جذبت الأحداث في داغستان اهتمام العالم خلال الأيام الماضية, رغم ما رافقها من أحداث كبرى من أبرزها الزلزال الذي هز تركيا مخلفا عشرات آلاف الضحايا ودماراً هائلاً لم تشهد البلاد مثله في تاريخها المعاصر . فقد فرضت التصورات الداغستانية نفسها بسبب أهميتها السياسية والاستراتيجية بالنسبة إلى روسيا الاتحادية, وكذلك بحكم موقعها قرب (منجم الثروات) الهائل في منطقة بحر قزوين, حيث تتقاطع مصالح اقليمية ودولية وصراعات عرقية ودينية متعددة. ورغم الانتصار الذي أعلنت عنه الحكومة الروسية بسيطرة قواتها على المناطق التي سبق ان استولى عليها المقاتلون (الاسلاميون) إلا ان أسباب التمرد وجذور الصراع مازالت قائمة, بل وقابلة للتوسع والانتشار على امتداد المنطقة القوقازية وصولاً إلى جمهوريات آسيا الوسطى (السوفييتية السابقة). وقد بدأت بعض الدلائل على هذا الاحتمال, حيث اختطف مسلحون عددا من الرهائن في قيرغيزستان, وأعلن مسؤول حكومي مقتل عشرة من الخاطفين خلال معركة لإطلاق الرهائن. أما المقاتلون الذين بدأوا التمرد في داغستان وأعلنوا (جمهورية إسلامية) , فقد ترددت معلومات روسية عن انهم يحضرون لهجوم جديد, بعد انسحابهم من المواقع التي كانت تحت سيطرتهم. كل ذلك يدفع العديد من المحللين والمراقبين الى الاعتقاد بأن التصدعات التي يواجهها جدار الاتحاد الروسي, ما زالت مرشحة للاتساع أكثر, خاصة في الأجزاء القوقازية المتذمرة من سيطرة الروس, والمتطلعة الى مزيد من تحقيق هويتها الثقافية والحضارية, فضلا عن اهمال السلطة المركزية الروسية لهذه المناطق فيما يتعلق بتوزيع الثروة وتوفير الخدمات الأساسية الضرورية. وفوق كل هذه الأسباب التاريخية والعرقية والاقتصادية لتغذية الصراعات والنزاعات الداخلية, فإن الأسباب الخارجية, اقليميا ودوليا, لاتقل تأثيرا واهمية عنها, سواء لجهة التنافس على الهيمنة, او التسابق الى الثروات الهائلة في المنطقة. فالدول الاقليمية, مثل تركيا وايران والصين ايضا, لكل منها حساباتها الخاصة ومطامحها وروابطها العرقية والدينية والثقافية, وتتسع الدائرة على المستوى الدولي لتشمل النزوع الامريكي الى الهيمنة في اطار سعيها الدائم لبسط هيمنتها على مختلف بقاع العالم من ناحية, وللضغط من ناحية اخرى, على اكبر قوتين في المنطقة, روسيا والصين, حتى لاتشكلا منافسا لها اقليميا ودوليا, في المدى القريب على الاقل. وهكذا, فانه رغم انتهاء, او تراجع, التمرد حاليا في داغستان, فان اسباب التمرد وبواعث الصراع مازالت مدفونة تحت الرماد وقابلة للاشتعال في اي وقت آخر في المستقبل.