تعتبر أزمة داغستان التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2 مليون نسمة, واحدة من المشاكل الداخلية والصراعات الروسية الخطيرة منذ ازمة الشيشان مع روسيا وانفصالها في عام 1996, وعلى الرغم من ابتعادها عن دائرة الضوء الا انها منذ ذلك الحين لم تكن منطقة آمنة ولم تنعم بالهدوء وتعقد المقارنة باستمرار بينهما على الرغم من وجود اختلافات كبيرة, ولم يكن مستبعدا عن التصور الروسي نشوب ازمات اخرى ومحاولات للانفصال داخل الجمهوريات السوفييتية السابقة والمطالبة بحق تقرير المصير, تلك المواجهة الصعبة التي تعتبرها روسيا منذ بداية التسعينيات اكبر عدو لها. فقد كان متوقعا ان يشجع استقلال الشيشان دويلات اخرى على التحرك في عمليات انفصالية للتخلص من النفوذ الروسي, خاصة مع ضعف السلطة السياسية وتأثير الأزمة الاقتصادية على روسيا وقوتها سلبا, ومن هنا كانت المبادرة الروسية للتحرك العسكري بعنف ضد حركة الاسلاميين الانفصاليين في داغستان والضرب بيد من حديد ودفع القوات الروسية للقضاء على ما اسمته بحركة التمرد غير ان الصراع الدائر الآن يوحي بأبعاد اكبر لاتساع نطاق هذا الصراع ليشمل كل منطقة القوقاز, خاصة مع مساندة عناصر شيشانية للانفصاليين في داغستان, وفي كل هذا تواجه روسيا امتحانا عسيرا بين ان تثبت قوتها او تستمر في هزيمتها على غرار ما واجهته في الشيشان. حول القضية الداغستانية... اسبابها... تداعياتها... نتائجها والظروف المحيطة بها, كان لـ (الملف) هذا الحوار مع الخبير السياسي في شؤون آسيا الوسطى والقوقاز كريم علي الدين عضو المؤسسة الاسلامية لنشر الدعوة في أوروبا. جذور الصراع * ما تأثير الخلفية التاريخية لداغستان على ما يحدث الآن من صراع ومدى الاهمية التي تمثلها لروسيا؟ ـ لداغستان وضعية خاصة وان كانت تتشابه في عناصرها العامة مع معظم الجمهوريات الاسلامية الواقعة تحت قبضة روسيا حيث تقع داغستان في شمال القوقاز ويبلغ عدد سكانها حوالي 2 مليون نسمة, 70% منهم تسكن المناطق الجبلية القروية و30% في المدن ومساحتها حوالي 50 ألف كم مربع, تأسست كجمهورية عام 1921م ويمثل المسلمون فيها نسبة 86% من اجمالي عدد السكان, حيث دخلها الاسلام منذ خلافة عمر بن الخطاب, وعرفت بها اللغة العربية وهي لغة الاسلام, بل صارت اللغة العربية هي الرسمية والمتعارف عليها في بعض المناطق التي كانت تكافح ضد الاحتلال الروسي, خاصة تلك التي كان يسيطر عليها رجل الدين الاسلامي (شامل) والذي قاد الكفاح ضد الروس لسنوات طويلة, وفي عام 1928 الغت روسيا اللغة العربية وفرضت مكانها اللغة الروسية كنوع من اضعاف الاسلام بداغستان. والآن يضم الشعب الداغستاني توليفة متنوعة من الاجناس فبجانب 150 الف روسي توجد 30 مجموعة من الاقليات المختلفة الغالبية تدين بالدين الاسلامي وتوجد بينهم خلافات لها جذور عميقة عبر التاريخ, ومن هنا فالخلفية التاريخية ووجود النسبة العظمى من المسلمين بتلك الجمهورية, انما يمثل عبر التاريخ شرارة قابلة للاشتعال في وجه روسيا للتحرر من تلك السيطرة التي جثمت على صدرها عقودا طويلة منذ قيام الثورة البلشفية. والاهمية التي تمثلها داغستان لروسيا تتمثل في وجود احتياطي كبير من البترول بداغستان فلن تترك روسيا هذه الثروة تسقط في يد الولايات المتحدة الامريكية التي قامت بمد خطوط انابيب بترول من اذربيجان عبر جورجيا لزيادة نفوذها في المنطقة, كما ان داغستان هي من المناطق الجبلية التي تنتشر فيها تجارة المخدرات بسبب لجوء عناصر المافيا هربا من العاصمة الروسية موسكو اليها, ولروسيا مصلحة في احكام يدها على تلك المناطق لضرب عناصر المافيا والقضاء على مصادر الاتجار بالمخدرات. * هل هذا يعني ان روسيا ستستمر في حربها ضد الانفصاليين حتى تخضعهم او تقضي عليهم مهما طال أمد الصراع؟ ـ في الواقع ان الخوف الحقيقي على داغستان هو ان تضرب الخلافات في الاعماق داخل الشعب الداغستاني, وتتحيز جماعات للروس وجماعات اخرى للذين يطالبون بالانفصال واقامة دولة اسلامية وتنخرط داغستان في حرب اهلية, وتصل لوضع اشبه ببداية الحرب الاهلية في لبنان, ولو حدث ذلك, فلن يكون امام روسيا الا التظاهر المؤقت بالتخلي عن داغستان كاملة, ثم تعود للانقضاض المدروس, فالمصالح الروسية الاستراتيجية والاقتصادية ستدفعها للعب بكل ما تملكه من اوراق, والسؤال الذي يثور: هل روسيا على استعداد لدفع ثمن باهظ مثل الذي دفعته ابان حرب الشيشان؟ ام انها ستدخل في مقايضة سرية مع أمريكا والغرب, وتأخذ المقابل المناسب لدخولها نهائيا تحت المظلة الغربية, وتكف عن الرغبة في لعب دور مستقل؟ الواقع يقول بان روسيا لاتملك فرقة عسكرية تسمح لها بالدخول في معركة من هذا النوع, وهذا ما اعلنه صراحة مؤخرا (بافيل فياجينهاور) المحلل العسكري الروسي, مما يرجح كفة التوجه الروسي نحو شباك الغزل الغربي. مخاوف روسيا * هل يمكن مقارنة الصراع الدائر الآن بصراع روسيا مع الشيشان وانتصار الاخيرة؟ ـ الصراع الجديد في القوقاز يختلف في جانب يعد ايجابيا بالنسبة لروسيا, وهو ان داغستان اكثر سهولة من الشيشان من حيث امكانية السيطرة الروسية عليها, ورغم ذلك يبدو الامر صعبا بالنسبة لموسكو التي تبذل جهودها منذ الاسبوع الاول من هذا الشهر للقضاء على 1200 ممن يطلق عليهم (الاسلاميين الاصوليين) او (الميليشيات الاسلامية) المطالبين بالاستقلال ويسميهم انصارهم المجاهدين او المكافحين وما تحمله هذه الاوصاف من معان يفسر اختلافات وجهات النظر ومواقف كل من الكرملين والجمهوريات الاسلامية, فروسيا تريد باي ثمن القضاء عليهم حتى لاتستشري العدوى الانفصالية, خاصة الاسلامية التي تلقى دعما, ومساعدات من بعض الدول الاسلامية وتتميز تلك الحرب بانها نجحت بسرعة في جذب الاهتمام الدولي الحالي بهذا القدر الكبير وذلك لارتباطها بثلاث قضايا وهي: ـ بوريس يلتسين وحكومة الكرملين في فترة مابعد يلتسين. ـ كشف اللثام ونزعه عن المناطق التي تعتبر مستعمرة حتى الآن. ـ النفوذ الكبير لروسيا وارتباطها بالبترول. لهذا فتلك الحرب تعد اختبارا قاسيا لروسيا وقوتها في هذه المرحلة بالمقارنة بحرب الشيشان لذلك نجد ان رئيس الوزراء الروسي الجديد فلاديمير بوتين, العميل السابق ورئيس الاستخبارات الروسية سابقا (كيه جي بي) الذي تم تنصيبه فجأة من قبل الرئيس يلستين, قد اقسم على وضع نهاية للمتمردين في داغستان, وحدد لها مدة اسبوعين على اقصى تقدير, حتى لو اضطر للهجوم على الشيشان الدولة المجاورة لاخماد التمرد. ولهجة ويقظة بوتين تعيد الى الاذهان موقف بافيل خارتشوف وزير الدفاع الروسي الاسبق الذي توعد في شتاء 1994 ان جيشه سيقضي نهائيا على كل من يطالب بحق تقرير المصير في الشيشان ومعهم كل المتمردين! وكانت النتيجة ـ بعد مرور عامين على الحرب الاهلية البشعة ـ 10 آلاف قتيل وجريح من المكافحين في الشيشان وفي اغسطس عام 1996 في جروزني افرزت حرب الشيشان نصف اتفاقية سلام روسية, ولم تنجح القوات الروسية في ضرب الشيشانيين الا على الاراضي المكشوفة المسطحة فقط, وفشلت فشلا ذريعا في الوصول للمناطق الجبلية لذلك نجد في الصراع الدائر الآن في داغستان ان الكرملين استوعب الدرس من حرب الشيشان وفضل الخيار العسكري لضرب الميليشيات الاسلامية عن طريق الجو باستخدام الطائرات الحربية والمروحية, ولم يستخدم القوات العسكرية البرية خوفا من الدخول في مواجهة يخسر فيها في الميدان العسكري, حيث ان القوات العسكرية الروسية ليست على دراية كاملة باسرار الجيوب الجبلية التي يتخذ منها الاسلاميون مواقع للتدريب والاعاشة وتخزين الاسلحة, ومن ناحية ثانية يعاني معظم أفراد الجيش الروسي من حالة احباط, وأيضا خوف روسيا أن تتكبد خسارة سياسية أكبر تضعف من شأنها على الساحة الدولية, وتجعل نظرة حلف شمال الأطلسي لها متدنية. ولمزيد من التوضيح في هذا الاطار يقول قادة الناتو: إذا كانت روسيا غير قادرة عسكريا على حسم خلاف على أراض مجاورة لها وتعتبرها ـ روسيا ـ تحت سيادتها, فكيف تطالب ان تكون عضواً فعالا في الحلف الأطلسي. صدمة الشيشان * إذن هل يمكن القول بأن حركة الاسلاميين الانفصاليين الآن هي من افرازات حرب الشيشان؟ ـ لقد كان لحرب الشيشان العديد من الافرازات السلبية بالنسبة لروسيا, ومحصلة الهزيمة والمهانة التي تكبدتها قواتها والتي كانت ذات يوم قوة عالمية يحسب لها ألف حساب, في مقدمتها تنامي عمليات السطو المسلح والتهريب والسرقة والخطف, التي يقوم بها جنود وضباط سابقون في الجيش الروسي, فقد كانت حرب الشيشان عام 96 بمثابة الصدمة المروعة لهؤلاء الجنود, لأنها ادت إلى استقلال الشيشان واعلان الشريعة الاسلامية, ذلك القانون الالهي الذي يثير الرعب في أوساط الارث الشيوعي الروسي, لتأكيد فشل الشيوعية كسياسة وايديولوجية أمام الغرب الأوروبي وأمريكا, وأمام المجتمع الروسي الذي اضطر مجبرا للسير في طابور الشيوعية الذي اعتبر الدين (أفيون الشعوب) منذ لينين وحتى عصر الاصلاحي صاحب سياسة (البروتوسترويكا) ميخائيل جورباتشوف, وقد ساهم في إفرازات حرب الشيشان قدوم (أصلان ماسخادوف) في عام 1997 كرئيس للشيشان, فهو محل خلاف منذ البداية خاصة من طرف الأصوليين الذين يعتبرونه منافسا لهم وعلى رأسهم شاميل باساييف الذي يقود حاليا الحركة الاسلامية في داغستان وتذهب أحلامه إلى توحيد داغستان والشيشان في دولة إسلامية على بحر قزوين. * هل يمكن اعتبار الحركة الاسلامية في داغستان صحوة اسلامية للتحرر النهائي من الهيمنة الروسية, سواء في داغستان أو الجمهوريات الاسلامية الأخرى؟ ـ لابد من توضيح جزء مختصر للخلفية التاريخية الحديثة لاستيعاب ما يجري على الساحة الآن في الصراع القائم بين الحركة الاسلامية في داغستان والقوات العسكرية الروسية, تلك الأزمة التي ظهرت على السطح في 7 أغسطس الجاري. فقد كانت الشرارة الأولى لبداية الصحوة الاسلامية الحقيقية والرغبة في تكوين جمهوريات اسلامية مستقلة بعيداً عن النظام الشيوعي, حينما تنبه الضابط جوهر داودييف بخبرته العسكرية إلى قرب سقوط الاتحاد السوفييتي, وهو الأمر الذي دفعه لتقديم استقالته من القوات المسلحة بعد فشل الانقلاب العسكري ضد الرئيس السوفييتي السابق ـ مخائيل جورباتشوف ـ وعاد لبلده الأصلي (الشيشان) سعيا لتحقيق حلم الاستقلال القديم في تأسيس جمهورية اسلامية مستقلة في شمال القوقاز, وتجسد ذلك في ايقاف الزحف الروسي لمنطقة القوقاز على يد الشيخ (منصور الشيشاني) وبُعثت الروح الوطنية من جديد في الحركة الصوفية الاسلامية بقيادة ثلاثة من الشيوخ هم: غازي ملا, شامل, حمزة. وعلى الرغم من ان نتائج الانتخابات الحرة تمثلت في فوز جوهر داودييف بنسبة 80% من أصوات الناخبين, إلا ان روسيا الاتحادية لم توافق عليه ورفضت اعلانه لاستقلال جمهورية الشيشان عنها في عام 1991, وذلك لما تتمتع به الشيشان من أهمية استراتيجية. ومن هنا تتضح التفرقة التي تعامل بها الرئيس (بوريس يلتسين) مع جمهورية تتارستان, التي توجد في حوض نهر الفولجا وتتمتع بأغلبية اسلامية, حينما طالبت بالاستقلال ووافق يلتسين على ان يكون ذلك داخل اطار فيدرالية روسيا, ويأتي الاختلاف في تعامل روسيا من منطلق كون الشيشان تتمتع بموقع جغرافي فريد ومتميز, حيث انها المنطقة الموجودة على سفوح الجبال القوقازية الشمالية الفاصلة بين حضارتين تشكلان الصراع القديم بين الثقافة الاوروبية والاسلامية. وقد أدت تفرقة روسيا في التعامل مع الشيشان وجمهورية تتارستان إلى قيام الحرب في الشيشان ضد روسيا ونجاحها في الانفصال والاستقلال, وكانت هذه بداية لصحوة اسلامية من شأنها تشجيع بقية الجمهوريات الاسلامية في الاتحاد الروسي الفيدرالي للاستقلال والانفصال, وما يحدث الآن في داغستان استمرار لهذه الصحوة والتي من المنتظر امتدادها وانطلاقها وعدم توقفها رغم العنف الروسي في مقاومتها. المسلمون في روسيا الاتحادية يقدر عدد اجمالي المسلمين في الاتحاد السوفييتي السابق والمعروف حاليا بروسيا الاتحادية بحوالي 59 مليون نسمة منهم 43 مليون نسمة موزعين في: 1ـ منطقة القوقاز: وتضم كلا من جمهورية أذربيجان الاتحادية, وعدة أقاليم تتمتع نسبيا بالاستقلال الذاتي داخل أرمينيا وجورجيا, وهذه الجمهوريات تقع في مرتفعات القوقاز, ومساحة الأراضي التي يوجد فيها المسلمون 389 كم مربع, ويوجد بها حوالي 21% من اجمالي عدد المسلمين في الاتحاد السوفييتي السابق. 2 ـ منطقة تركستان: التي تعتبر مقاطعة لجمهوريات وسط آسيا شرق بحر قزوين ومساحتها 490 ألف كم مربع, وبها حوالي 66.5% من اجمالي عدد المسلمين, وتضم 5 جمهوريات من اجمالي 15 جمهورية اتحادية تكون الاتحاد السوفييتي السابق وهي تركمانستان, أوزبكستان, كازاخستان, طاجيكستان, قيرغيزستان). 3ـ منطقة روسيا الاتحادية: يوجد حوالي 15% من اجمالي عدد المسلمين في الاتحاد السوفييتي السابق موزعين في منطقة تبلغ مساحتها حوالي 1.3 مليون كم مربع, ويطلق عليها وادي الفولجا الأوسط في تتاريا وبشكيريا والشوفاش. حوار سعيد السبكي