كان تشييع الملك الراحل الحسن الثاني, في تلك الجنازة المهيبة التي قل نظيرها, بمثابة استفتاء على شرعية الملك والمؤسسة الملكية وشرعية النظام السياسي المغربي برمته. وقد استغرب العديد من المراقبين الاجانب , وحتى الأكثر عداء لهذا النظام, العواطف الجياشة التي أبداها المغاربة بكل توجهاتهم وأجيالهم تجاه وفاة الحسن الثاني, ذلك انه ولسنوات قلائل كان يصعب على هؤلاء المراقبين الذين عاشوا وتابعوا الحياة السياسية في المغرب خلال السبعينات وحتى منتصف الثمانينات, أن يصدقوا ان الشعب المغربي يبكي الحسن الثاني بصدق. ويبدو من العنت اقتطاع لحظة زمن من التاريخ لاصدار حكم عام من خلالها على الحسن الثاني, ولكن كما يقال (ان الأمور بخواتمها) , ولعل مرور هذه الفترة القصيرة على رحيله المفاجىء تكشف كم هي عديدة تلك الانجازات ومظاهر التقدم التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة من حكمه, فهذه الإنجازات هي التي جعلت المغاربة ينسون بعض الشيء مرارة سنوات الشدة والصراع الدامي بين السلطة والمعارضة, وبالتالي يودعون ملكهم بحزن لأنه استطاع أن يترك خلفه مؤسسات ديمقراطية ونظاما استوعب الخصوم بعدما كرس ثوابت للبلاد وضعت حداً للخلافات العدائية ولسياسة الاقصاء. عاش الحسن الثاني حياة حافلة بما يعتبره البعض متناقضات, فالى جانب ايمانه بالديمقراطية وسعيه لاقامة دولة القانون والمؤسسات تعرض نظامه لانقلابين عسكريين, كما شهدت البلاد اضطرابات كانت احياناً دامية, وقد دعم القضية الفلسطينية وأرسل الجيوش الى الجولان وتحمل مسؤولية لجنة القدس في نفس الوقت الذي كان يدعو فيه الى السلام والتسامح ويقيم علاقات ودية مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية. وأبدع الحسن الثاني أسلوب استرد الصحراء بـ (المسيرة الخضراء) واستكمل الوحدة الترابية للمغرب, ولكن عندما دولت مشكلة الصحراء ودخل الغرب على الخط قبل بإجراء الاستفتاء, فأفسح المجال للتعددية الحزبية وشرع الدستور والانتخابات, كما أبدع في إيجاد توليفة سياسية قل نظيرها بخلق تعايش ما بين الأصالة والمعاصرة: إمارة المؤمنين وملكية دستورية, أحزاب شيوعية واخرى أصولية, وصهر العروبي مع الأمازيغي, اليهودي مع المسلم بمزيج كيماوي سماه التسامح, فكانت هوية وطنية مغربية بعيدة عن كل تعصب أو طائفية. وما يمكن اعتباره تضارباً في مواقف الحسن الثاني لايستقيم إلا بفهم فلسفته السياسية والنظرية السياسية التي يمثلها وهي الواقعية السياسية, التي تنأى عن الأيديولوجيا وتنبذ الشعارات, لأنها تقوم على الوضوح والمصارحة وتقليص الاحلام والتطلعات الى الحد الذي قد يصدم مشاعر الجماهير في العالم العربي. لقد استقطب الملك الراحل من الأصدقاء بقدر ما استقطب من الأعداء, ولكن في الوقت الذي استمر الأصدقاء أصدقاء وتزايد عددهم تقلص عدد الأعداء لأنهم أدركوا حكمته ونظرته بعيدة المدى, ومما لاشك فيه ان من يريد ان ينبش في الماضي سيجد لا محالة كثيراً من الملفات السلبية, فثمان وثلاثون سنة من الحكم في ظل ظروف ومتغيرات وتحديات كبرى, لابد وان تخلف آثارها المختلفة. بيد ان الملف الأهم هو الذي يضم ما حققه الحسن الثاني لوطنه, ليس لأنه حقق ديمقراطية كاملة بل لأنه وضع أقدام المغاربة على طريق الديمقراطية وجعلهم يطمئنون على مستقبل بلادهم, والأكثر أهمية, كما يبدو جلياً اليوم, هو هذا الاستقرار الذي ينعم به المغرب والذي كان وراء انتقال السلطة منه الى ولده في سهولة ويسر. ويجمع المراقبون على ان المغرب دخل عهداً جديداً مع الملك محمد بن الحسن, بل ان العاهل الجديد رسخ هذا الانطباع بنفسه عندما أعرب في خطاب العرش, أول خطاب له بعد توليه مهامه الدستورية, عن تطلعه لاقامة دولة جديدة بقوله: (إننا نطمح الى ان يسير المغرب في عهدنا قدماً على طريق التطور والحداثة وينغمر في خضم الالفية الثالثة مسلحاً بنظرة تتطلع لآفاق المستقبل في تعايشه مع الغير, يتفاهم مع الآخر, محافظاً على خصويته وهويته دون انكماش على الذات في كنف أصالة متجددة وفي ظل معاصرة ملتزمة بقيمنا المقدسة) . ابعد من ذلك ان من بين المراقبين من يعتبر عهد الملك الراحل الحسن الثاني بكل ما انطوى عليه من انجازات كبيرة بمثابة فترة انتقالية بين عهد محمد الخامس الذي غلب عليه جهد مكافحة الاستعمار وعهد محمد السادس الذي يتجه الى مرحلة الاعمار استنادا الى المواصفات التي يتمتع بها الملك الشاب خصوصا اهتمامه بالقضايا الاجتماعية وسبق للملك الراحل ان قال عنه (هو ليس انا وانا لست هو, وفي هذا السياق يجب ان اعلمه شيئين اساسيين: ان يكون وطنيا الى حد التضحية العظمى وان يصمد مهما كانت العواقب) . وفسر ما يعنيه بوطني ان يكون (نزيها ومستقيما, صريحا ومتفتحا على كل الناس بدون استثناء ومرحبا الى اقصى الحدود بكل الافكار التي يمكن ان تأتيه) . وقد عرف عن الملك محمد السادس وهو ولي للعهد انه بسيط ومتواضع وعاطفي لا يأبه بالمظاهر ان لم نقل يضيق ذرعا بها يحب الاتصال بالناس والتحدث اليهم بتلقائية وعفوية لا يشوبها تكلف وبقلب مفتوح يصغي اليهم ولا يألو جهدا في قضاء حوائجهم هذا اضافة الى اهتمامه بالثقافة والفكر اهتمام الراغب والمشارك فيهما وهو يصف نفسه بأنه (لا يحب الفراغ وان الواجب عليه ان يسير دائما الى الامام) لذا يشعر الشباب المغربي انه شاب مثلهم يشعر بمشاعرهم ويهتم بهمومهم ويقدر افكارهم ويدعم جهودهم لبناء مستقبل افضل. وكان من شأن هذه المواصفات الشخصية ان تسقط كل الهواجس والأوهام الامنية التي كانت تتذرع بها عناصر معينة لكي توقع بين الشعب والملك وتنتهك حقوق الانسان المغربي وتنشر الفساد في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما اوقع البلاد في أزمات متتالية ومن هنا يمكن فهم مغزى الخطوة التي اقدم عليها الملك محمد السادس ساعات بعد توليه العرض وحتى قبل ان يوجه خطابه للشعب بأن يصدر قرارا جريئا وشجاعا باطلاق سراح سبعة واربعين الف معتقل وسجين وتخفيف العقوبة عن عدد اخر فهذا القرار جاء لرفع مظالم حقيقية فقد يكون بعض من افرج عنهم يستحق اكثر من العقوبة التي حكم عليه بها الا انه في ظل ادارة فاسدة لا تتورع عن تلفيق اتهامات تبني عليها احكام تسايرها يضيع العدل ويصعب التفرقة بين الظالم والمظلوم. وينظر الى توجهات الملك محمد السادس بالتخفف من ثقل البروتوكول وتحديث مؤسسة القصر وتأكيده العزم على رفع وتيرة التنمية ومكافحة الفقر وردم الهوة الواسعة بين الاغنياء والفقراء وحل مشكلة البطالة والنهوض بأوضاع التعليم وترشيد النفقات وتحسن الموارد وتعزيز الخدمات على انها مؤشرات على ثقافة سياسية جديدة حيث شخص الواقع وسميت الاشياء بأسمائها واعلن التخلي عن لغة التبريرات في وقت باتت فيه نسبة الامية تفوق 50 في المائة وخدمة الدين الخارجي تستهلك الثلث من عائدات البلاد وفئة عريضة من المواطنين تقدر بربع السكان تعيش في فقر مطلق والسكن في ازمة مثله مثل التعليم الرشوة تضرب اطنابها في كل مرافق الادارة فيما تنمو البطالة وتستفحل وسط الشباب. ولكن اذا كانت هناك مؤشرات حول تشخيص الواقع وضرورة اصلاحه وتغييره فما هي وسائل التطبيق وكيف سيتم ذلك؟ وهل ينبغي الاسراع بالاصلاحات ام يجب التروي والانتظار؟ وقبل هذا وذاك هل هناك مرحلة سياسية جديدة حقا؟ واذا كانت هذه المرحلة قد بدأت بالفعل فما هي التوقعات؟ هذه الاسئلة وغيرها طرحتها (البيان) على شخصيات مغربية من مختلف الاتجاهات في محاولة للخروج بمقاربات عن (الثابت والمتغير) في الواقع المغربي بعد رحيل الملك الحسن الثاني وتولي محمد السادس عرش البلاد والمساهمة في اثراء النقاش عن مستقبل بلد عربي - افريقي يجتاز مرحلة اقل ما يقال عنها انها مرحلة (تحول كبير) على اعتاب الالفية الثالثة. الرباط ـ رضا الأعرجي