وسط استعداد عملية السلام العربي-الاسرائيلي للافاقة من غيبوبة استمرت ثلاث سنوات, بدأت مشاعر القلق تجتاح الفلسطينيين حول نوعية السلام الذي سيتحقق.وتتركز تلك المخاوف بالتحديد حول قضية اقتسام المياه بين إسرائيل والفلسطينيين . فأكثر ما يخشاه الفلسطينيون هو أن يتحقق "سلام جاف", وهو ما سيعد استمرارا للموقف الراهن الذي يبلغ فيه نصيب الفرد الاسرائيلي الواحد من الماء أربعة أضعاف نصيب الفلسطيني. وقد تسببت حالة الجفاف التي تعاني منها منطقة الشرق الاوسط حاليا في استنزاف المياه الجوفية التي تعد أحد مصدري المياه الرئيسين في المنطقة. كما تسبب الجفاف في تقليل كمية المياه التي يتيحها المصدر الرئيسي الاخر, وهي مياه الانهار التي تنساب جنوبا مثل نهر الاردن. ويصف توماس ستوفر, الخبير الامريكي في مشكلة المياه في الشرق الاوسط, الاستعدادات الفلسطينية لمفاوضات المياه بأنها محاكاة ساخرة للاستعدادات الاسرائيلية. فهناك فلسطيني واحد فقط يعمل بنظام الوقت الجزئي مكلف بمهمة الاستعداد لتلك المفاوضات, بينما يتراوح عدد الخبراء الاسرائيليون المتفرغون لتلك المسألة بين 50 و200 خبير يعملون بنظام الوقت الكامل. وكان الرد الاسرائيلي علي المقترحات الفلسطينية التي تدعو لخطة أكثر إنصافا لاقتسام المياه هو "زيادة حجم الكعكة" من خلال زيادة إجمالي كمية المياه. فقد فكر الخبراء الاسرائيليون في وسائل تخيلية, وإن كانت مكلفة, لزيادة كمية المياه. ومن هذه الوسائل نقل جبال الجليد من القطب الجنوبي إلي البحر الابيض المتوسط, ونقل المياه من مناطق أخري في حاويات ضخمة, بالاضافة إلي عدة خطط لتحلية مياه البحر. كل هذه الوسائل تفرض سؤالا أكثر أهمية, من الذي سيمول كل هذه المشروعات؟ من الطبيعي أن تتجه الانظار إلي الولايات المتحدة باعتبارها المحسن الكبير الذي تلجأ له إسرائيل. ولكن الكونجرس الامريكي أصبح أكثر ترددا في الاونة الاخيرة فيما يتعلق بالموافقة علي سداد المبالغ التي يعد بها البيت الابيض إسرائيل بسهولة. فعلي سبيل المثال, كان الرئيس الامريكي بيل كلينتون قد تعهد بتقديم 1.2 مليار دولار لاسرائيل خلال مباحثات واي ريفر من أجل تنفيذ إعادة نشر القوات الاسرائيلية. ولكن الكونجرس, الذي لا يزال يحتفظ بمفاتيح الخزانة, لم يوافق علي سداد المبلغ. كما أن هناك السؤال حول ما إذا كانت إسرائيل ستعوض الفلسطينيين عن الاستخدام الزائد - حاليا وفيما سبق - للمياه الجوفية في المنطقة التي يرجح أن تصبح فيما بعد دولة فلسطين, وعن كيفية تحقيق هذا التعويض. ويقدر بعض الخبراء, ومنهم ستوفر, أن إسرائيل مدينة للفلسطينيين بحوالي 45 مليار دولار علي الاقل تعويضا عن استخراج كميات ضخمة من المياه من الضفة الغربية. ووفقا لاتفاق أوسلو لعام ,1993 كان من المفترض أن تسلم إسرائيل للسلطة الفلسطينية 28.6 ملايين متر مكعب من الماء, ولكن ما حدث أن إسرائيل لم تسلم سوي حوالي ربع هذه الكمية أي 7 ملايين متر مكعب. وكان الدرس الذي استفاده الفلسطينيون من هذا أن السلام لا يعني المزيد من المياه بالنسبة لهم. وبالنسبة لقضية المياه, فإن الوقت ليس في صالح صانعي السلام. فبسبب الجفاف من جهة والاستهلاك الزائد في الزراعة الاسرائيلية من جهة أخري, قلت جودة المياه الموجودة في مناطق مثل غزة بحيث لم تعد تصلح للاستخدام حتي في المجالات الزراعية. وقد تسبب الجفاف في انهيار القطاع الزراعي في الضفة الغربية مما جعل الفلسطينيين اكثر اعتمادا علي المعونات الخارجية من جهات مانحة مثل الاتحاد الاوروبي والدول النفطية العربية. وتقدر خسائر محاصيل العام الحالي في الضفة الغربية بحوالي 200 مليون دولار. وإذا ما أسفرت عملية السلام بالفعل عن تحقيق السلام بين سوريا وإسرائيل فقد يؤدي ذلك بشكل غير مباشر إلي قيام تركيا بفتح مصادر المياه للمنطقة بأسرها بما في ذلك إسرائيل والفلسطينيين. فقد أصبحت تركيا وإسرائيل شبه حليفتين. كما قد يؤدي الاقناع الامريكي لتركيا إلي الاسهام في تدفق المياه. وإذا جاء اليوم الذي يمكن للفلسطينيين فيه أن يفتحوا صنابيرهم ليجدوا ماء صافيا نظيفا ينزل منها, فسيكون هذا أول دليل ملموس علي أن للسلام فوائده. د.ب.أ