دبلوماسية المعارض , هذا هو المصطلح الجديد الذى دخل قاموس العلاقات المصرية الايرانية بعد أن تم الاتفاق بين البلدين على مشاركة مصر فى معرض طهران الدولى فى شهر أكتوبر المقبل , كما تم وضع اللمسات الأخيرة لاتفاق يقضى باقامة معرض خاص للمنتجات المصرية فى ايران فى مايو المقبل من العام 2000 , إلى جانب عقد اتفاق بإقامة معرض دائم للمنتجات المصرية فى ايران , مقابل معرض دائم للمنتجات الايرانية فى القاهرة . اللافت فى هذا التطور الجديد بين البلدين أن أبطاله ليسوا من الكوادر الحكومية وأن المحرك الرئيسى فى مجال دبلوماسية المعارض هو , مرسى الأدهم رجل الأعمال المصرى الذى يعد أحد رموز القطاع الخاص الناشط حاليا فى مصر , الأدهم يعمل بمبادرات جريئة على مستوى دعم العلاقات الاقتصادية المصرية الايرانية حتى أنه نجح فى توقيع عقد صفقة متكافئة بين القاهرة وطهران قيمتها 100 مليون دولار , ومن المنتظر أن تستقطب هذه الصفقة عددا كبيرا من المستثمرين المصريين والايرانيين الذين يضمهم مشروع واحد للمرة الأولى. البيان حاورت رائد دبلوماسية المعارض بين مصر وايران, ورغم أنه اجتهد فى الابتعاد عن السياسة خلال الحوار اعترف بنفسه أنه بدأ العمل فى حقل ألغام كبير , وأكد أن التعاون الاقتصادى مع ايران لا يبتعد كثيرا عن دبلوماسية البنج بونج بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. * أعلنتم مؤخرا عن صفقات اقتصادية كبيرة مع ايران وتقومون بتنظيم معرض للمنتجات المصرية فى طهران متى بدأت تعاونك مع الجانب الايرانى وما هى المميزات التى تعتقد أنه يمكن تحقيقها من هذه الخطوات ؟ * بدأت التعاون مع الايرانيين منذ حوالى 30 شهرا وكانت زيارة وزير الخارجية الايرانى السابق على أكبر ولاياتي أحد الأسباب التى دفعتنى للتفكير فى مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين وبدأنا فى متابعة دقيقة للخطوات التى يتم قطعها بين البلدين على اعتبار أن كلا البلدين تمثل أرضا بكرا للطرف الآخر وكان يقينى أن المسألة ليست سهلة خاصة أن هناك عقبات أمام عودة علاقات البلدين بشكل طبيعى لكن السياسة التى اتبعتها القيادة المصرية فى هذا الاطار تميزت بحكمة كبيرة حيث تم الفصل بين السياسي والاقتصادي, ودخلت مصر فى علاقات مع ايران تحت مظلة مجموعة الثمانى الاسلامية التى كان قد دعا اليها اربكان رئيس الوزراء التركي السابق ثم بدأت العجلة تدور على نطاق ضيق حتى طرحنا نحن تلك المبادرة. * ما هى المميزات التى يمكن أن تستقطب رجال الأعمال المصريين للتعاون مع ايران؟ ـ ايران سوق كبيرة وعدد سكانها 64 مليون نسمة ومن الجريمة فى حق أى بلد أن تهمل ايران بأى صورة من الصور ولعلكم تابعتم التغير فى موقف أمريكا تجاه ايران وليبيا والسودان بسبب رغبة واشنطن فى تصريف ما لديها من مخزون من الحبوب بناء على مطالب المزارعين الأمريكيين ,ومساعد وزير الخزانة الأمريكى أكد أن هذه الصفقة ستؤدى الى أرباح قيمتها 2 مليار دولار ,وإذا كانت أمريكا على تشددها تجاه هذه البلدان تفكر بطريقة تضمن مصالحها وتحقق لها المليارات من الأرباح فلماذا نحن الوحيدين خارج دائرة التعاون مع ايران فى حين يتسابق العالم على هذه السوق الهائلة, بالاضافة الى أن مميزات ايران لا تقتصر على هذا الأمر فقط ولكنها تعد معبرا رئيسيا للاسواق فى الجمهوريات السوفييتية المستقلة بل والى جمهوريات الكومنولث الروسى وحتى موسكو ,ومصر أيضا تمثل معبرا الى أفريقيا من وجهة النظر الايرانية واذا تعاون البلدان فى أن يكون كلا منهما معبرا لبضائع الآخر فإن ذلك سوف يؤدى لتوسيع الاسواق امام منتجات البلدين بصورة كبيرة , ويمكن أيضا الدخول فى استثمارات ايرانية مصرية مشتركة كما هو حادث فى شركة مصر ايران للغزل والنسيج والتى تصدر لأكثر من 30 دولة فى العالم , ولاشك أن هذا التعاون سيكون له مردود ايجابى كبير ,و من جهة أخرى فإن ايران لديها فوائض مالية كبيرة تريد استثمارها فى الخارج وأعتقد أن مصر يمكن أن تكون أول المستقبلين لتلك الأموال. فكرة المعرض * كيف وصلتم الى اتفاق لاقامة المعرض المصرى فى طهران والتوقيع على عقد الصفقة المتكافـئة بقيمة مائة مليون دولار رغم الأجواء الملبدة بالغيوم بين البلدين واقتصار التعاون على المجال الحكومى وفى نطاق محدد؟ ـ حين فكرنا فى اقامة المعرض تقدمنا بطلب رسمى الى الدكتور احمد جويلى وزير التجارة والتموين ووجدنا منه ترحيبا كبيرا واعتبر أن هذه الفكرة فدائية وجسورة وسمح لنا بعقد مؤتمر موسع فى احدى قاعات وزارة التموين والتجارة لتدشين العلاقات بين البلدين على مستوى القطاع الخاص وحين فكرنا فى المعرض كانت هناك بعض المخاوف والمحاذير وكنا كمن يسير فى حقل ألغام كبير يهدده الانفجار فى أى لحظة ,ولكننا نجحنا فى عبور جزء كبير من المسافة و صدر لنا القرار الوزارى 686 من وزارة التموين بتنظيم أول معرض لمصر فى ايران فى مايو القادم وسوف يسبقه مشاركة مصر في معرض طهران الدولى فى أكتوبر المقبل بجناح كبير يشمل 700 متر مربع كما تم الاتفاق على اقامة معرض دائم للمنتجات المصرية فى ايران ومعرض دائم لايران فى مصر. ولكن ورغم هذا النجاح كان تقديرنا أن الأمر اذا اقتصر على المعارض فإن النتيجة لا تكون ملموسة بشكل عملى لذلك كان التفكير فى عقد صفقة متكافئة للتبادل السلعى كخطوة أولى وقد وقعنا بالفعل مع الجانب الايرانى صفقة متكافئة للتبادل التجارى تمت بمعاونة ودعم رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية فى ايران السفير محمد رفاعة الطهطاوى وقد كانت تلك خطوة كبيرة مباشرة لدعم التعاون بين البلدين بطريقة غير تقليدية وعلى مستوى رجال الاعمال والمؤسسات المصرية والايرانية المختلفة. * كيف كانت استجابة الجانب الايرانى لهذا العرض؟ ـ الحقيقة كانت لديهم استجابة فورية وعملية من كل القطاعات و ذلك فى تقديرى لأنهم يؤمنون بأهمية التعاون الاقتصادى مع مصر ودعم العلاقات بين البلدين , وهذا التوجه نحو مصر أصبح سمة مميزة لكافة القطاعات فى ايران سواء اقتصادية أم سياسية وقد وجدت تعاونا كبيرا من المسئولين فى وزارة التجارة الايرانية و غرف الصناعة والتجارة فى طهران التى رحبت بأفكار التعاون بين البلدين بصورة كبيرة. * وكيف كانت استجابة رجال الأعمال المصريين لعرض منتجاتهم فى ايران والمشاركة فى مشروع الصفقة المتكافئة؟ ـ استجابة كبيرة جدا فمنذ أن تم الاعلان عن الصفقة وعن المعرض لم تنقطع الطلبات بالمشاركة وهناك طلبات للتصدير من كل الشركات القابضة والتابعة فى مصر ومن مركز تنمية الصادرات وجمعيات رجال الأعمال والمستثمرين. * ما هى أنواع السلع والمنتجات التى يمكن للسوق المصرية أن تحتاجها من ايران؟ ـ ايران متقدمة فى الصناعات الثقيلة كالسيارات وبعض الصناعات الغذائية الى جانب الياميش والمكسرات الذى تحتاجها السوق المصرية وقد تبادلنا قوائم السلع المطلوبة فحصلنا من الجانب الايرانى على قائمة بحوالى 75 سلعة يمكن تبادلها , كما تقدمنا من جانبنا باقتراحات متعددة فى هذا المجال وسوف يذهب وفد من الشركة برئاستى الى طهران فى مطلع شهر سبتمبر المقبل لوضع اللمسات الأخيرة على هذا الاتفاق تمهيدا لدخوله حيز التنفيذ وبدء التبادل السلعى بالفعل وقد اتفقنا مع أحد البنوك الكبيرة فى مصر على رعاية هذه الصفقة , والحقيقة أن الاقتصاد الايرانى يتمتع بقوة كبيرة نظرا لاعتماده على قاعدة تصنيعية كبيرة خاصة فى الصناعات الثقيلة الى جانب توافر الطاقة بأسعار رخيصة وعلى رأسها النفط , بالاضافة الى أن الاقتصاد الايرانى يعتمد بصورة كبيرة على القطاع الخاص بنسبة قد تتجاوز الخمسين بالمائة من مجمل النشاط الاقتصادى الأمر الذى يتيح مرونة كبيرة فى الحركة ويفتح المجال أمام التعاون مع القطاع الخاص فى استثمارات مشتركة , وهناك أيضا مؤسسات حكومية لديها رؤوس أموال كبيرة مثل الحوزات العلمية ومؤسسة الحرس الثورى ومؤسسة المستضعفين وفوائض الأموال لدى هذه المؤسسات تصل الى مليارات الدولارات التى تبحث عن مجالات جديدة للاستثمار. * هل هناك أمثلة على بدء تحرك هذه الأموال نحو الاستثمار فى مصر؟ ـ بالتأكيد فهناك عروض كثيرة فى هذا الإطار وقد بدأ الاتفاق على اقامة مصانع لإنتاج السيارات والجرارات برأس مال مصرى ايرانى مشترك , وتجرى مباحثات حاليا لإنشاء مجمع لصناعة النسيج بأموال مصرية ايرانية تصل تكلفته الى مليار ومائتى مليون جنيه مصرى وكان فى مصر منذ فترة بسيطة أكبر تركان رئيس هيئة التنمية والاستثمار الايرانية لبحث انشاء هذا المجمع الصناعى الضخم , وبالنسبة للاستثمار داخل ايران فإن المجال مفتوح لرجال الأعمال المصريين خاصة أن ايران لديها قاعدة تشريعية جيدة جدا لرعاية الاستثمار الأجنبى على أراضيها , وتقترب المزايا والإعفاءات الموجودة فى هذا القانون من المزايا التى ينص عليها القانون المصرى. العلاقة المصرية الايرانية * لا تزال أحد المحاذير التى تحول دون تطور العلاقات المصرية الايرانية هى قضية تصدير الثورة ورعاية الارهاب على حد تصريحات كبار المسئولين فى مصر, فهل تعتقد أن هذه الانجازات الاقتصادية يمكن الاطاحة بها فى أزمة بين البلدين من هذا النوع الذي يتبادلان فيه الاتهامات العنيفة ؟ ـ أعتقد أن هناك تغيرات تطرأ على هذه المفاهيم , وقد شاركت فى ندوة مؤخرا حاضر فيها الدكتور أسامة الباز المستشار السياسى للرئيس مبارك أكد خلالها أن أمريكا هى التى تولت تدريب بعض العناصر الارهابية ,وكان الباز يلمح فى تقديرى إلى حدث ارهابى معين , وأمريكا هى الراعية الأولى للإرهاب فى العالم وتعاونها اسرائيل فى هذا الملف , أما ايران فأعتقد أنه لا دخل لها بمسألة الارهاب على الاطلاق , والشعب الايرانى يهتم اليوم بنهضته وبتقدمه الاقتصادى بعد الحرب الطاحنة مع العراق ,كما أننى لمست بنفسى حرصا كبيرا من كافة المسئولين ورموز المجتمع على التواصل مع مصر والبلدان العربية المختلفة. * كثير من المراقـبين يرون أن الاقـتصاد هو الذى يقـود قافـلة العلاقات المصرية الايرانية وأن التعاون التجارى يصلح ما تفسده السياسة بين البلدين فما هو تقديرك لهذا التصور؟ ـ بشكل عام أعتقد أنه لا توجد مشكلات فى التعاون الاقتصادى مع ايران وسياسة الرئيس مبارك هى التعاون مع الجميع و فتح الابواب أمام كل دول العالم , صحيح طبعا أن الاقتصاد هو القوى المحركة والدافعة وهو الجسر القوى المتين الذى تبنى عليه أشياء كثيرة سواء كانت سياسية أم اجتماعية أم ثقافية أم غير ذلك , ولكن مسألة تقدير المدى الذى تأثرت به العلاقات السياسية بين القاهرة وطهران بالتعاون الاقتصادى فإننى أعتقد أنه ليس من حقى أن أجيب عن هذا السؤال لأن صناع السياسة الخارجية فى مصر لديهم معلوماتهم وتصوراتهم وتقديراتهم السياسية , ولكن من جهة أخرى فإن التعاون الاقتصادى ودخول الدول فى مصالح مشتركة يؤثر بشكل ما على العلاقات السياسية ويجعل الأجواء بين البلدين أكثر نقاء وأقل توترا ولعلك تذكر أن مباراة واحدة للعبة البنج بونج أدت لإذابة الجليد بين أمريكا والصين.وتقديرى الخاص أنه اذا تم تعاون بين مصر وايران فإن ذلك سوف يكون فيه خير للصالح العربى والاسلامى لأن البلدين قوتان لا يستهان بهما فى العالم ويمكن أن يشكلا نواة كبيرة وهامة للوحدة الاسلامية والتعاون الاقتصادى الاسلامى على غرار السوق الاوروبية الموحدة.والعالم اليوم عالم تكتلات اقتصادية جبارة لا مكان فيه لمن لا يملك ولا يعمل فى اطار مجموعة تعاونية ومن يعمل منفردا مصيره الى الزوال ولن يكون له مكان فى العالم ولعل ذلك هو الذى دفع الرئيس مبارك الى الدعوة لاقامة السوق العربية المشتركة ودعوة الرئيس خاتمى لاقامة السوق الاسلامية المشتركة , ومن حقنا نحن المسلمين الذين نملك أكبر ثروات العالم أن نتحد ونتعاون ونستغل ثرواتنا بصورة جيدة حتى يتحقق لدول العالم الاسلامى النهضة والتقدم والرفاهية. القاهرة ـ البيان