يؤكد المراقبون السياسيون للحرب الدائرة بين روسيا والاسلاميين في داغستان وامتداد الحرب لحدود الشيشان بأن دائرة الصراع لن تقف عند حدود داغستان الجنوبية, بل ستمتد بصورة كبيرة لتشمل كل منطقة القوقاز , ولن يكون الهدف الاول هو اخماد روسيا لحركة المتمردين, بل سيكون الهدف الحقيقي هو وضع روسيا يدها بقوة على مصادر البترول الغنية في منطقة القوقاز, والتي تتمتع بالغالبية العظمى منها الجمهوريات الثلاث (جورجيا ـ ارمينيا ـ اذربيجان), فقد اصبح احتياطي البترول الكبير في منطقة القوقاز التي توجد فيها هذه الجمهوريات محل اهتمام وصراع بين اوروبا وروسيا وأمريكا, بعد ان بدأت تحولات ومتغيرات على الساحة الدولية في مسألة النفط الخليجي وتوجهاته الى امريكا, وترى روسيا انها الاحق والاولى بالهيمنة على مصادر البترول داخل منطقة القوقاز من غيرها بحكم الجوار, والتواجد الروسي القديم الممتد من احتلال قياصرة روسيا لتلك المنطقة على مدى قرون طويلة, وتعلم روسيا اكثر من غيرها ان هذه الجمهوريات لم تستغل حتى الآن مصادر البترول استغلالا جيدا يساهم في نموها ودفع حالتها الاقتصادية للامام, لأن تكلفة استخراج البترول مرتفعة جدا في هذه المناطق, وتكلف تلك الجمهوريات اموالا طائلة, وروسيا بالمقارنة لتلك الجمهوريات لديها الامكانيات التقنية التي يمكن من خلالها استخراج البترول وتعويض تكلفة التنقيب والبحث وضخ البترول. ولعل جمهورية اذربيجان اوضح نموذج لعدم استغلال البترول بها بصورة جيدة تخدم الاقتصاد بالبلاد فحينما جاء (Hejdar Alijev) للحكم كرئيس لاذربيجان عام 94 سعى نحو الغرب الاوروبي وخاصة الولايات المتحدة الامريكية من اجل تحديث آلات ومعدات التنقيب عن النفط الخام, وقام بتوقيع عقود مغرية مع شركات النفط الغربية في مقابل نسبة مئوية ضئيلة من عائد النفط, وفي عام 1997 افسحت وسائل الاعلام الغربية مساحات واسعة لصور الرئيس وهو يقف على جزيرة مائية حديثة للتنقيب عن النفط الذي آتى بثماره الاولى, وعلى سبيل الشكر والعرفان غمس يده في البترول الخام, وكان نائب الرئيس (Vafa Goelizadaً) الذي يعتبر مهندس العلاقات الغربية مع اذربيجان اعلن ان بلاده وضعت قدمها على طريق مستقبل يعد بالثراء, وقال في نفس الوقت انه توجد معايير جديدة لحكم العالم يلعب فيها حلف شمال الاطلسي الدور الرئيسي, وتوجه لاقتصاد عالمي جديد يجب ان تكون بلاده جزءا منه خاصة في الوقت الذي تعاني فيه الصناعة في اذربيجان من الصدأ, وان تحقيق النمو الاقتصادي لشعبه الذي يبلغ تعداده 8 ملايين نسمة لم يعد امرا مستحيلا خاصة وان لديهم احتياطيا كبيرا من النفط, لكن على الرغم من استقلال اذربيجان واعلانها بوضوح التوجه نحو السياسة الغربية, الا انه منذ سقوط الاتحاد السوفييتي لم يتغير شيء في اسلوب الحكم هناك, ـ وقد كان (Hejdar Alijev) الرئيس الاذربيجاني ابان فترة الاتحاد السوفييتي رئيسا للمخابرات السوفييتية (كيه جي بي) في اذربيجان, وعضو المكتب السياسي, لذلك فهو يدين بولاء خفي لروسيا, وتلتزم روسيا الصمت المتعمد تجاه تصرفات الرئيس الاذربيجاني ليزداد ثراء هو واسرته ووزراؤه ورجالات الدولة وكبار موظفيها واعضاء الحزب الشيوعي السابق, ولا يتعرض الغرب كذلك للفساد هناك من الرشوة والمحسوبية وغيره, وكأن روسيا واوروبا تتفقان على ترك اذربيجان تسير الى الهاوية حتى تحين اللحظة الملائمة للتدخل والانقضاض على ثروات النفط بها وستكون روسيا الاسبق, وتشير التقديرات الى انه من 20 ـ 30% من حجم الاستثمارات الخارجية تتم عن طريق الرشوة, كذلك التعيين في الوظائف العليا يتم بالرشوة والوساطة, فثمن قبول العمل في البوليس 10 الاف دولار, وثمن قبول العمل في الضرائب 50 الف دولار, فالمحسوبية هي المهيمنة, ومجرد ان يعلن مواطن تأييده للرئيس فمن حقه عمل كل شيء, وقد قلم الرئيس اظافر المعارضة وزج بالمعارضين له في السجون, وكمم افواه الصحافة, واتهم احدث تقرير لمنظمة مراقبة حقوق الانسان الحكومة بارتكاب عمليات تعذيب منظمة, ومن هنا, فعلى الرغم من وجود هذه الثروات الطبيعية وثراء البلد الا ان المستوى الاقتصادي للمواطنين ضعيف, ومتوسط دخل الفرد 30 دولارا في الشهر, ويعيش معظم المواطنين بالداخل على التحويلات الخارجية من الابناء الذين يعملون بالخارج, وتصل نسبة البطالة لاكثر من 40%, وخارج العاصمة باكو يعيش الاف المواطنين داخل المخيمات وعربات القطارات القديمة والسيارات القديمة لعدم توفر مساكن لهم. وقد حذر صندوق النقد الدولي اذربيجان بأن ثراء النفط ليس المبرر لتأجيل عمليات الاصلاح الاقتصادي, ومن الامر المثير للدهشة بأن بعض وسائل الاعلام الحكومية بدأت مؤخرا تنمو لأن الاعتماد على البترول كمصادر للدخل ليس محل للثقة, ويواكب هذا تقاعس شركات النفط الغربية في البحث عن البترول, وكأنه اتفاق ضمني لتقليص حجم الثروة القادمة من البترول لانهاك اقتصاد البلاد في تلك الفترة, واتاحة الفرصة للتدخل الخارجي بصورة او باخرى, كما ان انخفاض اسعار النفط, ومليارات الدولارات المطلوبة لتجهيز معدات التنقيب عن البترول, دفعت اذربيجان لاقتراض 130 مليون دولار اضافية من صندوق النقد الدولي, وخضوعها اكثر لشروط صندوق النقد, وهكذا نجد ان عدم نجاح اذربيجان في الاستغلال الجيد لثروات البترول بها جعلها محل اطماع من جهات عديدة في مقدمتها روسيا, والوضع في اذربيجان لا يختلف عنه في بقية جمهوريات القوقاز, التي لم ينجح البترول في انقاذها من الفقر والازمات الاقتصادية بسبب سوء الاستغلال وارتفاع تكاليف الاستخراج, لذلك ستكون منطقة القوقاز فريسة سهلة تتصارع عليها ضباع القوى الدولية, وستفوز روسيا بنصيب الأسد بحكم الموقع والعلاقة, لكن لن تتركها اوروبا تهنأ بالمكاسب, كما لن تقف امريكا مكتوفة الأيدي. لاهاي ـ سعيد السبكي