اجمع صحفيون وقادة رأي وقضاة واساتذة قانون على رفض عقوبة الحبس الجنائي للصحفيين في قضايا النشر والرأي, وطالبوا بتعديل القانون وتطهيره من العقوبات المغلظة . وأبدت شخصيات اعلامية وقانونية استطلعت (البيان) آراءهم تخوفا من انعكاسات خطيرة للحكم بحبس ثلاثة صحفيين من جريدة (الشعب) عامين لكل منهم وتغريمهم 80 الف جنيه, لادانتهم بسب وقذف الدكتور يوسف والي نائب رئيس الوزراء وزير الزراعة والامين العام للحزب الوطني الحاكم. في البداية يؤكد المستشار يحيى الرفاعي شيخ القضاة ورئيس أول مؤتمر للعدالة والرئيس الشرفي لنادي القضاة ان الاصل المقرر في القانونين الدستوري والجنائي انه لا يجوز تجريم اي عمل يعتبر استعمالا لاحدى الحريات أو الحقوق ومنها حرية الصحافة, حرية التعبير, حرية المعارضة, وحق انتقاد اعمال وتصرفات شاغلي الوظائف العامة. وقال من باب اولى لا يجوز التوسع في تفسير القيود والعبارات الناتجة عن استعمال هذه الحريات والحقوق, موضحا ان نقد المسؤولين ولو بالباطل, أو اتسم بالشطط أو المبالغة احيانا, امر مطلوب لصالح الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان, حتى لا تطغى ارادة المسؤولين افتئاتا على الحريات العامة, والمصالح العامة في البلاد. ويضيف المستشار الرفاعى: أن حق النقد يبيح متى كان متصلا بالشؤون العامة.. ذلك الشطط, كما أن الرجل العام.. خاصة إذا كان من الحكام.. يجب أن يسلم أن التصدي للمسؤولية العامة الجسيمة معناه التعرض لأن يحكم عليه بعض الناس وهم في حدود حسن النية.. حكما مبينا إساءة الظن فيه .. نتيجة القلق الطبيعي على ما يعتقدون أنه حيوي بالنسبة لهم.. ذلك القلق الذي هو مظهر من مظاهر إدراك المواطن واهتماماته بالشؤون العامة وبواجبه العام في النظام الديمقراطي.. وفي ذلك قضت محكمة النقض بأن النقد لا يخرج عن كونه قذفا وسبا متى اشتمل على ما يشين الموظف من جهة عمله ولكن يباح النقد المتضمن قذفا في حق الموظفين أو الحكام متى كان صادرا عن حسن نية ولخدمة المصلحة العامة. ويؤكد المستشار الرفاعي: أن هناك ثمة فارق جسيم بين قاذف لتصفية حسابات شخصية.. يعلم الحقيقة.. ويقول عكسها.. وبين متجاوز لحدود النقد المباح الذي يستهدف مصلحة عامة.. ولا بأس أن يستعمل الناقد العبارات المرة أو العنيفة.. دون أن يعتبر استعمالها سبا أو قذفا معاقبا عليه مادام استعمالها يستوفي المصلحة العامة.. ولا يريد أو يقصد منها التشهير لمصلحة شخصية.. أو كان من المرجح لديه قصد المصلحة العامة على قصد التشهير.. ذلك أن النقد السياسي من المعارضة والتطاحن الحزبي.. كما قضت المحاكم في مصر منذ عام 1925 ابتدع لغة من النقد قد تكون في حد ذاتها طائشة.. لكن الناس ألفوها في شؤونهم السياسية فخف وخزها وتكونت لها في الخواطر معان أرفق بالكرامة من المعاني التي وضعت لها. ومن هنا فلا يجوز أن تكون أحكام الجنايات سلاحا بيد الحكومة ضد المعارضة.. لعلمها وعلم الكافة بحسن نوايا الناقد.. وانتفاء الخصومات الشخصية.. والأحرى للدولة أن تحفظ حرية الصحافة والصحفيين.. وتحفظ استقلال القضاء.. وتنتظر كلمة المحكمة الدستورية العليا وكلمة محكمة النقض. وسألت (البيان) الدكتور يحيى الجمل أستاذ القانون الدستوري المعروف عن حبس الصحفيين فقال: لا يستطيع أحد أن يتعرض للحكم.. وسجن الصحفي أمر لابد أن يتداركه المشرع لأن جرائم الرأي لا تتعامل بهذا الشكل, واوضح الجمل معارضته لحبس الصحفيين قائلا: أنا لست مع الحبس في قضايا النشر أو الرأي.. أما الحكم الصادر فلا أستطيع أن أناقشه ومحكمة النقض هي جهة التعقيب الوحيدة. اسقاط عقوبة الحبس في رأي الكاتب الصحفي حسين عبد الرازق: أن حكم القضاء الذي صدر جاء نتاجا لوجود مناخ ضاغط معادي لحرية الصحافة والاصدار على استمرار عقوبة الحبس في كثير من المواد المتعلقة بجرائم النشر وهي عقوبات تؤدى _ كما قالت المحكمة الدستورية العليا إلى إلغاء الحق في حرية الكلمة وحرية الصحافة.. وقد أصرت الحكومة أثناء معركة القانون 93 /95 قانون اغتيال حرية الصحافة.. على رفض قرارات الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين.. والمؤتمر العام الثالث وما جاء في مشروع قانون حرية الصحافة الذي أعده مركز المساعدة القانونية .. والقانون الذي أعدته النقابة.. كل هذا أجمع على إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر.. والتي ألغيت في كل البلاد الديمقراطية منذ نهاية القرن الماضي.. وهو الأمر الذي يفهم منه أن هناك اصرارا على حبس الصحفيين إذا ما تجرأوا ومارسوا حق النقد المباح ضد شخصيات مسؤولة.. وليس صدفة أن أحكام الحبس اقتصرت على قضايا متعلقة بوزيرين.. وأظن أن الوقت قد حان كي تتجمع كل القوى الديمقراطية سواء كانت أحزاب أو نقابات أو تنظيمات حقوق إنسان.. أو شخصيات ديمقراطية على تحرك مشترك لإسقاط هذه العقوبة من القانون.. وإسقاط المواد القانونية الأخرى التي تجرم ممارسة النقد.. وحرية الكلمة وهي كثيرة في قانون العقوبات. ويرى عبدالرازق ان نقطة البداية هي عقد المؤتمر العام الرابع للصحفيين والذي تأخر عن موعده عامان الان. حملة لترويع الصحفيين ويرى الكاتب الصحفي صلاح عيسى ان الحكم بالسجن بالغ القسوة.. ويعكس اتجاها للتشدد مع الصحفيين.. ويقول: يبدو ان الأحكام تستهدف الترويع فجملة الأحكام تصل إلى 6 سنوات سجن و80 ألف جنيه غرامة.. وهي أحكام تثير القلق الشديد.. ويقول: أننا مقبلون على مواجهة صعبة.. لأنها ليست مع السلطة التنفيذية.. ولكنها مواجهة مع جذور المشكلة وهو القانون. ويوضح عيسى: أن القانون يخير القاضي بين الحبس والغرامة.. ويبدأ الحبس من 24 ساعة إلى سنتين.. وتظل المشكلة أنه آن الأوان لكي يتم تغييره سواء بإلغاء العقوبة السالبة للحرية وتغيير تكييف التهم المصاغة بعبارات مطاطة.. ولا تنطلق من أي تقدير لحرية الرأي وحرية التعبير. حق الرد بديل الحبس وردا على سؤال حول أسباب عدم الإصرار على إلغاء عقوبة الحبس أبان معركة القانون 93 قال عيسى: المسائل كانت توازن قوى. كنا نستهدف العودة إلى ما قبل 28 مايو 1995 وهو التاريخ الذي صدر فيه القانون 93 وكنا وصلنا قبل حل الأزمة بأيام إلى جعل الحبس لا يزيد على سنتين وكان سقف العقوبة 3 سنوات.. والحكومة كانت مصرة على موقفها.. وكان يوجد في ذلك الحين مناخ معاد لحرية الصحفيين داخل المجتمع.. ساعد على ذلك وجود شطط صحف تمثل في صحف الفضائح والإثارة. وكان يجب أن يكون النصر في معركة القانون 93 مقدمة لحركة منظمة من أجل إلغاء العقوبات. ويقول عيسى انا ميال إلى العمل طويل النفس لأن الأعمال التي تأتي على شكل فورات تجعل الناس تيأس سريعا.. والأمر يحتاج الآن إلى تضامن صحفي من نقابات الصحفيين العرب. وينبغي أن يوضع في الاعتبار ان التجارب التي تحدث في مصر تنتقل كالوباء إلى العالم العربي.. فبعد أن نجحنا في معركة القانون 93 تبعنا الصحفيون الأردنيون في مقاومة قانون مماثل. تطهير قانون العقوبات الكاتب الصحفي محمود المراغي قال لـ (البيان) : احتراما للقضاء فإنه قد جرت العادة ألا تعليق على الأحكام القضائية.. ومع ذلك يمكن القول ان الحكم.. وبصرف النظر عن التفاصيل والحيثيات.. جاء صادما للرأي العام.. فقد جاء في سياق معركتين: الأولى تتعلق بالتطبيع مع العدو الإسرائيلي.. والثانية تتعلق بالحديث عن الحريات والديمقراطية.. وفي المقدمة حرية الصحافة.. جريدة (الشعب) خاضت هاتين المعركتين وقد تكون أصابت أو أخطأت في هذه الواقعة أو تلك.. لكننا يجب أن ننظر للأمر من المنظور العام.. ولابد أن تحدد في قضية (الشعب) أو غيرها من قضايا النشر الموجبة للعقوبات.. طبيعة ما نتعامل معه.. فلسنا أمام قضية قتل أو سرقة أو آداب.. نحن أمام قضية كلمة تتحدث مهمتها بنقل المعلومات وإبداء الآراء.. وفي الحالتين يكون القصد هو المصلحة العامة.. ذلك هو الأصل والانحراف عنه هو الاستثناء. هذا يفرض علينا التفرقة بين جريمة النشر وغيرها من جرائم لا يوجد فيها احتمال حسن النية.. جرائم النشر ذات طبيعة خاصة ويجب التعامل معها على هذا النحو.. الأمر الثاني: أن الأصل في هذه التشريعات التي توسعت في تجريم بعض الأفعال وشددت العقوبة.. ما فرضته فترة الاحتلال البريطاني في أوائل هذا القرن.. أي أن المسافة بين النصوص التي يحاكم بها الصحفيون وبين الأفعال التي يرتكبوها نحو قرن كامل من الزمان مع كل ما حمله هذا القرن من استقلال وإنهاء للاحتلال.. والانتقال لعصر نقول أنه عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان.. لا أحد يلتفت لهذا الفارق الزمني.. وما زال قانون العقوبات المصري يشمل تجريم ما أسماه إهانة ممثل دولة أجنبية.. الإساءة للعلاقات مع دول صديقة (بينها إسرائيل الآن).. وما زالت الكلمات المطاطة مثل العيب والإهانة حاكمة للتشريعات الصحفية. ويلاحظ المراغي: أن المشروع تعامل مع الصحفيين بغير ما تعامل به مع المسؤولين.. ففي قضية حق الصحفي في الحصول على البيانات وضعنا مشروع لمساءلة الوزير أو المختص إذا امتنع تزويد الصحفي بالمعلومات تمكينا له من أداء عمله.. لكن هذه المادة لم تمر رغم موافقة الدكتور مصطفى كمال حلمي كرئيس للجنة القانون عليها إلا أنه عاد وحذفها كرئيس لمجلس الشورى.. وبناء على رفض اللجنة المختصة. القاهرة ـ نور الهدى زكي