من الملف السياسي:أهمية الادراك العربي لكيفية احتواء(التوابع)الزلزال والدور التركي القادم في المنطقة العربية،بقلم: ناصرة الشربتلي

لعل المتابع لتفاصيل المأساة الانسانية الناجمة عن الزلزال الذي ضرب شمال غرب تركيا خلال الايام القليلة الماضية, لابد وان يلاحظ ان ثمة ملامح لازمة سياسية ومجتمعية قادمة, لن تكون توابعها اقل حدة من ملامح الزلزال إياه, حتى ليمكننا ان نطلق على الازمة , تعبير (الزلزال السياسة التركي) . ضمن اهم ملامح هذا الزلزال الاخير, التجاهل الذي تم من جانب اطراف سياسية وشعبية عديدة داخل تركيا, للدعوة التي اطلقها رئيس الوزراء التركي بولنت اجاويد: (للاستمساك بالوحدة الوطنية في هذه المرحلة العصيبة الناجمة عن كارثة الزلزال) ... بل ان الامر لم يقف عند هذا الحد, اذ وجهت احزاب وصحف المعارضة انتقادات صريحة لفشل الحكومة ـ على حد تعبيرهاـ من ادارة الكارثة, وفشلها ايضاً في احصاء اعداد الضحايا بشكل دقيق, واعلانها بيانات متضاربة خلال ايام قليلة. وفي الوقت ذاته, تصاعدت الانتقادات لاسلوب الحكومة واتجهاهها نحو فرض ضريبة طوارىء على المواطنين (تشكل ما نسبته 5% زيادة في الضرائب المفروضة) ... بل ان صحيفة (راديكال) المعارضة كانت قد شككت في ان هذه الاموال سوف تستغل في اغراضها الحقيقية, وتساءلت عما اذا كانت سوف: (توجه مجدداً الى المقاولين المرتبطين بأحزاب سياسية معينة) . عاملان مؤثران لا نجاوز الحقيقة, اذن, اذا قلنا ان (الزلزال السياسي التركي) وتوابعه المنتظرة, خلال المرحلة المقبلة, لابد وان تطرح سؤالاً حول حدود الدور التركي القادم في المنطقة العربية, والامكانات العربية في احتواء هذا الدور (؟!) ... بداية, يمكن الانطلاق في مقاربة هذا التساؤل عبر ملاحظة اثنين من العوامل الداخلية التي كانت قد اتسمت بهما الساحة التركية مؤخرا, وسوف تساهم ـ في اعتقادنا ـ كارثة الزلزال, وتوابع السياسي الذي سيليه, في تجذرهما في هذه الساحة, وهما: اولاً, استمرار التيار الاسلامي في الانتشار تحت عباءة (الفضيلة) , بعد (الرفاة) , في كل مكان وتحديداً في الجامعات, وذلك بالرغم من حملات الضغط العسكري على الاسلاميين السياسيين... ثانياً, فضائح الفساد التي كانت قد انطلقت من تركيا, منذ بضعة اشهر, خاصة مع تورط كبار المسؤولين فيها. فاذا ما اضفنا الى هذين العاملين, (الصراع المتأصل) في تركيا بين العسكريين والسياسيين... يمكننا القول بان هذه العوامل مجتمعة, سوف يكون لها دور ومغزى في مستقبل الوضعية السياسية التركية, سواء ما تعلق منها بالحالة الداخلية, او ما تعلق بالدور الخارجي, وخاصة تجاه المنطقة العربية. ولعل قولنا الاخير, هذا, يتأكد اذا مالاحظنا ان تركيا تعيش في ما قبل كارثة الزلزال, مرحلة التداعيات الناشئة عن جوانب ثلاثة تعرضت لها تركيا خلال العامين الماضيين: فمن جانب, هناك التداعيات الناشئة عن العزلتين اللتين واجهتهما تركيا خلال ايام قلائل (ديسمبر 1997) ... فبعد العزلة التركية في قمة طهران, بأيام, كانت هناك العزلة التركية عن اوروبا. اذ تم, من خلال قمة لوكسمبرج, استبعاد الاتحاد الاوروبي لتركيا, من الانضمام الى صفوفه في السنوات العشر المقبلة... آنذاك, كانت كافة التوقعات تشير الى ان مثل هذه التطورات, سوف تدفع نحو مزيد من توثيق العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة الامريكية, وهي التوقعات التي تحقق جزء كبير منها, عندما قام رئيس الحكومة التركي مسعود يلماظ بزيارة الى واشنطن بعد قمتي طهران ولوكسمبرج بأيام (في هذه الزيارة تم منح مسعود يلماظ جائزة (رجل الدولة المميز) . ولعل هذه الاحداث, وان كانت ضمن العوامل المساعدة على تعزيز التقارب (التركي ـ الامريكي) , الا انها لم تستطع ـ واقعياً ـ ان تكون من العوامل الحاسمة لوضع قطار التقارب هذا على طريق التحالف الاستراتيجي... هذا رغم ان تركيا عضو اصيل في حلف الاطلسي (الناتو) , ولها دورها المحوري على خارطة توسيع هذا الحلف. أزمة الانتماء من جانب ثان, هناك التداعيات الناشئة عن ازمة الانتماء الاقليمي المتولدة لدى تركيا, بل والمتعمقة بفعل الـ (تاريخ) المشحون بالاسى من الصد والرفض تجاه رغبة تركيا (العلمانية) في الانضمام الى النادي الاوروبي, رغم تقديمها كل فروض (الولاء) الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي, بل و(الثقافي) ايضاً... ومن الواضح ان ازمة الانتماء الاقليمي المتولدة, والمتعمقة, لدى تركيا قد ادت الى تجذير الازمة الام على الساحة الداخلية التركية. بعبارة اخرى, لقد ادى فقدان القدرة على (تعريف الذات) من جانب النخبة التركية, الى فقدان المقدرة, في نهاية المطاف, على كيفية التعامل مع الآخرين... وهو ما يعني تنامي اشكالية ـ يمكن ان تتحول الى ما تشبه الازمة ـ في ادارة العلاقات الاقليمية من الجانب التركي, وبالتحديد تلك العلاقات المتعلقة بمنطقة الجوار العربي (... وهنا تأتي الازمة (السورية ـ التركية) الاخيرة, كمثال دال في هذا الاطار) ... خاصة وان هناك اعتقاد تركي متنام, حول ان حائط الصد العربي لاتجاه (الشرق اوسطية) , إنما افضى الى مزيد من التعقيدات في وضعية المرونة اللازمة لممارسة تركيا دور اقليمي على نطاق واسع. من جانب ثالث, هناك التداعيات الناشئة عن المفارقة التي عبرت عن نفسها مؤخراً في السياسات التركية... فبدلاً من تدبر الابعاد والمحددات الموضوعية لذلك الفشل التركي المتوالي, راحت انقرة تبحث عن شريك قوي يقاسمها الازمة نفسها, وفي سعيها هذا لم تجد انسب من اسرائيل. وفي ما يبدو, تتصور النخبة الحاكمة في تركيا انه يجمعها واسرائيل قضايا كثيرة, كالاغتراب الاقليمي, وضرورة اشغال العرب عن الجامع القومي لهم بالجوار, وهذا فضلاً عن الشعور بالانحياز الى الثقافة الغربية. ناهيك عما لدى النخبة التركية من ميل الى تصديق المقولة الشائعة, حول ان الطريق الى اوروبا والولايات المتحدة, والغرب عموماً, يمر باسرائيل... وهو تحليل سطحي لا يأخذ بعين الاعتبار وجود تعريف متفق عليه في اطار الاتحاد الاوروبي خاصة, لا ينطبق على تركيا. الدور الاقليمي هذه الجوانب الثلاثة تلتقي, ولاشك, عند نقطة اساسية مفادها: ان تركيا وان كانت قد بنت سياساتها الخارجية خلال العقود الماضية, وعين لها على اوروبا وعينها الاخرى على الشرق الاوسط عموماً, ومنطقة الجوار الجغرافي لها, منطقة (الهلال الخصيب) , بوجه خاص... فانها, اليوم, وبعد استبعاد الاتحاد الاوروبي لها, من الانضمام الى صفوفه خلال العشر سنوات المقبلة, وبعد كارثة الزلزال وتوابعه السياسية والمجتمعية التي سوف تمد هذه السنوات الى اكثر من ذلك... لابد لها من ان (تركز) على منطقة جوارها الجغرافي اكثر من ذي قبل. ولعل هذا (التركيز) التركي على المنطقة العربية, وان كان قد تم في المرحلة السابقة عبر اسلوب الاستفزاز او سياسة حافة الهاوية (التهديد بالحرب) عن طريق التصعيد مع سوريا... فهو, بعد الكارثة الاخيرة, سوف يتنامى خاصة في ظل الادراك التركي لما تؤهل له المنطقة العربية في المستقبل القريب, وحرص انقرة على تنمية دورها الاقليمي خلال المرحلة المقبلة. ولعل هذا ايضاً ما يشير الى اهمية الادراك العربي لملامح (الزلزال السياسي التركي) القادم, التي بدأت تظهر الى ملامحة العلن في الوقت الراهن... بل, واهمية الادراك العربي لكيفية احتواء (توابع) هذا الزلزال في المنطقة خلال المرحلة المقبلة, خاصة وان اسرائيل قد بدأت مبكراً في تنغيم حركتها للتوافق مع (التوابع) المنتظرة, وذلك من خلال الاعلان, بشكل واضح, عن (وجودها) في مساعدات العالم لتركيا على تجاوز (الكارثة الانسانية) التي تتعرض لها... راهناً. * باحثة في معهد البحوث والدراسات العربية ـ القاهرة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات