عندما لجأ السفير السوداني علي حمد ابراهيم من (جيبوتي) الى القاهرة وانضم للمعارضة لم يكن ذلك غريبا فهو أديب معجب برهافة الصادق المهدي في تنميق الألفاظ واختيار ألوان (الفسيفساء) المناسبة للحدث السياسي , ولهذا اثار الكثير من الغبار قبل عشرة أعوام, عندما نقلت (البيان) في حينها تصريح ادلى به الصادق المهدي رئيس الوزراء آنذاك للاذاعة الرسمية بأنه سيتفرغ لتربية الماشية والزراعية بعد انجاز برنامجه السياسي والاقتصادي. وكان السفير علي حمد وقتها قائما بأعمال سفارة السودان بالامارات, وكتب إلى رئاسة مجلس الوزراء والخارجية يشكو بأن (البيان) تسخر من رئيس وزراء السودان. وتوقف الغبار عندما اعاد المهدي لصحيفة (الأضواء) السودانية التي كانت تصدر أيام الديمقراطية رغبته في الزراعة وتربية الماشية. والغريب ان السفير الذي اهتم بهذا الموضوع اهمل تماما ما أورده مراسل (البيان) بالخرطوم بأن انقلابا عسكريا سيقع في الثلاثين من يونيو 1989. وكان النشر قبل اسابيع من الانقلاب الذي حدث فعلا وزلزل الارض تحت اقدام حكومة المهدي وقاده مع مراسل (البيان) الى المعتقل وعشرات آخرين في مكان واحد, بينما ترقى القائم بالأعمال سفيرا الى (جيبوتي) وبعد انقضاء فترته آثر القاهرة بدلا من العودة الى الخرطوم. واقعة اللجوء الدبلوماسي الثانية نفذها السفير الأديب محمد المكي ابراهيم تاركا وراءه الى جانب منصبه الدبلوماسي عضوية البرلمان, وبعد ان طالب في جرأة لم يسبقه اليها احد في عهد (الشرعية الثورية وبيوت الأشباح) بإعادة دبابات حظر التجول من مكامنها في منعطفات العاصمة السودانية وجسورها الى معسكرات الجيش. ولاشك ان الدبلوماسي المكي وهو يقرر ان يتمترس في خندق المعارضة كان متأثرا بـ (يسارية) كل مدارسها ضد الحكومة, ومن هذا المنطلق كان اختياره للقاهرة حيث تجمع المعارضة كما هو حال السفير حمد. وحدث الاسبوع الماضي اللجوء الدبلوماسي الثالث عندما انعطف السفير عمر عثمان الحسن من طريقه للخرطوم الى امريكا هو يغادر سفارته في ماليزيا بعد انتهاء فترة عمله. وإذا كانت الحكومة السودانية لم تبد انزعاجا كبيرا بالنسبة للجوء السياسي الأول والثاني لعدة اعتبارات منها ان التزامها السياسي تجاه المعارضة لا يشكل اضافة مزعجة للسلطة, كما انهما قادمان من موقعين لا يرتبطان بمصالح هامة مع الخرطوم, فقد كان السفير المكي في اعماق افريقيا وحمد في شرقها, بالاضافة الى انهما أديبان ستأخذ منتديات الثقافة الكثير من برنامجهما, الا ان حالة السفير الثالث عمر عثمان كانت مختلفة تماما, فقد كان دبلوماسيا محترفا لا يتعاطى السياسة حتى في أدنى مستوياتها كما هو بالنسبة للكثير من الدبلوماسيين الذين يفضلون الاستماع والصمت باعتبارهما من صفات الدبلوماسي الناجح, والأخطر من ذلك اختيار امريكا ملجأ له وهي الدولة التي تضع السودان في أعلى قائمتها بادعاء تطهير العالم عام 2000 من مثالب القرن التاسع عشر ومنها الارهاب والاسترقاق والدكتاتورية, ولاشك ان نظام الخرطوم سيظل قلقا من أية معلومات لدى السفير يتبادلها مع امريكا, وذلك بعد ان نجح النظام في اقامة علاقات اقتصادية متينة مع دول شرق آسيا وفي مقدمتها (ماليزيا) التي يصفها الكثيرون بأنها (الحبل السري) لتغذية النظام وكوادره من خلال عمليات تجارية واسعة واستثمارات ناجحة الى درجة ان مجموعة اسلامية تتهيأ لإنشاء بنك (خاص) هناك يعد الأول في تاريخ السودان اذا استثنينا افرع البنوك السودانية الوطنية القائمة بالخارج منذ زمن طويل. كما تكمن الخطورة في ان تتخذ امريكا اجراءات الحجز على اموال النظام أو كوادره وشركاته ومؤسساتهم كما حدث منذ عام تطبيقا لعقوبات اقتصادية ضد الحكومة طالت 400 من ارصدة الدولة والمؤسسات وبعض الافراد لإضعاف النظام, ويأتي لجوء السفير عمر في وقت تتصاعد فيه نداءات الكونجرس للادارة الامريكية بتشديد الحصار ضد الخرطوم الى درجة التهديد بالتدخل العسكري المباشر في الجنوب ومحاولات لا تفتر من جانب واشنطن لاقناع دول الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة باتخاذ مواقف مماثلة ضد السودان. ومما يؤكد انزعاج الخرطوم من اللجوء الاخير الحملة التي شنت ضد السفير واتهام زوجته المنتمية الى المعارضة السودانية بأنها وراء قراره, بينما تسجل صحف النظام على السفير الاتجاه نحو امريكا بينما المعارضة تتهيأ للعودة الى السودان, فإن مصادر اخرى ترى ان خطوته تتسق مع التطورات على الساحة حيث يمكنه احتلال موقع متقدم اذا حملته مركب المعارضة الى الخرطوم بدلا من الاطاحة به كما سيحدث للكثيرين من رجال الخدمة السودانية لافساح المجال لكوادر التسوية السياسية المرتقبة وبهذا يكون السفير قد حجز مع السفيرين السابقين محمد المكي وحمد ابراهيم اذا لم تطح التقلبات السياسية بأحلام الجميع. وبما ان الفريق الدبلوماسي للمعارضة السودانية يتقدم دائما على الحكومة في الملاعب السياسية, بعكس السياسيين الذين يعودون الى صفوف النظام من وقت لآخر, فإن اللجوء الأخير أثار من جديد المطالبة بإحلال (أهل الثقة) مكان الاكفاء وغيرهم في اجهزة الدولة الحساسة ومنها الخارجية, مما سيسفر عن هزة لن تكون نتائجها مضمونة لمصلحة النظام لأن هفوات وتجاوزات (أهل الثقة) ـ كما يحدث الآن في كثير من المواقع ـ لا يتحملها السلك الدبلوماسي. الخرطوم ـ يوسف الشنبلي