نجحت ليبيا التي تحتفل غدا الاربعاء بمرور ثلاثين عاما على (ثورة) العقيد معمر القذافي, في الحفاظ على مكانتها العربية والافريقية بعد ان فشلت سبع سنوات من العقوبات الدولية في عزلها, ولكنها لم تعد تشكل اليوم مصدر قلق ومخاوف للغرب . فقد بدأ القذافي حكمه مؤيدا لخط جمال عبد الناصر الوحدوي وبعد وفاة هذا الاخير كخليفة له بصفة (امين القومية العربية) . واليوم اصبح القذافي يدير وجهه للقارة الافريقية ويسعى الى توحيدها مؤكدا ان ليبيا ترتبط بها (بعلاقات طبيعية واستراتيجية اكثر متانة من تلك التي تجمعها بالعالم العربي) . فبعد ان فرضت الولايات المتحدة حظرا من جانب واحد على ليبيا وقصفت مدنها في العام ,1986 سعت واشنطن دون هوادة الى عزل طرابلس التي تملك موارد نفطية وفيرة, وصنفتها بين الدول (الراعية للارهاب) . وفي العام ,1992 نجحت واشنطن في حمل الامم المتحدة على فرض حظر جوي وعسكري على طرابلس تبعته في العام 1993 عقوبات اقتصادية ودبلوماسية. واستندت الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وفرنسا على التورط المفترض لليبيين في انفجار طائرة أمريكية في العام 1988 فوق لوكربي باسكتلندا وانفجار طائرة فرنسية في العام 1989 فوق النيجر. ويقول دبلوماسي اوروبي ان واشنطن ولندن وباريس ارادت في الواقع (وضع ليبيا في قفص للحد من قدراتها, بعد اتهامها من قبل الامم المتحدة بمساندة الارهاب) . ويرى دبلوماسي آخر ان (الهدف الحقيقي كان تكبيل ايدي ليبيا, بعد ان تمت شل قدرات العراق, للسماح بتقدم عملية السلام العربية الاسرائيلية) لا سيما وان بغداد وطرابلس وفرتا لفترة طويلة تمويل (جبهة الرفض) للحلول السلمية مع اسرائيل. ولم ترضخ ليبيا وظلت ترفض منذ العام 1992 تسليم مواطنيها المطلوبين من الغرب مؤكدة ان قضية لوكربي قانونية وليست من صلاحيات مجلس الامن. وطال الانتظار ست سنوات حتى ايدت محكمة العدل الدولية في لاهاي موقف طرابلس واكدت صلاحيتها النظر في الشكوى التي رفعتها ليبيا في هذا الشأن ضد واشنطن ولندن. ولكن اول انتصار حققته ليبيا في صراعها مع الغرب اتى من واغادوغو في العام 1998 عندما قررت الدول الافريقية عدم الالتزام بالحظر الدولي وتبعتها الجامعة العربية التي هددت باتخاذ خطوات مماثلة. وكان يخشى ان تحذو حذوهم دول عدم الانحياز مما اضطر واشنطن ولندن عندها بالقبول باقتراح طرحته ليبيا منذ العام 1996 بمحاكمة اللييبين المشتبه فيهما في هولندا, وهو حل كان سبق ان لقي تأييدا واسعا من الدول العربية والافريقية والاسلامية ومن حركة عدم الانحياز بل وحتى من الفاتيكان والتي كانت تطالب كلها برفع الحظر. وقد رفعت العقوبات بالفعل في ابريل الماضي. وكانت الدول الاوروبية تصدت في السابق الى المساعي الأمريكية الحثيثة لتوسيع الحظر كي يشمل الصادرات النفطية الحيوية بالنسبة لليبيا. واعتبر دبلوماسي ان (سنوات الحظر ازعجت الشعب الليبي الا انها لم تهز اركان النظام الذي نجح في اعادة تحديد مواقعه السياسية وتنظيم اقتصاده) مع متطلبات الحظر. فقد خفضت ليبيا --او قطعت كليا-- الهبات الكبيرة التي كانت تمنحها منذ عشرين عاما لعدد كبير من الدول والمنظمات السياسية والمسلحة, من الجيش الجمهوري الايرلندي الى جبهة (مورو) الاسلامية في الفيليبين, مرورا بجميع قوى المعارضة للانظمة العربية والافريقية (الرجعية) . وبعد حل الخلاف الحدودي مع التشاد وبسبب الحظر العسكري تم خفض نفقات التسليح الى الحد الادنى. اما مصر التي كانت (منبوذة) في عهد الرئيس انور السادات لتوقيعها السلام مع اسرائيل, فقد اصبحت مع الرئيس حسني مبارك من اشد المدافعين عن طرابلس منذ العام 1992. وبعد ان كانت ليبيا محور 14 محاولة وحدوية مع الدول العربية لم تدم, ها هي تفضل الان (توجيه انظارها نحو عمق القارة الافريقية) التي يتوافد رؤساء دولها على طرابلس باستمرار. وستستضيف ليبيا بين السادس والتاسع من سبتمبر قمة استثنائية لمنظمة الوحدة الافريقية. واليوم, تحرص ليبيا التي كانت في الماضي قاعدة لتدريب الجماعات المسلحة (الثورية) , على ان تكون مركزا للقاءات السياسية ولجهود المصالحة بانتظار انفتاح اكبر على حركة السياحة العالمية. ويشير احد الدبلوماسيين الى ان الجماهيرية (الاشتراكية) ما زالت (توفر لمواطنيها المسكن والعمل والرعاية الطبية وتدعم السلع الاساسية) . ويضيف ان النظام (المركزي يعمل بصورة مستقرة اثبتت نتائجها) خلال فترة العقوبات التي شهدت على (حسن ادارة موارد البلاد وعدم وجود فساد مستشر او تبذير كما في الدول الاخرى) . وفي مواجهة التيار الاسلامي المتشدد الذي يزعزع استقرار جيرانها, تقدم ليبيا نفسها على انها (الحصن المنيع الذي يحول دون تواصل موجة العنف الاصولي بين المشرق والمغرب العربيين) . ويعزو القذافي ظاهرة التطرف الديني الى (الغرب الذي يسعى الى اضعاف العرب والى تشويه صورة الاسلام) , كما يصف المتطرفين المسلحين بـ (الزنادقة والكفرة الذين يجب قتلهم كالكلاب دون محاكمة) . ـ أ.ف.ب