من الملف السياسي: الداخل السياسي والاجتماعي يختمر في انتظار التغيير، بقلم ـ رضي الموسوي

ترك الزلزال الذي ضرب سبع مقاطعات في تركيا تبعات سياسية واقتصادية علاوة على التبعات الاجتماعية الناجمة عن مقتل اكثر من14الف شخص حسب الاحصائيات الرسمية التركية, ونحو50الفاً حسب التقديرات الصحفية هناك, بينما بلغت الخسائر المادية ما بين سبعة مليارات دولار حسب التصريحات الرسمية و25مليار دولار وفق المصادر الصحفية التركية . لقد هب العالم كله لنجدة تركيا حين وقعت الكارثة في منتصف شهر اغسطس الماضي. ولم تتردد دول محسوبة في خانة خصوم واعداء انقرة في تقديم المساعدة, ابتداء من العراق الذي لم يتوقف الجيش التركي من اجتياح حدوده الشمالية طوال السنوات الماضية بحجة ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني, وانطلاق الطائرات الامريكية التي تغير على مناطق في العراق من قواعد عسكرية تركية... وانتهاء باليونان التي لاتزال تعيش في حالة لا حرب ولا سلم مع جارتها بسبب مشكلة جزيرة قبرص التي اجتاح الجيش التركي جزئها الشمالي منتصف السبعينات. وبين بغداد واثينا هناك طهران ودمشق التي لاتزال تواجه الاصرار التركي على حجب مياه نهر الفرات عن سوريا عبر بناء سدود كثيرة واهمها سد اتاتورك مما يؤدي في نهاية المطاف الى عطش في كل من العراق وسوريا. هبة انسانية هذه الهبة الانسانية في مساعدة تركيا جاءت في وقت كانت انقرة تسعى فيه لإعادة امجاد الدولة العثمانية وبطشها, حين كانت تسيطر على المشرق العربي واجزاء لا بأس بها من اوروبا (البلقان). بيد ان المحاولات الجارية لفرض الصوت واعادة مجد (الباب العالي) لم تكن في سياقها العام صالحة لهذا العصر بالرغم من بعض المعطيات التي كانت تشير الى تعاظم دور انقرة الاقليمي والدولي وخاصة ابان ملاحقة زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان في العواصم العربية والاوروبية والافريقية. اذ بدا وقتها, ان تركيا تضرب بالسيف الاقوى في العالم, ولم تستطع اي عاصمة اوروبية من ايقاف زحفها للوصول الى رأس الزعيم الكردي الذي وقع اخيرا في قبضة الامن التركي بدعم ومساندة كبيرة من واشنطن وتل ابيب والعواصم الاوروبية الاخرى التي كانت تخاف على مصالحها فوأدت مبادئ حقوق الانسان في قضية عبدالله اوجلان على الاقل. فلم تتردد روسيا وايطاليا واليونان ايضا في تنفيذ اوامر انقرة, ليطرد (آبو) الى افريقيا حيث كان مصيره المحتوم ينتظره على ايدي رجال ملثمين لم تعرف هويتهم. لكن انقرة التي احتفلت مزهوة بالنصر المبين, لم تستطع رد تبعات الزلزال المدمر, وليس الزلزال بعينه, اذ كشفت الكارثة عن حجم هائل من الفساد الاداري والمالي, ناهيك عن غياب التنظيم حيث شاهد العالم كيف ان الدولة التركية كانت شبه غائبة ووقفت مكتوفة الايدي غير قادرة على الحراك لانقاذ المنكوبين او تنظيم فرق الانقاذ التي جاءت من مختلف دول العالم بكامل عتادها واجهزتها المتطورة, اضافة للمواد الغذائية والخيام المقدمة لمنكوبي الزلزال الناجين. وجل ما فعلته الحكومة التركية في قمة المأساة انها راحت تبرر مواقفها وتخفي الاحصائيات الحقيقية في محاولة لتحجيم رد فعل الناس هناك, فراحت تعلن عن احصائيات متناقضة عن القتلى والجرحى والمفقودين, ما يدل على حالة الفوضى الادارية المنتشرة هناك. موقف الجيش لكن ذلك لم يحصل مع الجيش الذي لم يتحرك هو الآخر ووقف متفرجا في الكارثة, بينما ايادي جنرالاته قادرة على الوصول الى ابعد نقطة في الدولة التركية, وسلطاته فوق صلاحيات الرئيس والحكومة, بل هو من يصنع هؤلاء ويأتي بهم الى سدة الحكم, ومن لا يجيء به لن يكون مصيره سوى الاقصاء والسجن مثلما حصل مع رئيس الوزراء الاسبق نجم الدين اربكان. هذا الجيش الذي لم يتردد في اعلان نيته اجتياح الاراضي السورية, ويمارس هذه الهواية مع العراق واخيراً مع ايران.. اثار موقفه من الزلزال تساؤلات عن امكانياته الحقيقية في مواجهة الكوارث. وتساءلت الصحافة التركية عن السبب الذي جعله يقف متفرجاً على الاحداث, اللهم الا التجييش الذي حصل لقاعدة (جولكوك) البحرية, حيث ارسلت الحكومة مساهماتها برفقة فريق انقاذ صهيوني قوامه مائة عنصر, لانقاذ ما يمكن انقاذه هناك, في الوقت الذي لم ينظر لا الجيش ولا الحكومة لبقية المناطق القريبة. لماذا احجم الجيش التركي عن المساهمة في عمليات الانقاذ؟ تشير التحليلات التركية والاوروبية الى ان هذا الموقف اصبح لغزاً لم تفك طلاسمه بعد. في حين ترى مصادر اخرى ان للجيش دورا في عملية الفساد المالي والاداري التي خلصت الى هذا الدمار الرهيب, وان لقادته ايد ممدودة للمقاولين الذين مارسوا الغش في البناء المحطم, وذاك الذي لايزال قائماً, اذ تؤكد الاحصائيات الى ان ثلاثة ارباع مباني مدينة اسطنبول قد مورست فيها عمليات غش ولا يمكن لها الصمود امام زلازل او هزات, وهي لم تبن على اسس وقواعد هندسية صحيحة (!). وحيث ان الفساد منتشر في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية, فلم يكن امام احد اكبر المقاولين في تركيا الا الاعتراف بان الاسمنت كان مخلوطا برمال البحر. ويذهب هذا المقاول بعيداً ويحمّل الحكومة مسؤولية هذا الغش باعتبارها لم تمارس عليه اي عملية ردع! استحقاقات صعبة ولان الجيش لم ينغمس في عمليات الانقاذ التي مارستها الفرق الاجنبية, فقد تفرغ للمؤسسات الاسلامية الخيرية التي تقدم المساعدات للناجين المشردين من الزلزال فاجبر الحكومة على تجميد ارصدة هذه المؤسسات خوفا من تعاطف الناس معها في ظل غياب الدولة. وهذا التوجه يتوافق تماماً مع الاهداف الاسرائيلية من وراء ارسال فرق الانقاذ والمساعدة, وابداء استعدادها لبناء احدى المدن المهدمة. فالجدل الذي يثار في الصحافة الصهيونية كان واضحا لناحية ابراز المعونات الاسرائيلية وتضخيمها, بخلاف بقية الدول التي اعتبرت ما قدمته يندرج تحت يافطة العمل الانساني البحت. لقد كانت تل ابيب تخشى من موقف شعبي عام ضدها اذا ما واصلت مؤسسات العمل الخيري الاسلامية التركية والاجنبية دعمها. فبادرت لاعلان حجم مساعداتها مضخما وابدت عزمها لاعادة بناء ما دمره الزلزال في بعض المواقع, وضغطت على الجانب التركي لحجب المساعدات المقدمة من قبل الاسلاميين الذين يعتبرهم الجيش مارقين على النظام العلماني, فما كان من الحكومة التركية الا ان تستجيب!! الان وبعد اسبوعين من الزلزال, تسعى انقرة لمواجهة استحقاقاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وقد هيأ رئيس الوزراء بولنت اجاويد لاستثمار الكارثة بالقول (كان الاقتصاد في وضع صعب والان اصبح في وضع اكثر صعوبة) . هذا القول لم يجانب الصواب, فالاقاليم السبعة التي اصيبت بالاضرار الكبيرة يشكل انتاجها الاقتصادي اكثر من 35 بالمائة من الانتاج الاقتصادي التركي, في حين كان العجز العام يتجاوز العشرة بالمائة من اجمالي الناتج القومي. والتضخم مرض مزمن وهو يفوق نسبة الـ 55 بالمائة, ناهيك عن الدين الخارجي وسعي انقرة للحصول على المزيد من القروض من صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية الدائنة التي لا تقدم شيئاً الا وفق شروط الاصلاح الاقتصادي الذي تراه والذي في اغلبه يعض المواطن في لقمة عيشه. واذا تمكنت تركيا من الحصول على القروض التي تريدها من الخارج, فان الداخل الاجتماعي الذي اكتشف عمق الفوضى والفساد لن يقف مكتوف الايدي ايضا, انما حالة اختمار تنتظر احزاب السلطة المتحالفة مع العسكر قد تؤدي في النهاية الى بروز قوى فاعلة اخرى تعمل على وقف نزيف الفساد الاداري والمالي ولجم سيطرة الجيش على مفاصل الحياة العامة في تركيا. * كاتب بحريني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات