على الرغم من أن غالبية المسلحين في داغستان ضد القوات الروسية خرجوا من الشيشان, ويتلقون الدعم والتمويل والامداد من داخلها, إلا أن النزاع في داغستان يختلف إلى حد كبير عنه في الشيشان , والجمهوريتان الاسلاميتان الصغيرتان تختلفان فيما بينهما اختلافات كبيرة وجوهرية, ولا يجمع بينهما من الناحية الجيوسياسية سوى أنهما من جمهوريات شمال القوقاز الواقعة ضمن الحزام الامني الجنوبي لروسيا, والذي يشكل اهم عناصر الامن الروسي, الان بعد الحزام الامني الغربي تجاه اوروبا, والذي اصبح شبه هادىء في العامين الماضيين بعد اعلان روسيا موافقتها على توسعات حلف الناتو في شرق اوروبا, ويبقى الحزام الامني الجنوبي في شمال القوقاز بؤرة الصراع ومصدر المشاكل والمتاعب المستمرة لروسيا. وتختلف داغستان عن الشيشان من ناحية التركيبة الاجتماعية, حيث تقطن جمهورية الشيشان قومية واحدة تشمل اكثر من ثمانية في المائة من التركيبة السكانية هناك وهم الشيشان, بينما يعيش في داغستان اكثر من ثلاثين قومية مختلفة تتحدث بأكثر من عشرين لغة وتربطهم جميعهم اللغة الروسية التي تعد اللغة الرسمية في الجمهورية, ومن اكبر القوميات العرقية في داغستان اللازيج والدريج والافار والتتار والروس وغيرهم, والغالبية هناك تدين بالدين الاسلامي حتى الروس منهم الذين يشكلون 10% من السكان, اما الشيشان ذات القومية الواحدة فان شعبها يتحدث لغة واحدة هي الشيشانية المستمدة من اللغة التركية, إلى جانب اللغة الروسية, ولا يعيش في داغستان من الشيشان الا عدد قليل لا يشكلون نسبة في التركيبة السكانية هناك. ولا يوجد داخل الشيشان اي شكل من اشكال الصراع العرقي أو الديني, رغم ان فيها عدداً كبيرا من الروس المرتبطين بالمصاهرة مع الشيشانيين, أما داغستان فانها تعاني منذ عدة سنوات من صراعات واضطرابات داخلية كثيرة حتى في زمن الاتحاد السوفييتي, حيث يزداد فيها نشاط الحركات الاصولية الاسلامية من داخلها, وربما لهذا السبب بالتحديد نجد ان بعض التيارات الاسلامية الاصولية, وجدت في داغستان تربة خصبة وساحة ممهدة لممارسة نشاطها ونشر افكارها, في حين انها لم يكن لها أي نشاط ملحوظ في جارتها الشيشان التي لم تظهر فيها اية فرق اسلامية أو أي شكل من اشكال الصراع الديني. وحتى في الحرب الروسية الشيشانية التي استمرت اكثر من عامين نلاحظ ان الشعارات الدينية ورايات الجهاد الاسلامي لم ترفع فيها الا بعد ما يقرب من عام من بدايتها, و لم تكن في البداية حربا من اجل الاستقلال عن روسيا بقدر ما كانت حربا من اجل امتيازات معينة اقتصادية ومادية, كان الرئيس الشيشاني الراحل جوهر دوداييف يطالب بها موسكو التي لم تستجب له, وشعر ان المعركة ليست في صالحه, فاضطر لتغيير شعاراتها وتحويلها في بداية عام 1995 إلى حرب من اجل استقلال جمهورية الشيشان الاسلامية عن روسيا, وكان هدفه من وراء ذلك كسب التأييد الدولي والدعم المادي الخارجي, وخاصة من الدول الاسلامية ومن تركيا العلمانية التي لا تتمسك بالشعارات الاسلامية الا في مثل هذه الحالات. مشاكل مزمنة وقد كانت الشيشان ومازالت مصدرا لمشاكل عديدة لروسيا الحالية وللاتحاد السوفييتي سابقا, وكانت من قبل موطنا لعصابات اجرامية كثيرة بعضها مازال يمارس نشاطه حتى داخل العاصمة موسكو نفسها, في حين لم تشكل داغستان, رغم بعض الصراعات العرقية والدينية داخلها, اي مصدر للمشاكل لروسيا, على الرغم من ان بعض الدول المجاورة حاولت اثارة مشاكل واضطرابات داخل داغستان بهدف الضغط على روسيا, ومنها اذربيجان التي تسكنها غالبية من قومية اللازيج الموجودة بكثرة في داغستان. وفي الوقت الذي تغلب على الشيشان الطبيعة الجبلية التي تلائم إلى حد كبير نشاط وتحركات حرب العصابات, وهي الطبيعة الممتدة في غرب داغستان, نجد ان داغستان تختلف جغرافيا عن الشيشان من ناحية الشرق حيث سواحل روسيا على بحر قزوين, والتي يصعب فيها نشاط حرب العصابات, وتكون السيادة فيها دائما للجيوش المنظمة وللاسطول البحري الروسي في بحر قزوين. هذه الاختلافات الجوهرية بين جمهورية الشيشان وداغستان تفرض نفسها بشكل كبير على طبيعة الصراع والنزاعات القائمة هناك, حيث ان من الصعب وربما من المستحيل ان تحدث في داغستان حركة تمرد واسعة ضد روسيا مثل التي حدثت في الشيشان, كما انه من الصعب على المسلحين القادمين من الشيشان ان يجدوا لهم انصارا ومؤيدين داخل داغستان, ولهذا السبب بالتحديد نجد ان منطقة الصراع والحرب القائمة حاليا هناك منحصرة تماما في مناطق محددة في غرب داغستان تجاه الحدود الشيشانية, وخاصة في مدينتي (كاراماخي) و(تشابنماخي) , وهما مدينتان صغيرتان تسكنهما مجموعات من العائلات الشيشانية التي هربت من الشيشان اثناء الحرب الماضية, وينتشر في هاتين المدينتين بشكل ملحوظ نشاط بعض الجماعات الاصولية التي فشلت إلى حد كبير في توسيع نشاطها داخل داغستان, وتلقى هناك معارضة قوية من باقي القوميات التي تسكن داغستان, والتي تتهم الاصوليين بانهم يسعون لنشر الخراب والدمار في داغستان, بهدف تحقيق مصالح خاصة لدول خارج المنطقة. ولهذا السبب نلاحظ ان حكومة داغستان و96% من شعبه ـ حسب استطلاع الرأي الذي اجري هناك في منتصف اغسطس ـ يؤيدون بشدة تدخل القوات الروسية للقضاء على المسلحين القادمين من الشيشان, وتعلو صيحات القيادات السياسية والدينية في داغستان تحذر من تحويلها إلى شيشان اخرى. مواقف مختلفة وفي داخل روسيا وعلى الساحة السياسية في العاصمة موسكو, نلاحظ ان التيارات السياسية التي كانت تعارض بشدة الحرب في الشيشان وتطالب بانسحاب القوات الروسية من هناك تؤيد الان وبشدة دخول القوات الروسية في داغستان والتعامل بقوة مع المسلحين المتمردين هناك, ويقف زعيم الكتلة الديمقراطية في البرلمان الروسي (جريجوري يافلينسكي) الذي كان يتزعم المعارضة ضد الحرب في الشيشان ينادي الان بضرورة تكثيف القوة العسكرية الروسية في داغستان والتعامل بمنتهى القوة والحسم مع المتمردين هناك القادمين من الشيشان. وقد خرجت مظاهرات شعبية في العاصمة الداغستانية (مخاشكلاه) تطالب موسكو بسرعة حسم الموقف والتدخل القوي والسريع قبل ان تتحول داغستان إلى شيشان اخرى. ومن الملاحظ ان هذه الامور تنعكس بشكل واضح على مجريات الصراع المسلح هناك, ففي الوقت الذي تواصل فيه موسكو دعم قواتها وتسحب فيه السلطة من قوات الامن ووزارة الداخلية وتعطيها للجيش ووزارة الدفاع, وهو الامر الذي لم يحدث بشكل علني ورسمي اثناء الحرب في الشيشان, نجد ان هناك اضطرابات وتراجعات في صفوف المسلحين المتسللين من الشيشان إلى داغستان, حسبما أوردت بعض وكالات الانباء الغربية بهذا الصدد, وقالت ان كثيرين من المسلحين يحاولون الهروب والعودة داخل الشيشان, وان القائد العسكري الشيشاني شامل باساييف, يطاردهم ويجبرهم على البقاء في داغستان ومواصلة القتال, ويمدهم من على الحدود الشيشانية بقوات اخرى وبالسلاح والعتاد. هذا في الوقت الذي تراجعت فيه حكومة الشيشان في جروزني بزعامة الرئيس اصلان ماسخادوف, في تصريحاتها, واعلنت مؤخرا انها لا تؤيد شاحل باساييف, ولا القوات المتمردة والمتسللة إلى داغستان, وصرح ماسخادوف بان هذه القوات تتلقى دعما ماديا وعسكريا من جهات اجنبية, وانه يرفض ان تتحول الشيشان إلى بؤرة لتدريب وانطلاق الحركات الانفصالية المتمردة في القوقاز, وان هذه الاوضاع تزيد من المشاكل في الشيشان, وتحول دون الاستمرار في عمليات التعمير والبناء وازالة اثار الدمار التي تركتها الحرب. اما عن الاسباب الفعلية والواقعية وراء اندلاع النزاع في داغستان والتمرد المسلح ضد موسكو, فهناك شبه اجماع داخل روسيا على ضلوع جهات اجنبية, لم يحددها احد حتى الان, وراء هذا النزاع, وان كان البعض لا يتراجع عن اتهام الغرب وواشنطن بالوقوف وراء كل ما يحدث من اضطرابات وقلاقل لروسيا في منطقة القوقاز. وقد اعلن رئيس جمهورية أوسيتيا الشمالية في القوقاز الكسندر زاسوفوف علنا منذ ايام بان حلف شمال الاطلسي هو الذي يقف وراء ما يحدث في القوقاز, وانه يدعم المتمردين ضد روسيا بشكل غير مباشر وغير علني وعن طريق جهات ودول اخرى قريبة من المنطقة, ويشير زاسوفوف في حديثه إلى المشروع الاقتصادي الكبير الذي اقره الكونجرس الامريكي سابقا لتنفيذه في منطقة شمال القوقاز والذي لم يشر فيه الكونجرس إلى روسيا لا من بعيد ولا قريب. ايضا هناك آراء تقول بان حكومة الشيشان هي التي تقف وراء هذه الاضطرابات في داغستان, بعد ان فقدت الامل في الحصول على المساعدات التي كانت موسكو قد وعدتها بها لازالة اثار الدمار الذي خلفته الحرب, واعادة اعمار الشيشان, وانها لجأت لهذا الامر كورقة ضغط على روسيا لتجبرها على تنفيذ وعودها السابقة. وهذا الرأي ربما يكون صحيحا إلى حد كبير, خاصة وان الاوضاع في الشيشان تزداد سوءا يوما بعد يوم منذ توقف الحرب هناك, ومعظم الدول الاجنبية التي كانت قد وعدت بمساعدة الشيشان في اعادة تعميرها تراجعت عن تنفيذ وعودها بعد توقف الحرب, ولم تقدم اية جهة اجنبية اي دعم يذكر للشيشان خلال العامين الماضيين, وهو الامر الذي جعل الحكومة الشيشانية والتيارات السياسية داخلها تؤمن بان الدول والجهات التي كانت تؤيدها وتدعمها بشكل غير علني من قبل. لا تريد لها ان تتحول إلى مجتمع هادىء في ظل جمهورية صغيرة لا حول لها ولا قوة داخل روسيا الكبيرة, وانما يريدون لها ان تظل دائما بؤرة ونقطة انطلاق للحركات المسلحة والمتمردة ضد روسيا في منطقة القوقاز, وهو الامر الذي يرفضه الكثيرون في الحكومة الشيشانية, ومنهم الرئيس ماسخادوف, في الوقت الذي يؤيده فريق اخر من العسكريين الشيشان ومنهم شامل باساييف. حسابات روسية وربما يكون للنزاع في داغستان علاقة مباشرة بالتغييرات السياسية في موسكو وعزل حكومة ستيباشين وتولي فلاديمير بوتين, رئاسة الحكومة الجديدة وتوقعات اعلان الرئيس يلتسين لحالة الطوارىء في البلاد بهدف التأثير على مجريات الاحداث السياسية داخل روسيا على ابواب الانتخابات البرلمانية المقبلة في ديسمبر وانتخابات الرئاسة في يونيو المقبل, الا ان هذا كله لا يلغي دور الطبيعة الحادة للصراعات في منطقة شمال القوقاز والتي تهدف في الاساس إلى اضعاف روسيا اقتصاديا وامنيا واثارة البلبلة والاضطرابات الداخلية فيها, خاصة وان هذه المنطقة تشكل اهمية كبيرة في الاقتصاد الروسي حيث تسير فيها الخطوط الرئيسية لنقل مصادر الطاقة من نفط وغاز إلى كل انحاء العالم, كما انها هي المنطقة الدافئة في روسيا الباردة والمتجمدة غالبية شهور السنة. وهي ايضا المنطقة الوحيدة التي تستطيع عن طريقها روسيا مد الجسور لتكوين تحالفات استراتيجية في وسط وجنوب اسيا. ومع استمرار النزاع المسلح في داغستان, والذي لم تظهر مؤشرات الحسم فيه حتى الان, يتوقع الكثيرون ان تتعامل روسيا مع هذا النزاع بشكل اكثر حزما وقوة وسرعة من تعاملها مع النزاع السابق في الشيشان, ويرجح البعض كفة روسيا في حسم هذا النزاع لصالحها استنادا للدعم والتأييد الكبير للجيش الروسي داخل روسيا وفي داغستان, والذي يؤكد الخبراء العسكريون ان احواله الان افضل بكثير مما كانت عليه وقت الحرب الشيشانية التي لم يكن يتقاضى الجندي الروسي فيها اكثر من 40 دولارا شهريا, بينما تعاملهم وزارة الدفاع الروسية حاليا معاملة المثل مع زملائهم في كوسوفو وتعطيهم اجورا تصل إلى الف دولار في الشهر, إلى جانب الضوء الاخضر الذي منحته الحكومة الروسية للجيش باستخدام كافة الوسائل والاسلحة بما فيها الاسطول البحري في بحر قزوين من اجل حسم الموقف بسرعة.