اودى الزلزال الذي ضرب تركيا بحياة الآلاف من الناس وتسبب بهدم عشرات الاف الابنية في سبع ولايات معظمها تقع في الجزء الاوروبي من البلاد, كما شرد نحو مئتي الف اضافة الى احتمالات انتشار الاوبئة وتعرض الاقتصاد التركي لخسائر كبيرة في مجالات الصناعة والتجارة ومؤسسات البنية التحتية , واذا كان من الصعب حالياً تحديد حجم الخسائر بالارقام الا انها من المؤكد ستضع حداً لسنوات من النمو الاقتصادي فضلاً عن ضرب برنامج الاصلاح والتحديث الاقتصاديين. ولعل مرحلة مواجهة الاثار الناجمة عن الزلزال اصعب بكثير من مرحلة احصاء الضحايا والخسائر المادية, فلسان حال الصحافة التركية يقول: (الزلزال لم يهز بنية تركيا فحسب بل هز الدولة ايضاً) . ومرد هذا ان الاتراك اكتشفوا مذهولين ان حجم الخسائر الكبيرة كان احد اسبابه البناء الرديء الذي ينبغي ان يحترم القواعد الصارمة له في مناطق النشاط الزلزالي, كما اكتشف الاتراك ان دولتهم القوية عسكرياً تفتقر الى فرق الانقاذ من اطفاء واسعاف ورعاية, علاوة على ضعف التنسيق وبطء الجهود. اهتزاز الثقة يرى المراقبون ان اخطر ما في الامر مستقبلا هو انكشاف الاجهزة والبنى لتقصيرها وعجزها عن انقاذ آلاف الموجودين تحت الانقاض, ولعل هذا ما دفع بالصحافة التركية وللمرة الاولى الى توجيه الانتقادات الى الجيش (الهيئة الاكثر نفوذاً واحتراماً في تركيا) , الامر الذي دفع رئيس اركان الجيوش التركية سليمان كيفريك اوغلو الى التحذير من (اضعاف عزيمة الجيش) . ورغم محاولات الرئيس التركي سليمان ديميريل ورئيس حكومته بولند اجاويد للتخفيف من حدة الانتقادات هذه والتأكيد على ان (الدولة غير قادرة على صنع المعجزات والمسألة تفوق جهود دولة بمفردها) , الا ان بعض الاوساط التركية تعتقد ان الزلزال المدمر هذا قد يكون فاتحة للتغيير السياسي في تركيا, والى حد كبير ستتوقف هذه المسألة على الاسلوب الذي ستتبعه الحكومة التركية في مواجهة الاثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي خلفها الزلزال, ولعل من اهم الصور التي تعبر عن هذه المسألة كاريكاتور نشرته صحيفة (الجمهورية) التركية يقول فيه الرئيس التركي ديميريل وهو محرج لرجل ينتشل زوجته من تحت الانقاض: (لا تقاضي الدولة بل الزلزال) , في حين يرد الرجل عليه بالقول: (هل تشييد الابنية على خط الزلزال والمباني غير الشرعية من صنع الزلزال؟) اقتصاديا, بالرغم من انه من المبكر تحديد الارقام النهائية للخسائر المالية التي سببها الزلزال, فان الخبراء الاتراك يقدرونها بنحو عشرين مليار دولار (5 مليارات دولار امريكي جراء اشتعال الحرائق في مصفاة ازمين و15 ملياراً ناجمة عن الخراب في الاقتصاد الصناعي والتجارة والعمران) . ورغم ان المراقبين يعتقدون ان الرقم السابق لا يعبر عن الخسائر الحقيقية التي تفوق ذلك بكثير. فان الرقم المذكور يشكل نصف ميزانية تركيا البالغة اربعين مليار دولار, ويمثل ايضاً نصف ديون تركيا الخارجية. وحتى تتمكن تركيا من الاستمرار في برنامجها الاقتصادي وتخفيف العجز في الميزانية يقدر الخبراء حاجتها المباشرة من الاموال بعشرين مليار دولار, في حين ان مجموع المساعدات والقروض التي تلقتها عقب الزلزال لم تبلغ مليار دولار, واية مقارنة بين حجم الخسائر والمساعدات والقروض التي تلقتها تركيا, تظهر صورة قاتمة تبدو في الافق حيال الامكانات والاسلوب الذي ستتبعه تركيا لمعالجة الآثار الناجمة عن الزلزال, خاصة اذا ادركنا ان هناك خسارة يومية تقدر بنحو مئتي مليون دولار بسبب توقف الانتاج الصناعي والتجاري في المناطق التي ضربها الزلزال. انكشاف الثغرات واذا كان من شأن هذه الخسائر ضرب برنامج التحديث التركي وتعطيل الاصلاحات الاقتصادية, فان المخلفات الناتجة عن الزلزال تنبىء بحدوث مشكلات صحية وبيئية بسبب امتلاء الجو بالجزئيات السامة المتنوعة في المناطق المنكوبة كون هذه المناطق صناعية فضلاً عن تفسخ الجثث واختلاط مخلفات الصرف الصحي بمياه البحر, فان كل ذلك يشير الى احتمال حدوث امراض وبائية تضاف الى قائمة الصعوبات والتحديات التي تواجهها الحكومة التركية. الملفت في الزلزال انه بالرغم من حالة (العداء) مع دول الجوار ابتداء من اليونان ومروراً بسورية والعراق وانتهاءٍ بايران وارمنيا, فان هذه الدول وغيرها تناست امام هول الزلزال خلافاتها ومشكلاتها مع تركيا وبادرت الى تقديم المساعدات الانسانية لمنكوبي الزلزال والمشاركة في جهود الانقاذ والاغاثة, والتعبير عن الحزن الشديد حيال مأساة الشعب التركي الذي يجمعه بشعوب المنطقة التاريخ والجغرافية, والمفارقة ان الاتراك اكتشفوا بفضل كارثة الزلزال ان حالة العداء والكره من نخبتهم للجيران وخاصة العرب منهم لا اساس لها وانما هي ناتجة عن الخيار الامني والسياسي الذي ارادته هذه النخبة في الارتباط باوروبا وامريكا واسرائيل على حساب العلاقات التاريخية لبلادهم مع العرب. في الداخل, كشف الزلزال ايضاً تفاوت عناصر القوة بين الجيش والمجتمع, الجيش الذي يفرض مقاييسه السياسية على الحكم والاحزاب في الداخل, ويهدد الجيران في الخارج. هذا الجيش القوي يفترض فيه الانتماء الى مجتمع قوي في دولة تملك فرق انقاذٍ وتستطيع نجدة مواطنيها, لا ان تظهر كدولة مفككة مقصرة مرتبكة. وربما تبدو تركيا معذورة في هذا الشأن اذا عدّت نفسها دوله تنتمي الى العالم الثالث الذي تملك دولة جيوشا قوية فيما مجتمعاتها هلامية, رخوة, وضعيفة. * كاتب سوري