يعود ضياء الدين داود بالذاكرة الى هذه الحقبة ويقول: عند قيام ثورة يوليو 52 كان مضى على تخرجي من كلية الحقوق ثلاث سنوات حيث تخرجت عام 1949 وقد التقت الثورة مع طموحات الشباب ـ وأنا منهم ـ وآمالهم وتفكيرهم خاصة في الجانب السياسي والاجتماعي . ولذلك رحب الشباب بالثورة وتفاعلوا معها واندمجوا في صفوفها وتشكيلاتها. وانضممت للثورة وبجانب عملي محاميا في دمياط فإنني تدرجت في المواقع السياسية حتى كنت عضوا في مجلس محافظة دمياط عن الاتحاد الاشتراكي في عام 1964. في هذا العام كانت ستجرى انتخابات مجلس الأمة وقد جرى حديث بين زملائي وأصدقائي حول ضرورة خوضها ولم يكن هذا الهدف من ضمن حساباتي لأن أكبر معوق كان التكلفة المادية وكنت في ذلك الوقت محاميا صغيرا كما كانت الحالة المادية للعائلة لا تسمح بتغطية نفقات الانتخابات والدعاية. ولما أعدت الحسابات في الدائرة خاصة احتمالات نجاحي وفشلي وجدت أن احتمالات النجاح كبيرة وأنني في وضع أفضل من أي مرشح آخر يدور حوله الكلام فأخذت أفكر بجدية في ضرورة الترشيح. وانتهى الأمر باتخاذ قرار دخول الانتخابات ولم يكن معي ما يزيد على 300 جنيه فقط.. فقلت استفيد بهذا المبلغ في كتابة عدد من "اليافطات".. ورغم ذلك.. وقعت مفاجأتان لم أضعهما في حسباني. مفاجأتان على الطريق الأولى أن أمين الاتحاد الاشتراكي بمحافظة دمياط ـ آنذاك ـ حاول الضغط علي للتنازل وترك الدائرة لزميل آخر ولكن رفضت. أما المفاجأة الثانية فإنه قبل التقدم للترشيح بأيام قليلة وصلني خطاب من أمانة الاتحاد الاشتراكي بالقاهرة وموقع عليه من حسين الشافعي الأمين العام بادخاري لعمل سياسي آخر.. وهذا الخطاب وصل لمرشحين آخرين في دمياط وفي محافظات مصر الأخرى.. والحقيقة أن ادخارنا لموقع آخر كان هو التعبير الآخر عن العزل السياسي. واندهشت لأن تاريخي في الحياة السياسية كان حديث ولا يحتمل مثل هذا الموقف إطلاقا وليس هناك أي ثغرة في حياتي يمكن الدخول لي منها. ولكن كان الهدف من كل ذلك هو إزاحتنا وإتاحة الفرصة لأناس بعينهم للترشيح.. وطبعا لم أسكت على ذلك.. فقد قررت أن أرسل خطابا للرئيس جمال عبد الناصر أشرح له حقيقة ما حدث معي وتم ذلك فعلا. وقلت له: كثير من أفكارك التي تعبر فيها عن الشباب الجديد الذي يتطلع إلى التغيير تتعثر في التطبيق.. وكثير من معاونيك لم يستوعبوا أفكارك ويحسنوا تطبيقها ولذلك يتم عزل العناصر المتشربة لروح الثورة مثلنا عن العمل السياسي لإفساح الطريق لعناصر تقليدية. تولي الوزارة ووصل هذا الخطاب وخطابات أخرى من غيري للرئيس عبد الناصر واكتشف أن القواعد التي وضعت لهذا الموضوع لم تكن سليمة ولابد من فتح الباب لمن يشاء. وبالفعل ألغى هذه القواعد وأصبح من حق الجميع الترشيح.. ودخلت المعركة ونجحت فعلا ولم يترك هذا الموقف أي أثر بيني وبين أمين الاتحاد الاشتراكي بالمحافظة وكذلك بين المرشحين المنافسين بالدائرة. وكان أدائي في مجلس الشعب ونشاطي فيه وأمانتي للاتحاد الاشتراكي في دمياط هما السلم الذي أوصلني إلى الوزارة. والذي اختارني في الوزارة هو الرئيس عبد الناصر شخصيا, حيث تم إبلاغي بإسناد وزارة الشؤون الاجتماعية الي من خلال سامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات بما يعني أن الترشيح من الرئيس شخصيا وليس من شخص آخر وقد يكون هناك آخرون دعموا هذا الترشيح في الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي. والذي لفت انتباه الرئيس لي ـ في تصوري ـ هو أدائي العالي والمناقشات الثرية لي بمجلس الشعب وكذلك اجتماعات الاتحاد الاشتراكي التي كان يحضرها الرئيس عبد الناصر وهذا ما قاله لي الرئيس شخصيا وإذا كانت هناك خلفيات أخرى فلا أعلم عنها شيئا. وكان اختياري لوزارة الشؤون الاجتماعية لأنها أقرب الوزارات لوزير سياسي فأنا لم أكن في موقع تنفيذي كمعظم زملائي الآخرين بالوزارة.. وكانت وزارة الشؤون تتطور لتلائم التغيير الاجتماعي الذي يحدث في مصر فانتقلت من تقديم خدمات اجتماعية محدودة وتوزيع بعض الإعانات إلى توسيع نطاق خدماتها في محافظات مصر وإنشاء جمعيات متعددة الأغراض ووحدات مجمعة. مناقشات مفتوحة وكان سني عندما تم اختياري للوزارة عام 1968 هو 43 عاما وكانت الوزارة عقب هزيمة يونيو ويرأسها الرئيس عبد الناصر شخصيا وقد فتح مناقشات عامة لكل الوزارات ليقول كل وزير ما لديه ومن كل الجوانب وكان 80% من الوزراء جدداً. وكان من ضمن المناقشات الإعداد لانتخابات جديدة لمجلس الشعب حيث فوجئت بالرئيس يرشحني بجانب وزارة الشؤون أن أكون وزير دولة لشؤون مجلس الأمة, لأشارك في وضع أسلوب جديد للانتخابات وكانت الدكتورة هدى عبد الناصر كريمة الرئيس هي مديرة مكتب الرئيس ـ آنذاك ـ لشؤون مجلس الأمة. وفي أحد اجتماعات مجلس الوزراء قال بعض الوزراء إن هناك عناصر برزت بعد حرب 67 واعتقدت أن النظام ضعف بالهزيمة وأن الفرصة مواتية للانقضاض على الثورة إلى آخر هذه النوعية من الكلام.. وطالب هؤلاء الوزراء بضرورة عزل من أشاروا إليهم وكان رد الرئيس عبد الناصر ظريف جدا حيث قال لن أعيد العزل إطلاقا مرة أخرى وآخر تجربة لنا في العزل لم تكن ناجحة واسألوا ضياء داود لأنه كاد يمنع من الترشيح عام 64 وهو لا يعلم حتى الآن لماذا تم عزله وأنا لا أعلم أ يضا, وهذا الطريق خطر وأنا لا أرحب به. فترة غير كافية وفي عام 69 تم انتخابي عضوا باللجنة التنفيذية للاتحاد الاشتراكي وتركت الوزارة رغم أنني كنت أتمنى الاستمرار حتى أترك بصمة فيها.. فالفترة القصيرة التي قضيتها لا تدع للوزير مهما كانت اجتهاداته أن يفعل شيئا.. وكان لي طموحات في بعض المجالات مثل الطفولة والجمعيات متعددة الأغراض.. وأهم ما أذكره عن فترة الوزارة هو أداء عبد الناصر في مجلس الوزراء, فقد كان مدرسة, فهو قارئ متعدد جوانب المعرفة في الاقتصاد والسياسة والاجتماع وكل المعارف الأخرى وكان يناقش الوزراء بعمق وفهم ويتخذ القرار بمرونة وسلاسة شديدة. وأذكر أن اللجنة الاقتصادية وكانت مشكلة من عدد من الوزراء برئاسة السادات, أرادت أن تعوم الجنيه أي تجعل له سعرين, وكان الرئيس ضد هذا الرأي. وجاء رئيس اللجنة يعرض على الرئيس الموضوع فطلب منه مناقشته مع الدكتور لبيب شقير وكان أستاذاً للاقتصاد وعضوا للجنة التنفيذية العليا وأمين الشؤون الاقتصادية بالاتحاد الاشتراكي وعندئذ فهم الاقتصاديون في اللجنة مكانة وعلم د. شقير ولذلك تراجعوا وقالوا استطعنا أن نعالج الموضوع دون الحاجة إلى التعويم. وكان الرئيس عبد الناصر قد طلب د. لبيب شقير وبحث معه هذا الموضوع وتوصل إلى أن قرار التعويم في غير صالح الجنيه لذلك كان رأيه برفض اتجاه اللجنة وطلب منها أن تناقش الأمر مع د. لبيب شقير. عبد الناصر كان حريصاً أن يسأل ويناقش المتخصصين حتى يبني رأيه وقراره عن علم. رئيس الحزب الناصري في مصري