ما ان تدخل البصرة, او تكاد, حتى تهب عليك نسائم مفعمة بغناء (الخشابة), فتملأ نفسك.. وتشعر بالهواء قد صار يهتز طربا. وحين تتنفسه.. يدور في ارجاء جسمك , ثم يرتمي في اصغريك (القلب واللسان) فلا تجد الا ان تغني كما يغني اهلها, وتمنح صوتك ذلك اللون السحري. ما ان تدخل, وتخطو على ارضها, حتى تتشربك وتتشربها وتغدو جزءاً منها, فتقوم في نفسك اندفاعات ملونة من الانبهارات.. بها ترسم ما شئت من الاماني, بريشة المحبة التي تتوالد في نفسك لها. وهناك تطلق صوتك بقول الشاعر: (سقى الله البصرة الوسمي من حبها.. فان بها مني صدى لا يريمها), وتعيده لاكثر من مرة. ارض بصرة في البصرة, قد تنسى ما يعنيه الاسم, فتكفيك منه رنته الجميلة وهي تنتفض على اللسان. ومع ذلك, لابد ان تستمع الى شيء من تاريخها, وتستمتع بما يدفعك اليه الفضول لمعرفة ما يعني اسمها.. البصرة ـ في اللغة ـ الارض الغليظة الرخوة الضاربة الى البياض او فيها بياض. وكما قيل ان سبب هذه التسمية يعود الى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه, بعد ان كتب اليه عتبة بن غزوان, يصفها له بقوله: (اني ارى ارضا كثيرة القضة في طرف البر الى الريف, ودونها منافع. فيها ماء وفيها فضاء). فقال عمر رضي الله عنه: هذه ارض بصرة قريبة من المشارب والمرعى والمحتطب. وفي رواية ثانية ان الاحنف بن قيس هو الذي وصفها للخليفة عمر, قبل ان تؤسس على يد القائد عتبة بن غزوان, والصحيح ان ذلك حدث بعد ان تأسست البصرة في ولاية ابي موسى الاشعري (17 ـ 29هـ).. وفي كتاب (شرح العيون) لابن نباتة تأكيد لذلك.. حيث ان الاشعري اوفد الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفد البصرة, وكان فيهم الاحنف, فوصفها له. ارض الهند تأسست البصرة سنة 14هـ (635م), وكانت تسمى قبل ذلك (ارض الهند), وقد جاء تأسيسها عند تولي القائد عتبة بن غزوان قيادة الحركات العسكرية في المنطقة, التي صارت تحمل وظيفة عسكرية هي تحرير ارض العراق من سيطرة الفرس, حيث امره الخليفة ان يتخذ لجنده (موضعا قريبا من الماء والمرعى ولا يفصله عنهم نهر او بحر). وبعد ثلاث سنوات من تأسيسها, تم تمصيرها, بعد انتهاء معركة القادسية باسبوعين.. وكان بناؤها يتم بالقصب, حتى اذا ذهب الجند الى القتال, حزموها وطووها, وعند رجوعهم تبنى من جديد.. الى ان احترقت.. فمنع الوالي ابو موسى الاشعري البناء بالقصب.. وهكذا ولدت البصرة. الشناشيل.. واشياء اخرى تقع البصرة على الضفة الشرقية من شط العرب, على بعد حوالي 67 كيلومترا عن الخليج العربي, و459 كيلومتراً الى الجنوب الشرقي من بغداد. وهذه المسافة تقطعها السيارة بست ساعات, بينما يقطعها القطار بـ (12) ساعة. وحين تحاول ان ترسم وجهتك في البصرة تستغرقك الحيرة.. حيرة الاختيار, فثمة ما يشغل العين والقلب, حينها لا تجد الا ان تدور في شوارعها واسواقها التي تجعلك تبطىء الخطو, وتعلق نظرك فيما تمر به. فالمظاهر البصرية ساحرة, وتستوقفك بابسط تفاصيلها, من مناداة الباعة الى عجائب ما يباع.. فكل ما تطلبه تجده, وتجد حتى ما لم يخطر على بالك. ثم ان البصرة من دون كل محافظات العراق, يباع فيها (بأصغر نقد) . ان تريد سكراً بـ 25 ديناراً باعوا لك..!, وقد تكون هي الارخص اسعاراً في كل ما يباع. وخلال تجوالك تنظر, ولابد ان تنظر, وتحاول ان تبحث عن شيء تحسه في قلبك.. فتجد الشناشيل (شرفة مغلقة مزينة بكثير من الخشب المزخرف والزجاج الملون).. تجدها معتقة بالاغنيات وبالشعر, فتصعد في رأسك صورة الشاعر السياب وهو يقف تحت شباك (وفيقة) او هو يرمي لابنة الجلبي احلامه (مددت الطرف ارقب: ربما اتسلق الشناشيل.. فابصر ابنة الجلبي مقبلة الى وعدي). واذ ينتظر السياب تحت الشرفة, ينطلق سعدي يوسف في منطقة الدواسر, محذرا صديقه (سلمان عبدالله يا قمر الدواسر يتبعونك. ابدا وراءك يركضون. فعيونهم تخشى عيونك. لكنهم قد يقتلونك.. يقتلونك). وحين تمر بين البيوت تشم رائحة ماء الورد الذي كانت كل بيوت البصرة تغتسل به..!! وتسمع المواويل منسابة من حناجر ممتلئة بالشجن والحنين, فيقفز الى سمعك صوت رياض احمد, الذي سرعان ما يسحبك الى موطنه الاصلي عند شط العرب, حيث تتأمل ما أمامك من الماء والنخل والوجوه البصرية التي تترصد منها علامات الجمال في السمرة الطافحة بشرا, والعيون المتلالئة بالكحل والايدي الصارخة فيها الحناء.. حتى تكاد من فرط ما ترى ان تشهق اعجاباً وانت لا تدري اي كلمات تنتقي لتقولها. 715 نهراً.. كانت وحين تتعب من التجوال, ما عليك الا ان تستريح في مقهى.. اجلس هناك قريباً من الناس, وحاول ان تدخل مع الذين حولك في حديث عن البصرة.. فتسمع الكثير مما لا تعرفه عنها.. ستزف إليك المدينة (زفيف الاقحوانة في نداها), فيطل عليك الكثير من رموز البصرة, ويشخصون امامك بكامل هيئاتهم.. يعبر اليك الحريري في مقاماته, والفراهيدي في عروضه, والجاحظ في بخلائه, والاصمعي في ذكرياته, والدؤلي في نحوه.. وتتعرف على جرير والفرزدق وهما يتفقان ـ لاول مرة ـ ويتناظران في حب البصرة. وترى العشرات من الاولين, ويذكرون لك ما قاله ابن بطوطة عنها وعن اهلها (واهل البصرة لهم مكارم اخلاق وايناس للغريب, وقيام بحقه فلا يستوحش بينهم), ويذكرون ان للبصرة كرخا ورصافة, اقتبسهما ابو جعفر المنصور ليطلقهما على جانبي بغداد بعد بنائها (وهما قريتان في البصرة ـ الفيحاء).. ويشرحون لك كيف تميزت البصرة بانهارها, وقد كان فيها اكثر من 715 نهراً تتفرع من شط العرب (من جانبيه), وبسببها حازت على لقب (فينيسيا العرب). ويخفق قلبك حين تعرف ان هذه الانهار اندثرت او تبدلت احوالها وركدت المياه فيه واخضوضرت.. فيتبرع اكثر من واحد ـ عبر هذا الحديث ـ ليدلك على دار السندباد البحري عند مدخل نهر العشار. واذا ما اردت اسهابا, فاعلم ان المتحدث سيزيدك, كما يقول, من الشعر بيتين, ويوضح لك ان البصرة فتحت ذراعيها, منذ ان ولدت, للقادمين اليها, واحتضنتهم, مثلها في ذلك مثل بغداد.. كل مقيم بها اعطته ملامحها وطيبتها ولهجتها.. قتلتها الحرب واذ تسأل اكثر, يحدثونك عن (تومان) الرجل الذي كان رمزا وهو يدور في سوق الهنود حاملا اعلانات السينما, والاطفال وراءه يفعلون ما يفعل.. وعن ساعة السورين والبلم العشاري وسوق الجمعة في البصرة القديمة, وعن دور السينما الصيفية, وحديقة الامة التي اختفت, وحديقة الاندلس التي اعيد اليها رونقها, وعن جزيرة السندباد التي يتألمون لذكرها, وقد قتلتها الحرب. وينسحب الحديث الى ما يحبون.. الى نادي الميناء واللاعب والمدرب هادي احمد, وحين تريد ان تودعهم, لا يتركونك دون استضافة على أكلة من سمك الصبور! رموز البصرة وانت تخرج من كل ذلك, لابد ان يصادفك وجه من وجوه البصرة المعروفة.. كأن تلتقي الشاعر الكبير محمود البريكات بكامل بصريته وتواضعه ودماثة خلقه, او الشاعر كاظم الحجاج بجمال نفسه البصرية, وتشعر بانه يترنم بقصيدة حبه للبصرة.. او الفنان عيد البطاط الذي اقام في مكتبته معرضا دائما للوحاته وهي تجسد حبه للبصرة.. كل البصرة. واذ تحاول ان تقف على بعد منها وتنظرها.. تراها غاية في الروعة.. ترى قامات النخيل, وقامات رافعات الموانىء, وقامات اهلها, وهي تصمد بوجه كل الظروف, وتصر على ان تعيش, تتنفس هواء العراق نقياً, وتدفع بمراكبها في الشط, وهي تترنم بموالاته واغنياته.. بسحر (الخشّابة) وهم يشعلون بايديهم ائتلافات نفوسهم.