدث 108 زلازل كبيرة في تركيا خلال القرن الحالي تاركة دمارا كبيرا, لكنها جميعا لم تؤثر على الأنظمة السياسية التي كانت سائدة ابان هذه الزلازل. لكن يبدو الامر هذه المرة مختلفا, فهناك موجة لم يسبق لها مثيل من الانتقادات والانقسام العميق بين الشعب والدولة. وتابعت الصحيفة تقول: ان الجيش الذي يعتبر مؤسسة موثوقة ومحترمة في تركيا تعرض هو الاخر لهجوم عنيف من قبل الصحافة التركية, حيث اتهمته بعدم القيام بدوره المفترض وبالتالي اعطاء اهتمام كبير بالجنود الذين دفنوا تحت الانقاض واهمال المدنيين. وذكرت الصحيفة البريطانية بان الجيش التركي خلال جميع الانقلابات العسكرية التي قام بها لم يواجه الجنود اي مقاومة من المدنيين, لكن الزلزال الاخير غير صورة الجيش في اذهان عدد كبير من المدنيين. بل ان وسائل الاعلام التركية ركزت على جهود فرق الانقاذ الاجنبية اكثر من تركيزها على جهود الجيش التركي. رؤية سياسية وعلى الرغم من ان الكارثة كانت مفجعة وكبيرة بحيث قد يكون من الصعب وصفها الا ان المسؤولين الاتراك تعاملوا مع الحدث وفق رؤيتهم السياسية وليس وفق الرؤية الانسانية المفترضة.. وقد انصبت انتقادات الصحافة التركية على مواقف حكومتهم هذه, فقد رفضت الحكومة التركية وعلى لسان وزير الصحة عثمان درموس بعض المساعدات الدولية كأرمينيا مثلا.. وفيما قاله (درموس) الذي ينتمي الى حزب العمل القومي المتعصب ان لا حاجة للأطباء والمستشفيات الميدانية, معتبرا ان الاتراك سيشعرون بالأمن اكثر من اناس يشاطرونهم الثقافة نفسها. كذلك رفضت تركيا (الدم) الوارد من اليونان, وقد جاء هذا الموقف الرسمي التركي في الوقت الذي اكدت فيه مجريات الاحداث ان تركيا بحاجة ماسة الى أية مساعدة ومن أي نوع كان.. وهكذا فقد كشف الزلزال كما يقال (عورة) النظام التركي. وحول ذلك كتبت صحيفة (صباح) التركية تقول: ان المشهد يبدو وكأن قنبلة ذرية القيت, فانهارت ابنية من سبعة او ثمانية طوابق مثل قصور من ورق.. فيما ذكرت صحيفة (ميلييت) التركية ايضا ان الجهات الرسمية وقفت عاجزة امام الزلزال الذي ادى الى انهيار مبان دفن تحت انقاضها الالاف من الاشخاص ولم تستطع الدولة فعل اي شيء. وقد رأينا كيف تجاهلت الاوساط الرسمية التركية وبشكل شبه متعمد المساعدات العربية التي كانت سخية بالفعل في حين لاحظنا كيف تم التركيز على المساعدات الاسرائيلية, مع ان وكالات الانباء ومعظم وسائل الاعلام التركية وجهات تركية عديدة اشارت الى ان هدف الاسرائيليين كان بالدرجة الاولى تدعيم النظام التركي وليس مساعدة الشعب التركي المسلم.. وقد توضح انه كان لاسرائيل هدفا اخر قد يكون هو الأهم بالنسبة لها, الا وهو البحث عن جثث الاسرائيليين لاسيما العسكريين وقد كشف الزلزال الى أي مدى وصلت العلاقات الرسمية التركية الاسرائيلية لاسيما في الجوانب العسكرية والأمنية, اذ تبين ان عشرات الضباط والجنود قتلوا وفقدوا في الزلزال وهم في الثكنات العسكرية التركية جنبا الى جنب مع العساكر الاتراك, وتحولت الكارثة التي قتل وشرد وفقد فيها عشرات الاف الاتراك الى فرصة لإسرائيل لتعزيز تحالفها مع أنقرة هذا الى جانب السعي للاستفادة من فرص عمليات اعادة الاعمار في المناطق المنكوبة. انعكاسات سلبية والان يجمع المحللون على ان الوضع في تركيا سوف يتجه الى الاسوأ, لاسيما وان الزلزال الكارثة كشف اشياء كثيرة لم يعد بالإمكان التستر عليها او القفز من فوقها.. فقد كشف ضعف الدولة واجهزتها في مواجهة المخاطر. ويؤكد المحللون ان انعكاسات الزلزال التي هزت الحكومة التركية حيث وضعتها في موقع الدفاع, سوف لن تقف عند هذا الحد بل ان الامور مرشحة للتفاعل لتصبح مشكلة قائمة بحد ذاتها.. والازمة مقبلة على التفاقم اكثر واكثر, لاسيما وان فصل الشتاء على الابواب ومئات الالوف من أبناء الشعب التركي مازالوا في العراء او الخيم. هذا الى جانب ان هناك شبه اجماع على التقصير الواضح في معالجة نتائج الزلزال من قبل الحكومة والجيش معاً.. ومن هنا فمن غير المستبعد ان تكون هناك افرازات معينة غير محسوبة لدى النظام.. وهناك من بدأ يتحدث عن دور مستقبلي للمعارضة التي في معظمها اسلامية والتي كانت قد ذاقت الامرين من النظام القائم, بحيث تستثمر الاخطاء التي ارتكبت بحق الشعب اثناء وبعد الزلزال وتعمل مع آخرين في الساحة التركية للتغيير.. في مطلق الاحوال.. كثيرون من المحللين يتوقعون مستقبلا حصول ازمة كبيرة داخل المجتمع التركي, وان ذلك سيطال الاحزاب التقليدية التي يعتبرها المواطن التركي احد اسباب الازمة. اذ تبين ان هذه الاحزاب لا تعمل وفق مصالح الشعب وانما وفق ما تريده مجموعة محددة لا تمثل الشعب التركي. وهكذا.. فالأزمة الداخلية في تركيا كل المؤشرات تقول بانها تتجه الى التصعيد والتعقيد وليس الى الانحسار.. ثم ان اصرار الشعب التركي على محاسبة المقصرين والمفسدين يستحيل ان يهدأ الى أن يحدث ما هو مفترض. يبقى من المهم طرح التساؤل التالي: ترى هل سيعاد النظر ولو على المدى البعيد في هيكلية الدولة والأسس القائمة عليها؟ اي هل سيكون للقوى الاسلامية المغيبة عودة الى الساحة بشكل مؤثر يجري من خلاله تصحيح الاوضاع لما هو في مصلحة الشعب التركي اولا؟ ثم هل من الممكن تقليص دور المؤسسة العسكرية التي تعتبر الحاكم الفعلي والموجه الأساسي؟ خلاصة القول.. زلزال تركيا الكارثة.. هل يؤدي الى زلزال من نوع آخر في الحياة العامة التركية؟ * مدير تحرير جريدة (البعث) السورية