لاشك, ان الحقل السياسي المغربي يعيش فترة مخاض بدأت في العقد الاخير من حياة الملك الرحل, بحيث ارى شخصيا ان مرحلة الانتقال من طور الى آخر, يمكن ان نؤرخ لها من بداية التسعينات حيث كانت فترة تتسم بالمخاض ليس على الصعيد المغربي فحسب, بل على الصعيد العالمي, بانتهاء عهد الحرب الباردة وبزوغ المطالبة الملحة بالديمقراطية وبحقوق الانسان, وتلك الرياح هبت على مختلف الدول ومنها المغرب, وانضجت ثمارا في بلادنا, مثل مسلسل الاصلاح الدستوري والمؤسساتي وتصفية ملفات حقوق الانسان وتوسيع مجال الحريات العامة. كل ذلك يؤرخ له المؤرخون بكونه اخذ دفعة قوية مع بداية التسعينات, وهي مرحلة مازالت بطبيعة الحال مستمرة, ونستبشر خيرا بالتوجهات التي أكدها الملك محمد السادس من خلال عزمه العمل على توسيع هذه الفضاءات والمكتسبات, وهذه المسألة تنطبق عليها مواصفات المسلسل وليس مواصفات الخط المستقيم, اذ ان تاريخ الامم والشعوب يعرف محطات انتقال ومحطات مد وجزر, وذلك ما ميز المرحلة السياسية التي مر منها المغرب في العقد الاخير, اذ لم يكن المسار مسترسلا او عبارة عن طريق سيار مفروش بالورود, بل عرف تعثرات طبيعية في انتخابات لم تكن في المستوى الذي كنا نصبو اليه, وفي بعض الارتدادات في مجال حقوق الانسان والحريات العامة, لكن التلاقح القائم بين الحركة التقدمية والوطنية من جهة والمجتمع المدني من جهة اخرى كان ينضج مرحلة الانتقال الى ما هو احسن بصفة تدريجية. هذه هي مواصفات المسلسل, وذلك مانراه اليوم, اذ يجب ان تستمر العملية, ولا يمكن بأي وجه من الوجوه ان نعتبر اننا وصلنا الى قمة ما يجب ان نصل اليه, والمعركة يجب ان تستمر, واقول المعركة يجب ان تستمر, واقول المعركة, لان فضاء الحريات تتحكم فيه موازين القوى والخلفيات السياسية والصراعات الضمنية او الصريحة بين القوى التي تسعى الى توسيع مجال الحريات والديمقراطية والقوى التي لها مصلحة في ان تستمر الامور في مستنقعات التقهقر, وهذا مال يجعلنا نؤمن بان هناك حركية وبان الخريطة السياسية مرشحة لان تتغير, شريطة ان تتحمل كل القوى السياسية مسؤولياتها خاصة القوى الديمقراطية, وذلك بوضع يدها يدا بيد مع الملك محمد السادس لاقتحام الفضاءات التحررية والديمقراطية والتقدمية. لقد احسن الملك بالاشارة الى الظلم الاجتماعي, فهذا هو واقع الحال في مغرب نهاية القرن العشرين, وهذا هو العار, وهذا هو الورش الذي يجب ان يتصدى له المغرب بجدية بكل ما في الكلمة من معنى, ومن حسن الحظ ان الملك منذ ان كان وليا للعهد له شعور مرهف بهذه الجوانب, والجماهير الشعبية واعية بالحس الاجتماعي القوي للملك بهذا الموضوع, مما جعلها تتقبله بكيفية عاطفية وتلقائية مثيرة للانتباه, ولاشك ان الملك واع كل الوعي بهذه الوشائج المتميزة التي تربط الجماهير الشعبية, خاصة الفقيرة, به هو شخصيا, ليس فقط كوارث للعرش, ولكن بالنظر لمواصفاته الشخصية كملك وكانسان يشعر بما تشعر به ابسط الطبقات والفئات الاجتماعية, واختار الملك عن وعي ان يفتتح خطابه الرسمي الاول الى الامة بالوقوف عند المعضلات الاجتماعية وبضرورة التصدي لها, والتي ليست في نهاية المطاف سوى نتيجة لمجموعة من الممارسات السالفة التي طالما تصدت لها القوى الديمقراطية والتقدمية المغربية, وهذه القوى لايسعها الا ان تتفائل خيرا بذلك الالتقاء الموضوعي القوي الذي يربطها بالتوجهات الملكية, بحيث ان اهتمامه والحاحه على ان تهتم الحكومة بهذا الموضوع يشفي غليلنا ويفتح باب الامل على مصراعيه كي تضع المغرب على سكة الحداثة وسكة الكرامة, لانه لا مجال للحديث عن الكرامة او الديمقراطية او التقدم عندما يكون نصف المجتمع يعيش في الامية, فهذا عار لايستساغ في نهاية القرن العشرين, وكذلك عندما تكون ثلاثة ارباع المجتمع تعيش في ما يشبه الفقر نتيجة لتوزيع غير عادل للثروات الوطنية. ويبدو لي ان الملك محمد السادس متشبث بحل المشاكل الاجتماعية بصفة تلقائية, وهو الذي ركز في خطابه على الربط الدائم بين مستويين في التعامل السياسي والمؤسساتي بالمغرب, السياسة والصراعات الضمنية او الصريحة بين القوى التي تسعى الى توسيع مجال الحريات والديمقراطية والقوى التي لها مصلحة في ان تستمر الامور في مستنقعات التقهقر, وهذا ما يجعلنا نؤمن بأن هناك حركية وبأن الخريطة السياسية مرشحة لان تتغير, شريطة ان تتحمل كل القوى السياسية مسؤولياتها خاصة القوى الديمقراطية, وذلك بوضع يدها يدا بيد مع الملك محمد السادس لاقتحام الفضاءات التحررية والديمقراطية والتقدمية. ومن حسن الحظ ان الملك منذ ان كان وليا للعهد له شعور مرهف بجوانب الظلم الاجتماعي والجماهير الشعبية واعية بالحس الاجتماعي القوي للملك بهذا الموضوع مما جعلها تتقبله بكيفية عاطفية وتلقائية مثيرة للانتباه, اضافة الى تشبثه بقيم الاصالة مع الانفتاح على المستقبل والحداثة, واعتقد بأن هذه اشارات قوية يجب ان نتعامل معها بالجدية التي تستلزمها. وألح على ان الخصاص الذي يشكو منه اداء الدولة هو النجاعة ولعل وقتا كثيرا يهدر في كثير من القضايا وطاقات قوية توظف للوصول الى بعض الغايات, والنتيجة لا تكون دائما في مستوى الطموح او في مستوى المجهود المبذول, ومعنى ذلك ان الامر يستلزم عقلنة للحقل المؤسساتي واسمها (اي العقلنة) على ارض الواقع هو اللامركزية, اي ان الشأن المحلي يباشر من طرف النخب المحلية مما يستدعى اعادة النظر, اولا في اسلوب الانتخابات وثانيا في اسلوب ممارسة الجماعة المحلية, هذا من جهة ومن وجهة ثانية فالعقلنة تعرف كذلك تحت اسم اللاتمركز, اي لم يعد مقبولا ان تسير الدولة بصفة شبه احتكارية من العاصمة بل هناك ضرورة لاعطاء اكثر ما يمكن من الاختصاصات والمسؤوليات الى المصالح الخارجية للوزارات لان الاساسي هو الذي يتم انجازه في الواقع وفي عين المكان, وكذلك تعرف العقلنة باسم الجهوية, وهي ورش تم تدشينها في سنة 1996 بكيفية توافقية, لكن يجب ان نقول ان وتيرة اعمال هذه الورش مازالت متواضعة لحد الساعة, واعتقد ان الملك محمد السادس يعتني بهذا الموضوع اعتناء قويا, لان له احساسا شديدا بضرورة عقلنة المؤسسات وبالتالي اتصور انه سيعطي دفعة قوية لهذه الورش كي نصل الى منح مدلول ملموس للحداثة التي يتشبث بها في آن واحد الملك والحركة الوطنية والديمقراطية.