مرة اخرى وخلال اقل من خمس سنوات تجد الحكومة المركزية في موسكو نفسها مضطرة للتدخل العسكري في احدى جمهورياتها... المرة السابقة كان التدخل في جمهورية الشيشان عام 1994 وبعد معارك عنيفة ومقاومة قوية من الثوار الشيشان انتهى الامر بتوقيع اتفاق بين الطرفين ينهي حالة الصراع. وخلال الايام القليلة الماضية وجدت روسيا نفسها مضطرة للتدخل العسكري في جمهورية اخرى وهي داغستان, بعد ان قامت الجماعات الانفصالية الاسلامية هناك والتي تتمركز في غرب داغستان باعلان تشكيل حكومة دولة داغستان المستقلة في بيان تم توزيعه في العاصمة الشيشانية جروزني... هذا الاعلان لم تقبله روسيا وشعرت معه بالخطر على نفوذها في منطقة شمال القوقاز, ولذلك لم تتردد في ارسال تعزيزات وقوات عسكرية كبيرة تقوم حاليا بشن هجمات جوية وبرية شديدة بهدف القضاء على التمرد الداغستاني وفي اقل وقت ممكن. وهي بذلك تريد استعراض قوتها وارسال تهديدات لأي جمهورية اخرى تفكر في التمرد. ومنذ ان بدأ الصراع العسكري في داغستان وهناك الكثير من التساؤلات تدور حوله, تركز اكثرها حول امكانية ان تتكرر تجربة الشيشان مرة اخرى في داغستان, خاصة وان هناك دعماً كبيراً من جانب الشيشانيين للداغستانيين في صراعهم ضد روسيا. الملف طرح بعض التساؤلات على كل من الدكتور ابراهيم عرفات الاستاذ بمركز الدراسات الاسيوية بجامعة القاهرة, واحمد ابراهيم محمود الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام. اسلوب العنف بداية حرص الدكتور ابراهيم عرفات على ان يشير الى ان هناك اوجه شبه واختلاف بين ما يحدث حالياً في داغستان وما حدث من قبل في الشيشان, فالبنسبة لاوجه الشبه هناك تشابه في المطالب التي اثارتها كل من الشيشان وداغستان وابرزها اقامة دولة مستقلة تطبق الشريعة الاسلامية, ايضا في كلتا الحالتين الشيشانية والداغستانية تم اللجوء الى تبني اسلوب العنف كوسيلة للحصول على المطالب, واخيرا تشابه رد الفعل الروسي في كلتا الحالتين حيث لجأت موسكو الى استخدام القوة في قمع التمرد... ولكن على الرغم من ذلك هناك اوجه اختلاف بين الحالتين الشيشانية والداغستانية, منها انه في حالة الشيشان كانت الحرب ضد موسكو حرباً وطنية شارك فيها كل الشيشانيين وباختلاف فصائلهم. فقد كان هناك اجماع بينهم على استمرار النهج الذي بدأه زعيمهم جوهر دوداييف وهو الابتعاد عن موسكو, ولقد حاول الشيشانيون خلال حربهم الحصول على الاستقلال بأية وسيلة عن موسكو... اما في حالة داغستان فلا يمكن وصفها بأنها حربا للتحرر الوطني, بل انها مزيج من الحروب الاهلية وحروب التحرر الوطني, فليست كل الفصائل السياسية في داغستان تجمع على مطالب الاستقلال بعيداً عن موسكو. ما يحدث هناك هو حرب اهلية ضد الحكومة الحالية التي تقف ضد الانفصاليين, وفي الوقت نفسه حرب من نوع آخر ضد الحكومة المركزية في موسكو. ويضيف الدكتور ابراهيم عرفات: هناك اختلاف ايضا في النتيجة النهائية للصراع الشيشاني ضد موسكو وما يمكن ان يسفر عنه الصراع في الحالة الداغستانية, ففي الحالة الشيشانية استطاع الثوار الشيشان الحصول على اتفاق ضمن لهم الحصول على الكثير من الحقوق... اما في حالة داغستان فلا اتصور ان المكاسب التي حققها الانفصاليون مثل السيطرة على بعض القرى في الوقت الراهن تعد مكاسب كبيرة, فهي مجرد مكاسب مؤقتة. فالتغيير الحقيقي يكون بالاستيلاء على العاصمة وطالما ان الانفصاليين بعيدون عن العاصمة فسيظل تأثيرهم محدودا. ايضا موسكو تستخدم اسلوب العصا الغليظة وهذا يتضح من الحشود العسكرية الكبيرة التي تتم حاليا, وهذا سيمكنها من دحر الفصائل الداغستانية دون ان تضطر لتقديم تنازلات جوهرية كما حدث في حالة الشيشان. فليس من المتصور ان تكون هناك اتفاقيات بين حكومة موسكو وحركة الانفصاليين في داغستان. قدر من الاستقرار وعن تصوره لما يمكن ان تنتهي اليه المشكلة الداغستانية يقول الدكتور ابراهيم عرفات: روسيا مقبلة عل انتخابات برلمانية نهاية العام, وهناك تغيير دائم في الوزارات من جانب يلتسين. وهذا شجع الجمهوريات على القيام بمثل هذه الامور, فالمعارضة الاقليمية وحركات التمرد والانفصال تنشط في هذا التوقيت, واذا استطاع الرئيس الروسي ان يتجاوز مرحلة انتخابات ديسمبر المقبلة وتحقيق قدر من الاستقرار, فان روسيا ستتعامل مع المسألة الداغستانية بسهولة, وبحيث يمكن ان تنتهي هذه الحرب قبل الشتاء المقبل وقبل ان تتكاثر الثلوج. فالحرب هذه المرة لن تطول الى عامين مثلما حدث في الحالة الشيشانية... ايضا حكومة موسكو يمكنها ان تعلن حالة الطوارىء في عموم روسيا وترسل عشرات الآلاف من الجنود وتحقيق انتصار عسكري ضد داغستان, هذا الانتصار العسكري يمكن ان يرفع اسهم الحكومة ويعزز من فرص الرئيس الروسي يلتسين في فرض بعض العناصر على مجلس الدوما. وفي رأي الدكتور ابراهيم عرفات ان حرص روسيا على تصوير الامر على انه حرب اسلامية ضد روسيا, يرجع الى رغبتها في استدرار عطف ومساعدة الغرب لها على اساس انها تقف في وجه اصوليين مسلمين وان هذا يعد خطراً على الغرب قبل ان يكون خطرا على روسيا, وهذا الامر فيه مبالغة كبيرة, خاصة وان العناصر الاسلامية المشاركة التي تحدثوا عنها لا تزيد عن بعض الافغان والافغان العرب والشيشانيين الاسلاميين, قلة قليلة لا يمكن ان يكون لها تأثير كبير على الاحداث... وهناك بعض الاذربيجان شاركوا في الحركة الانفصالية الداغستانية, وموسكو بتكثيف وجودها العسكري في داغستان تريد ان تبعث برسائل الى جميع جمهوريات شمال القوقاز ومنها اذربيجان, انها مازالت موجودة على الساحة وبقوة وانها تستطيع التأثير حتى على الجمهوريات السوفييتية المستقلة مثل اذربيجان. ويعتقد الدكتور ابراهيم عرفات ان النفط ليس عاملاً مباشرا في تحريك الصراع كما تردد, ولكنه ضمن عوامل كثيرة تحرك الامور في المنطقة. وتمثل داغستان بالنسبة الى روسيا اهمية حيوية في شمال القوقاز لسببين: الاول: حرصها على التكامل القومي لان انفصال داغستان يمكن ان يؤدي الى انفراط عقد الامبراطورية الروسية, والثاني: حصتها من النفط. فالمعروف ان 22% من الانتاج الروسي من النفط في جمهوريات شمال القوقاز, وبالتالي لو انفصلت داغستان فان روسيا ستفقد حصة كبيرة من النفط. ولذلك فالتواجد العسكري الكبير لروسيا في داغستان هو للدفاع عن مصالحها الاقتصادية, وبطبيعة الحال تعزيز وجود موسكو في مناطق مثل داغستان والشيشان هو تدعيم لوجودها في مناطق انتاج النفط في اذربيجان, وبالتالي تمارس ضغوطا عليها وتساومها على اكبر نصيب ممكن من عوائد انتاج النفط الاذربيجاني. فرغم استقلال اذربيجان إلا ان روسيا مازالت تمارس عليها ضغوطا وتفرض عليها إتاوة على عوائد انتاج النفط.. واستبعد الدكتور عرفات ان تكون هناك تدخلات خارجية وخاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية, ففي تقديره ان الأمريكيين ليس من مصلحتهم حاليا اثارة حجم كبير من التوتر في روسيا, فليس من المعقول ان تقوم الولايات المتحدة بترتيب مؤامرة مع عناصر متشددة من الاسلاميين هناك من أجل ارباك العمل السياسي في روسيا وخاصة في ظل التوتر القائم حاليا بينها وبين طالبان.. التوتر والصراع الموجود حاليا بين داغستان وروسيا حقيقي وداخلي والولايات المتحدة تمارس دور المنتظر الذي ينتظر مكانه ليرى ما ستسفر عنه الأحداث في منطقة القوقاز, كما تأمل الا يأتي هذا الضعف بقوة للتيار الاسلامي المتشدد في هذه المناطق... الولايات المتحدة تأمل ايضاً ان تطول الحرب لانها ستنهك كلا الطرفين وهي تستفيد من ذلك, اما انها لعبت دورا في اذكاء الصراع الدائر حاليا فهذا ليس صحيحا, فالصراع قام ويستمر لاسباب ترتبط بعوامل داخلية مرتبطة بصميم التطور السياس في روسيا ولا توجد علاقة للتدخلات الخارجية فيه. أزمة الاندماج اما احمد ابراهيم محمود فيرى ان الحركة الاستقلالية الجديدة في جمهورية داغستان تعد تعبيرا جديدا عن ازمة الاندماج الوطني داخل الاتحاد الفيدرالي الروسي, حيث لم تقف حكومة موسكو من ازمة الشيشان حتى اندلعت مجددا ازمة جمهورية داغستان. وتعود جذور هذه المشكلات الى الطابع التعددي القومي للاتحاد الروسي ذاته, وذلك ان روسيا تعتبر بمثابة كيان اتحادي يضم عشرات القوميات المتباينة, ويعتبر المسلمون احد اهم العناصر الديموجرافية في الاتحاد الروسي, ويبدو ذلك واضحا بصفة خاصة في الكثافة الاسلامية العالية في بعض جمهوريات الحكم الذاتي الداخل في نطاق روسيا الاتحادية, لاسيما جمهوريات الشيشان وداغستان وتتارستان وانجوشيا. وخلال فترة ما قبل الانهيار فشلت الصيغة الماركسية اللينية التي كانت متبعة من قبل الاتحاد السوفييتي للتعامل مع المسألة القومية في الاتحاد السوفييتي السابق, وهو الفشل الذي نتج بفعل العديد من الاعتبارات, لعل من اهمها ارتكاز الصيغة المذكورة على محاولة تذويب البناء القومي الديني القائم في البلاد من خلال اعلاء الانتماء الطبقي ولايديولوجي على قمع القوميات المختلفة واجراء عملية اعادة توطين واسعة للعديد من القوميات في البلاد, ايضا السياسة القومية للاتحاد السوفييتي السابق ومن بعده روسيا الاتحادية اعتمدت على اعلاء دور العنصر القومي الروسي في البلاد. وفي نفس الوقت لعبت عملية التحديث دورا بالغ الاهمية في احياء وانعاش الانتماءات القومية في الاتحاد السوفييتي, وينطوي هذا الدور على ان التحديث والتصنيع والنمو الاقتصادي في جمهوريات الاطراف ادى الى زيادة قدرة القوميات غير الروسية على الاستقلال عن المركز الروسي, لاسيما الجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز وجنوب البلاد, كما ساعد النمو الاقتصادي على بدء عملية بناء التكامل بين المنتمين الى القومية الواحدة. وفي اعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي ظلت حركة المد القومي والديني تنمو بصورة مطردة في العديد من جمهوريات الحكم الذاتي داخل الاتحاد الروسي وبالذات الجمهوريات الاسلامية التي كانت اكثر تعرضا للقهر والاذلال من غيرها, مثل جمهوريات الشيشان وداغستان وتتارستان, وقد تبنت هذه الحركة اتجاها استقلاليا في مواجهة الهيمنة الروسية. المد الاستقلالي وتبلورت بالفعل حركات قومية وديمقراطية في تلك الجمهوريات, تولت قيادة الجهود المناهضة لروسيا, وعملت على تكتيل الجماهير وحشدها بل والسعي الى اقامة مؤسسات الدولة المستقلة المنشودة. وقد جاءت هذه التوجهات بمثابة تأكيد عملي على تصاعد الموجه القومية الاستقلالية داخل الاتحاد الروسي, كما اكدت على حالة الارتباك السياسي والتردي الاقتصادي التي باتت تطبع حركة التفاعلات العامة في روسيا, واصبحت تلعب دورا بالغ الاهمية في تغذية الاتجاهات القومية الاستقلالية لدى الشعوب غير الروسية. وفيما يتعلق بالمقارنة بين ما يحدث حاليا في داغستان وما حدث من قبل في الشيشان يوضح احمد ابراهيم محمود ان الحالتين تتسمان معا بأن الصراع اندلع فيهما بسبب تنامي الروح الاستقلالية المعادية للهيمنة الروسية, بالاضافة الى ان الصراع المسلح اتخذ في الحالتين صورة حرب الاستنزاف ضد القوات الفيدرالية الروسية. ففي الحالتين كانت القوات الاستقلالية تواجه قوات فيدرالية اكثر عددا وافضل عدة وتسليحاً, وكان من الضروري في هاتين الحالتين اتباع تكتيكات حرب العصابات من اجل تحييد التفوق العسكري الروسي. ايضا الحرب استمرت لفترة طويلة في الشيشان وتبدو كذلك مرشحة للاستمرار في جمهورية داغستان, ولن يشهد الصراع نهاية سريعة في داغستان, وذلك لعدة اعتبارات يأتي في مقدمتها التضاريس الوعرة لتلك البلاد, وقوة الروح الاستقلالية وارتفاع مستوى الروح القتالية للقوات الاستقلالية في الحالتين, بالاضافة الى ان الحرب في الحالتين خضعت لقيادة واحدة تقريبا حيث يلعب القائد الشيشاني الاسطوري شامل باسييف دورا هاما في قيادة القوات الداغستانية في الوقت الحالي, مثلما لعب دورا هاما في قيادة القوات الشيشانية في مواجهة القوات الروسية, وقد استعان به الداغستانيون بسبب قدرته القتالية الفذة وايضا بسبب نجاحه في تحقيق الانتصار على القوات الروسية في حرب الشيشان. ثروات هائلة ويشير احمد ابراهيم محمود الى ان هناك اختلافات ضخمة بين الحالتين الشيشانية والداغستانية, حيث ان الموقع الاستراتيجي لداغستان اهم كثيراً من الشيشان بالنسبة للحكومة الروسية, كما ان داغستان تتمتع بثروات طبيعية هائلة بالمقارنة مع الشيشان, وهو ما قد يجعل من غير الممكن بالنسبة للحكومة الروسية التنازل عن داغستان على نحو مافعلت في الشيشان ايضا الروح الاستقلالية التي تعتبر اقوى كثيرا من مثيلتها في داغستان حيث نمت الروح الاستقلالية في الشيشان بسرعة عقب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق, في حين انها تأخرت كثيرا في داغستان, ويعود ذلك الى انه على الرغم من ان اغلبية الشعب الداغستاني تنتمي الى الدين الاسلامي, الا انه ينقسم من ناحية الاصول الاثنية واللغوية حيث يتحدث حوالي 20 لغة وينقسم فيما بين جماعات سكانية وعرقية عديدة, وهو ما اعاق النمو السريع للحركة الاستقلالية في داغستان, وهو ما يدعو الى الاعتقاد ايضا ان الروح الاستقلالية في داغستان لن تصمد طويلا, في نفس الوقت الحرب في الشيشان كانت تشمل معظم اراضي الجمهورية تقريبا, في حين انها تقتصر على نسبة قليلة من الاراضي الداغستانية, كما ان الاستقلاليين الشيشان كانوا يسيطرون على كافة المرافق والسلطات في حين ان الاستقلاليين الداغستانيين لم يصلوا بعد الى هذا المستوى. مواقف أكثر طموحاً ويضيف احمد ابراهيم محمود ان الصراع في داغستان يختلف عن مثيله في الشيشان ايضا من حيث ان الاستقلاليين الداغستانيين يتبنون مواقف اكثر طموحا واوسع نطاقا من الشيشانيين, حيث دعوا الى اقامة جمهورية اسلامية تضم كل الجمهورية الاسلامية في شمال القوقاز وفصلها عن الاتحاد الروسي, كما اعلنوا بالفعل عن قيام دولة اسلامية مستقلة... وعموما فان الصراع في داغستان لن يكون سهلاً بالنسبة للقوات الروسية باعتراف المراقبين الروس انفسهم, ولن يكون من الممكن وضع نهاية قريبة له, وتشير جملة هذه التطورات الى ان الحل الوحيد الممكن لمشكلة القوميات في روسيا الاتحادية يتمثل في انهاء حالة القمع والهيمنة الروسية على باقي القوميات والاتجاه نحو سياسة اكثر اندماجا واكثر عدالة في مختلف مجالات المشاركة السياسية, وتوزيع الموارد فيما بين القوميات المختلفة داخل روسيا. القاهرة: مكتب البيان