منذ اكثر من ست سنوات والشاب الفلسطيني جواد ابراهيم (32 عاما) يستقيظ في الثانية عشرة ليلا ليتوجه مع عمال آخرين الى معبر إيريز لينتظر دوره في طابور يشكله نحو 20 ألف عامل وهم يستعدون للانتقال الى المدن الاسرائيلية للعمل في المباني والمزارع والمرافق الخدمية والنظافة, رحلة جواد هذه, ليست انسانية لانها تبدأ منذ منتصف الليل وتنتهي يوميا في الساعة السابعة مساء حينما يعود مع 20 ألف عامل الى غزة مرة اخرى بواسطة الحافلات الاسرائيلية التي تلقي بهم كقطعان الاغنام عند (معبر إيريز ومن ذلك المحشر اليومي ينطلقون الى عربات الاجرة او الشاحنات او الباصات الصغيرة بعد يوم عمل مضنٍ ويتراوح عدد العمال الفلسطينيين من قطاع غزة في اسرائيل ما بين 20 ـ 24 الف عامل, وتعمل الغالبية العظمى منهم في مجال البناء الذي يبتعد عنه الاسرائيلي نظرا لخطورته وصعوبته ولم نصدق ما يرويه الناس عن معاناة العمل اليومية عند (معبر ايريز) الحدودي الا حينما ذهبنا الى هناك لنرى على الطبيعة صور الابتزاز والبؤوس والقلق البادية على وجوه العمال التي لم تر الابتسامة منذ سنين طويلة مضت. إنها مشاهد لافدح مأسٍ هذا الشعب المظلوم, ظلم المحتل الاسرائيلي وظلم البيروقراطية الفلسطينية الذي حل على كاهل اولئك الذين يبحثون عن لقمة العيش. رحلة المعاناة تبدأ رحلة العمل في داخل الخط الاخضر (اسرائيل) بالنسبة لحوالي 20 ألف عامل فلسطيني من الساعة الثانية فجرا حتى الساعة السادسة ليلا (حوالي 16 ساعة يوميا) تتخللها ممارسات اذلال متعمدة من الجانب الاسرائيلي تبدأ من لحظات الانتظار الطويل على المعبر (من 3 ـ 4 ساعات) يوميا حتى يسمح رجال الامن الاسرائيلي للعمال بالدخول عبر (الحلابات) وهو اسم يطلقه العمال على البوابات الالكترونية الخاصة بالتفتيش, وهي قريبة من بعضها البعض ويبلغ ارتفاعها 180سم وعرضها 50سم فقط وتطلق اجراس الانذار لصغائر الامور مثل الولاعة او حتى حشوة الاسنان المعدنية وعبرها يتدفق بهدوء الـ 20 ألف عامل فلسطيني, ثم يتم التفتيش اليدوي لهؤلاء العمال وكثيرا ما يتم عمليات اعتقال تعسفي بحق عمال ابرياء عند هذه (الحلابات) او مصادرة البطاقات الممغنطة بدون ابداء الاسباب. وبعد اجراءات التفتيش المعقدة جدا عبر البوابات الإلكترونية التي لاتفتح الا بادخال البطاقات الممغنطة يسير العمال في نفق طويل محاط بالاسلاك الشائكة ومغطى بالقرميد ويقدر طوله بحوالي 1200 متر وهو طول المنطقة العازلة بين غزة واسرائيل وفي نهاية النفق يستقل العمال حافلات اسرائيلية, او سيارات اجرة اسرائيلية كي يتم توزيعهم على مناطق العمل داخل الخط الاخضر. ويروى احد عمال البناء ويدعى شفيق الفرا (33 عاما) معاناته اليومية من اجل العمل في احدى شركات البناء الاسرائيلية قرب تل ابيب ويقول: استيقظ في منتصف الليل واحمل معي وجبة الافطار واغادر منزلي قرب خان يونس في الواحدة بعد منتصف الليل مع عمال آخرين متوجهين الى إيريز, هناك في إيريز ننتظر قرابة ثلاث او أربع ساعات, حسب عدد العمال, وعن اسباب طول الانتظار على المعبر. يضيف تحتاج تصريح مرور يومي من حاجز الامن الوطني الفلسطيني, بعد ذلك نتوجه الى المنطقة العازلة وهي منطقة ضيقة تحشرنا فيها الاجراءات المشتركة كالاغنام, ثم ننتظر هناك في طوابير طويلة اجراءات التفتيش الاسرائيلية التي لا اظن انه يوجد لها مثيل في العالم, وهذه الاجراءات تستغرق ثلاث ساعات تقريبا, ثم بعدها نذهب, الى اعمالنا ويتوجب علينا العودة مرة اخرى قبل السابعة مساء على اقصى تقدير. ويحظر جهاز الامن الداخلي الاسرائيلي (شين بيت) على العمال الفلسطينيين المبيت داخل اسرائيل خوفا من الاعمال الانتقامية, ومن يضبطه الجهاز يتعرض لعقوبة السجن لمدة تتراوح من 5 ـ 10 سنوات ويفقد حقه في العمل داخل اسرائيل. ويقول جواد الجبور (ان الذي يجبرنا على العمل في اسرائيل هو عدم توفر الفرص في قطاع غزة, الان يوجد حوالي 180 ألف شخص عاطلين عن العمل, ولا اريد ان انضم اليهم لانني اعيل اسرة مكونة من 7 اطفال) . وحال جوادة مثل حال آلاف العمال الباحثين عن لقمة العيش, ويؤكد غالبية هؤلاء العمال انه لولا فشل العمال الذين جلبتهم اسرائيل من رومانيا وبلغاريا وتركيا وتايلاند لما سنحت لهم الفرصة بالعمل في المصانع والمباني والمزارع الاسرائيلية. ويقول محمد النجار (الأيدي العاملة الفلسطينية ماهرة وقادرة على التحمل اما العمال الرومانسيون فيسقطون تحت تأثير الكحول والمخدرات وغيرهم لايتحمل حرارة الشمس في فصل الصيف, كما ان خبرة العامل الفلسطيني هي التي جعلت اصحاب الشركات الاسرائيلية يضغطون على حكومتهم لفتح الباب امام العمال الفلسطينيين بعد الاغلاق الكبير الذي استمر شهرين في سبتمبر 1997. والناس في قطاع غزة ينظرون الى العامل على انه الدجاجة التي تبيض ذهبا, ففي يوم العطلة الاسبوعية لـ (عمال اسرائيل) السبت, تزدهر الاسواق وتنشط حركة المبيعات, داخل المحال التجارية, نظرا لقيام العمال بالتسوق والانفاق, ويقول بسام العويطي صاحب محل تجاري في خان يونس: (حينما تقرر اسرائيل اغلاق الحدود وتمنع العمال نختنق هنا في قطاع غزة, لان العمال هم مصدر السيولة في السوق وليس موظفي السلطة, فالعامل الذي يتقاضي (200 شيكل) ما يعادل 50 دولاراً يوميا اكثر قدرة على الانفاق من الموظف كما ان العامل يتقاضى راتبه كل يوم جمعة اي اسبوعيا وليس شهريا مثل باقي الموظفين. إلى جانب هذه المعاناة اليومية تستمر عملية الابتزاز التي تقوم بها الاجهزة الامنية الاسرائيلية (جهاز الشاباك) ضد العمال من اجل تجنيدهم للتعامل معها او حرمانهم من لقمة العيش, ومنعهم من العمل داخل اسرائيل, وفي الفترة التي عايشنا فيها الواقع المتردي هناك كان الناس يتحدثون عن بيع التصاريح من قبل الاسرائيليين للعمال الفلسطينيين وهذه التصاريح يسمح بموجبها للعمال بالداخل للعمل في اسرائيل ويباع التصريح للعامل الفلسطيني بحوالي 400 دولار امريكي ولمدة شهرين فقط وفي احيان كثيرة لا يسمح للعامل الذي حصل على التصريح بالعمل لانه محدد بنوع المهنة والمكان واحيانا اخرى يتم القاء القبض على العمال لانه يحظر عليهم المبيت داخل اسرائيل وعادة ما يقوم الجنود الإسرائيليون بسحب هذه التصاريح من العمال يوميا بعد ان يتم القاء القبض على العشرات من العمال ويتم تقديمهم للمحاكم العسكرية السريعة وتفرض عليهم غرامات مالية باهظة. ابتزاز فرضت السلطات العسكرية الاسرائيلية على كل مواطن فلسطيني يريد اجتياز معبر ايريز الحدودي سواء المتجهين الى الضفة الغربية او الى المدن الاسرائيلية الحصول على البطاقة الممغنطة, ويجمع الفلسطينيون باختلاف درجاتهم على ان هذه البطاقة هي وسيلة للتعذيب والابتزاز والمساومة لانها لا تصدر الا بعد موافقة اجهزة المخابرات الاسرائيلية وخاصة جهاز (الشين بيت) المرعب كما انها تجبر حاملها على العودة الى قطاع غزة في مواعيد محددة لا تتجاوز الساعة السابعة مساء وكل من يتأخر يحتجز في البوابات الالكترونية التي تعمل بموجب المعلومات المخزنة في البطاقة, ومن يتأخر عن موعد العودة الى غزة يدفع عقوبة باهظة ثمنها السجن والحرمان من الدخول الى اسرائيل او الضفة الغربية. يقول ابراهيم شحادة مدير مركز غزة للحقوق والقانون ان السلطات الاسرائيلية فرضت البطاقة الممغنطة على ابناء الشعب الفلسطيني في نهاية عام 1988 اي بعد عام واحد على اندلاع الانتفاظة الفلسطينية في الاراضي المحتلة, وبتاريخ 15/5/1989 اجبرت اجهزة الامن الاسرائيلية العمال الفلسطينيين على التعامل مع البطاقة الممغنطة من اجل السماح لهم بالتوجه للعمل داخل الاخط الاخضر, كما امرت كل مواطن فلسطيني يرغب في التوجه الى القدس او في محافظات الضفة الغربية, ان يكون حائزا على بطاقة ممغنطة الى جانب البطاقة الشخصية, وفي احيان كثيرة كان الجنود الاسرائيليون يعتدون بالضرب والاهانة على كل من لا يمتلك البطاقة الممغنطة فهي الوسيلة الوحيدة التي تسمح لصاحبها باجتياز الحواجز والدوريات بدون ان يتعرض لأذى. * ولكن كيف يتم الحصول على هذه البطاقة؟ ـ يجيب ابراهيم شحادة بصفته احد الناشطين في مجال حقوق الانسان على هذا السؤال بالقول: بعد اعادة الانتشار للقوات الاسرآئيلية في الاراضي الفلسطينية واستلام السلطة الوطنية الفلسطينية مقاليد الامور بدأت السلطات الاسرائيلية بتقنين منح البطاقات الممغنطة وابداء الذرائع, فبعد ان كانت تمنح البطاقة لمن يرغب اصبحت اليوم تفرض الشروط التي ترتأيها فقد تراجع العدد من 2000 ـ 2500 بطاقة يوميا الى 500 ـ 600 بطاقة ويتوقف منح هذه البطاقات في ايام الاعياد لليهود وعطلة السبت. وقبل ان يتوجه المواطن الفلسطيني للحصول على هذه البطاقة من معبر ايريز يجب ان يمر بمرحلتين, في اليوم الاول يتوجه الى مبنى الادارة المدنية الفلسطينية في منطقة جباليا (شمال قطاع غزة) حيث يحصل على ورقة صغيرة تحمل ختم قوات الامن الوطني الفلسطيني ورقم متسلسل. وفي اليوم الثاني يخرج مع ساعات الفجر الاولى الى مبنى الادارة المدنية الفلسطينية (ما بين الساعة الثالثة والرابعة فجرا) ليتمكن من الوصول الى الجانب الإسرائيلي بمنطقة (ايريز) للحصول على البطاقة الممغنطة, ويتم ترتيب المواطنين الفلسطينيين في طابور طويل انتظارا لوصول الحافلات الفلسطينية التي تبدأ في استقبال المواطنين في حوالي الساعة السابعة والنصف صباحا, وهذه الحافلات تحمل ما بين 60 ـ 70 مواطناً ثم يسمح لها بالتحرك في حوالي الساعة الثامنة صباحا الى منطقة ايريز التي تبعد عن المكان حوالي ثلاثة كيلو مترات. معبر إيريز جنود من قوات الامن الوطني الفلسطيني مهمتهم تنظيم عملية مرور المواطنين الفلسطينيين الى الجانب الاسرائيلي وفق ما يرتأيه ضابط الامن الاسرائيلي الذي يقف خلف القضبان الحديدية ويقوم بالقاء الاوامر ويسمح بدخول المواطنين الفلسطينيين الى الجزء الذي يسيطرون عليه ويتحكمون به. ويذكر ان ايريز منطقة صناعية تعود ملكيتها للفلسطينيين بعد العام 1997 ولكن اسرائيل اخضعتها لسيطرتها, والقسم الاعظم منها عبارة عن شركات ومؤسسات ومصانع الى جانب وجود محكمة عسكرية اسرائيلية ومباني الادارة المدنية التابعة للسلطات الاسرائيلية ويوجد في ايريز ايضا مقر للرئيس الفلسطيني عرفات ويقابله مقر اخر لرئيس الوزراء الفلسطيني لاجراء المقابلات الرسمية بينهما وهي منطقة عازلة بين الاراضي الفلسطينية وتلك التي تحتلها اسرائيل منذ عام 1948. وبعد ان يصطف المواطنون الفلسطينيون ما بين القضبان الحديدية في طابور طويل يبدأ الجنود الاسرائيليون في تفحصهم وقياسهم, هذا يسمح له ان يبقى في الطابور واخر لا يسمح له, فيأمره الجنود بالانصراف والعودة الى منزله.. وهكذا. وبعد ان يبدأ الجنود الإسرائيليون في ادخال المواطنين الفلسطينيين الى غرفة الفحص, كل مجموعة مكونة من خمسة افراد يتم فحصهم جيدا واخذ البطاقة الهوية ووضعها في صندوق خشبي فخصص لهذا الغرض ويمنح المواطن الفلسطيني نموذجا خاصاً عبارة عن ورقة عادية مكتوب عليها بالعبرية بأن حامل هذا التصريح مسموح له بالتوجه الى مكان صنع البطاقة الممغنطة فقط. وبعد الخروج من غرفة الفحص والتفتيش تقف حافلة اسرائيلية بانتظار المواطنين حيث يتم وضع حوالي 70 مواطنا داخل الحافلة وتبقى واقفة بانتظار اوامر ضابط الامن الاسرائيلي حيث يحظر على المواطن ان يتحرك في المنطقة او ان يصل الى مكان صنع البطاقة الممغنطة مشيا على الاقدام, لان دخول ايريز ليتم فقط لمن يحمل تصريحا خاصا. في حوالي الساعة التاسعة والربع صباحا تأتي سيارة جيب عسكرية اسرائيلية ترافق الحافلة لمسافة 1500 متر تقريبا, عند وصول المكان المخصص لعمل البطاقة الممغنطة يحيط بالعمال جنود اسرائيليون وكل جندي يده على زناد سلاحه الآلي, ثم يأمرون المواطنين بالوقوف في طابور طويل ما بين القضبان الحديدية, ويبدأون بادخال الفلسطينيين على مجموعات كل مجموعة مكونة من 10 افراد ليتم الفحص الآلي, ويقوم بهذه المهمة ثلاثة جنود حيث يتم فحص العامل جيدا عبر البوابة الالكترونية اولا وبالايدي الى كافة انحاء جسده ثانيا. وقبل ان يصل العامل الى المنطقة المخصصة لعمل البطاقة الممغنطة يطلب منه الجنود الاسرائيليون ان يتجرد من ملابسه الثقيلة والحزام والنقود الخ واحيانا الحذاء اذا كانت به قطعة معدنية ثم يدخل البوابة الالكترونية. بعد اختبار المواطن الفلسطيني هذه المرحلة يسمح له بالدخول والجلوس على احد المقاعد المنتشرة في صالة واسعة مزروعة اسقفها بكاميرات المراقبة الامنية. ويطلب الجنود الاسرائيليون المتواجدون في المكان من المواطنين الفلسطينيين بحزم الصمت وعدم الوقوف ومن يخالف الامر العسكري يحرم من متابعة اجراءات عمل البطاقة العجيبة فالسؤال ممنوع واحيانا التوجه الى دورة المياه محظور. انها قسوة لا حدود لها تفوق كل انظمة الفصل العنصري في العالم, بل وتتفوق عليها, فاذا نودي على العامل يجب ان يركض مسرعا صوب الجندي الاسرائيلي والا اجبره على العودة الى مكانه حتى نهاية يوم العمل الساعة الرابعة مساء. في المرحلة الاولى من عمل البطاقة يتم المناداة على المواطنين حيث يتسلم كل من نودي عليه بطاقة الهوية ويتوجه الى ركن آخر لدفع 32 شيكلاً ( 8 دولارات) رسوم الممغنطة وبعد ذلك ينتظر الى ان ينادى عليه الجندي الاسرائيلي لاستلام البطاقة, وهنا يتنفس الصعداء مؤقتا, بعدها يسمح له بالخروج عبر بوابة الكترونية الى خارج المكان, ومن ثم الى المكان الاول الذي دخل منه. هذه البطاقة (العنصرية) التي يحصل عليها الفلسطيني تكون سارية المفعول لمدة عام لكن لاتسمح لحاملها بدخول الخط الاخضر او بوابة ايريز, بل يجب ان يكون مصاحبا لها تصريح خاص يسمح لحامله بالدخول الى السرائىل ويكون مبرمجا من الساعة الخامسة صباحا الى السابعة مساء, وكل من يتخلف عن هذا الموعد يعتقل او تصادر بطاقته الممغنطة والتصريح. وقد يحصل العامل على البطاقة بعد كل هذا العذاب وبعد خمس دقائق بامكان اي جندي اسرائيلي ان يصادرها او يمزقها ويحرم حاملها من العمل بدون سبب والعمال الذين لم يحالفهم الحظ بالحصول على هذه البطاقة ينتظرون في صمت لايجرؤ احدهم على السؤال او الاستفسار او التحرك من مكانه الا بامر عسكري ومن لم يحصل عليها يامره الجندي بالتوجه الى غرفة ضابط الامن الاسرائيلي في صالة اخرى مجاورة للتحقيق. وبعدها يذهب العامل (المحروم) الى غرفة اخرى, مكتوب عليها (ضابط الشكاوى). في البداية يستأذن العامل في الدخول ويبقى واقفا حتى يسمح له بالجلوس يتفحص الضابط جيدا ويبدأ بالاسئلة والكتابة العبرية: ما اسمك, عنوانك, عملك, هل أنت متدين؟ اسم الزوجة, اسماء أشقائك, اين يعملون؟ كم عاما امضيت في الدراسة؟ ما اختصاصك؟ هل اعتقلت؟ ومتى؟ وكم كانت مدة الاعتقال؟ هل اعتقلت لدى السلطة الفلسطينية؟ هل تعرف العبرية؟ هل عملت في اسرائىل؟ لماذا ترغب في الحصول على البطاقة الممغنطة؟ وتستمر المقابلة على هذا المنوال مع الشخص الواحد حوالي 20 ـ 30 دقيقة. وفي نهاية هذا الاستجواب الطويل يخبره الضابط بانك مرفوض وعليك العودة بعد 10 ايام او 20 يوما او لاتعود مطلقا, وتبقى البطاقة الشخصية محجوزة لدى ضابط الامن الاسرائيلي. يقول احد العمال المتواجدين في ذلك المكان الرهيب لقد بدأ ضابط الامن الإسرائيلي المقابلة كالتالي: * ما مجال عملك في اسرائيل؟ ـ اعمل في مجال البناء * كم سنة عملت في اسرائيل؟ ـ 10 سنوات * كم كنت تتقاضى يوميا؟ ـ 200 شيكل * اين تعمل الآن؟ ـ بدون عمل * من اين تأكل وتعيش؟ ـ بعت مصاغ زوجتي. * هل انت بحاجة للبطاقة؟ ـ نعم, لأجل العمل في اسرائيل * اخبرني, من في الحي ينتمي لحركة حماس او للمعارضة؟ ـ لا اعرف احدا. * هل فلان صديقك ويعطي اسما محددا؟ ـ لا اعرفه. * اذن انت لن تحصل على البطاقة. * لماذا؟ ـ لانك لا تجيب على الاسئلة بصراحة وبدأت تكذب وهكذا تستمر اللعبة مابين ضابط الامن الاسرائيلي الذي يسعى الى هدف محدد والعامل الفلسطيني الذي يسعى للحصول على البطاقة من اجل الحصول على لقمة العيش لابنائه, فتصبح المعادلة لقمة الخبز مقابل أن يصبح مرشدا لدى السلطات العسكرية الاسرائيلية. بعد ذلك يعود للجلوس على المقعد بانتظار الخروج من هذا الجو الخانق وفي حوالي الساعة الثانية ظهرا ينادي عليه جندي ويأمره بالوقوف والركض باتجاه المنصة لاستلام بطاقة الهوية ومغادرة المكان بسرعة ويستلم ورقة مكتوب عليها باللغة العبرية (مرفوضة) لاسباب امنية. وعند الخروج من المكان المخصص للبطاقة. الممعنطة يجد امامه حافلة اسرائيلية, ويتراوح عدد المرفوضين يوميا مابين 80 ـ 90 مواطنا فلسطينيا تعود بهم الحافلة تحت الحراسة العسكرية الى المكان الذي دخلوا منه حيث يغادرون معبر إيريز ليجدوا قوات, الامن الوطني الفلسطيني على المدخل الرئيسي لمنطقة إيريز. وفي تلك المنطقة المحاطة بالمواقع العسكرية الاسرائيلية والاسلاك الشائكة المكهربة, صاح جندي اسرائيلي في وجوهنا ممنوع التصوير, وفوجئنا بثلاثة جنود آخرين يصادرون الكاميرا وبعد توسل ورجاء اعادوا لنا الكاميرا بدون الفيلم وصادروا الصور مع تعهد مني بعدم التصوير ومغادرة المكان الخاضع للإشراف الفلسطيني. انها مرارة الذل والحرمان التي يواجهها نحو 20 الف عامل فلسطيني يوميا في ذلك المكان ولولا الظروف الحياتية والاقتصادية القاسية في قطاع غزة لما واجه العمال الفلسطينيون هذه المعاناة المريرة التي يعيشونها لمدة 16 ساعة يوميا. ويتناسى الاسرائيليون وهم يمارسون هذه الطقوس الظالمة بحق العمال اللاهثين وراء سراب السلام ولقمة العيش. انهم يبحثون عن السلام مع جيرانهم ولكن اي سلام واي استقرار واي تعايش؟ هذه الفجوة الرهيبة في مفهوم كل طرف للتعايش ستظل قائمة طالما بقي الظلم اليومي يلحق بالمواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل اسوأ نظام فصل عنصري في العصر الحديث. ولم نسمع حتى في جنوب افريقيا العنصرية (سابقا) عن مثل هذه الاجراءات الظالمة بحق شعب همه الوحيد العيش في امان وسلام. وربما لايدري الإسرائيليون ان التعذيب والاذلال اليومي يولد مزيدا من الحقد والغضب لدى الفلسطينيين, لأن ممارسات التعذيب تتناقض كليا مع اي حديث عن السلام كما انها النقيض لاجراءات صنع الثقة التي تمهد لصنع سلام الشجعان الذي بدأ يتحدث عنه باراك مؤخرا. معبر إيريز (غزة) ـ من جمال المجايدة