تصدر جورج بوش الابن وحاكم ولاية تكساس قائمة المرشحين لانتخابات الرئاسة الامريكية المقررة عام 2000, وحافظ خلال حملات جمع التبرعات لتمويل حملته الانتخابية على المركز الأول, بفارق شاسع عن منافسه الديمقراطي البرت جور نائب الرئيس الحالي . لكن ماهي العوامل التي تتحكم في تحديد نتائج الانتخابات الامريكية, وما هي انعكاساتها على المستوى الدولي. في المقال التحليلي التالي قراءة تاريخية لمحطات بارزة, ونقاط تحول اقتصادي وسياسي دوليا وعلى المستوى الامريكي الداخلي, ارتبطت بالانتخابات الامريكية. كان امرا محزنا بالنسبة لاوروبا والاقتصاد العالمي ان يتم انتخاب هربرت هوفر, السياسي المحافظ, رئيسا للولايات المتحدة في العام 1928 قبيل اكتساح رياح الكساد الاقتصادي لارجاء العالم في عامي 1920 ـ 1930 فلم يستطع هوفر, على الرغم من قدرته ومرونته, الحفاظ على الازدهار, الذي تم احرازه بعد سنوات الحرب العالمية الاولى الكارثية. هل هنالك فوارق أو اختلافات بالنسبة لآسيا وأوروبا وامريكا اللاتينية يمكن رصدها اذا قدر لسياسي جمهوري ان يدخل للبيت الابيض في عام 2000 ماضيا في طريقه بالاستعانة باغلبية كاسحة في الكونجرس الامريكي؟ والى أحد حدّ أثر على العالم الخارجي فوز بيل كلينتون في عام 1992 على جورج بوش الذي لم يشغل منصب الرئاسة إلا لفترة رئاسية واحدة. اذا عدنا بذاكرتنا الى الوراء فسوف نجد اننا نعرف الاجابة بشكل عام, فقد بدأ كلينتون رئاسته بكثير من حسن النوايا ومن موقع على يسار وسط الحياة السياسية الامريكية تماما كما حدث للرئيس فرانسوا ميتران في فرنسا ولرئيس الوزراء هارولد ويلسون في بريطانيا في ظل حزب العمال. ولكن بصورة تدريجية وبعد عامين من استمرار تراجع شعبية بيل كلينتون, بدأ بصورة ملموسة في تنحية افكار مستشاريه المثالية جانبا لصالح افكار شخصيات براجماتية ذات نزوع وسيط مثل روبرت روبن وزير الخزانة. وبالنسبة لاصحاب لوبي الاعمال المحافظ ولليمين المسيحي الامريكي, فان الرئيس كلينتون لايزال يمثل شخصية يسارية متوهجة, ولكن بالنسبة للغالبية العظمى من الناخبين الامريكيين ولكن بصفة خاصة بالنسبة للناخبات والناخبين المنتمين للشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة, فان الازدهار الامريكي البعيد عن التضخم على امتداد السنوات 1994 ـ 1999 بدا كشهر عسل اقتصادي ممتد. على امتداد هذه الفترة توافر العديد من الوظائف وفرص العمل لاي شخص يرغب في العمل ووصلت العائدات على رأس المال في وول ستريت الى ارقام قياسية جديدة بالنسبة للملايين ممن يدخرون اموالهم في صناديق المعاشات ولمن انضموا الى الصناديق التبادلية حديثا. وكانت الصيغة التي قدم كلينتون نفسه بها هي انه ليبرالي متعاطف مع المواطن العادي. وبهذه الصيغة استطاع تحقيق الفوز في صنادق الاقتراع واضعاف الهيمنة الجمهورية التي اعقبت مرحلة ريجان. ومن المؤكد ان دلالات هذا الدرس لم تفت على قيادة الحزب الجمهوري, فهي تتذكر كيف ان الجنرال دوايت آيزنهاور بشعبيته الكبيرة كان فائزا بارزا بالنسبة لها. وكيف يمكن لهذه القيادة ان تنسى الطابع الكاريزمي الجذاب لعائلة كنيدي؟ ولم يكن من قبيل الصدفة ان الممثل الامريكي رونالد ريجان قد فاز بالترشيح الجمهوري له بعد الفراغ السياسي الذي تركته فضيحة ووترجيت. وكما حدث في بريطانيا مارجريت تاتشر, فان الناخبين في كل مكان شرعوا في العقود الاخيرة في الابتعاد عن الحكومات الكبيرة غير ان الشخصيات في المعسكر السياسي لمرحلة ما بعد ريجان تبين انها لاتتمتع بالجاذبية بالنسبة للجماهير الامريكية. فعلى سبيل المثال, برز المذيع بات بوكانان باعتباره شخصية ديماجوجية عالية الصوت ومشكوك في اصولها. كما برز كل من نيوت جينجريتش وفيل كرام وديج آرمي, ولكنهم بدوا جميعا شخصيات كاريكاتيرية جنوبية بالنسبة للناخب الامريكي, حقا انهم كانوا على قدر لا بأس به من الكفاءة ولكنهم يفتقدون الى الجاذبية بالنسبة لرجل الشارع. وقد حظي ستيف فوربز شأن نيلسون روكفلر في عقد سابق بالثروة الشخصية التي مكنته في عام 1996 من الحصول على وقت يطل فيه على الجمهور عبر شاشات التلفزيون. ولكن اصراره على اتباع الخط غير الناجح تماما الذي اعتمده ريجان في الفترة الاولى من رئاسته لم يلق التجاوب المطلوب, وربما لم يكن شخص يتمتع بثروة تقدر بالمليارات هو الشخصية التي تحظى بأكبر قسط من القبول لدى الجمهور في مثل هذه المرحلة ومن هنا فليس عجيبا ان الترشيحات الاولية الجمهورية في عام 1996 استقرت على روبرت دول وهو شخصية مهذبة ولكنها من النوع الذي يسهل نسيانه. كل ما سبق ليس الا استعدادا للتعامل مع حاكم ولاية تكساس جورج بوش الابن باعتباره المرشح الجمهوري المفضل لانتخابات عام 2000 وقد تصادف انه ابن لرئيس شغل البيت الابيض لفترة رئاسية واحدة ولكن هذا ليس هو ما يعطيه هذا السبق الكبير والمبكر على منافسيه, حيث افتقد ابوه تلك اللمسة الساحرة التي يبدو جليا ان الابن يتمتع بها. ويعد بوش الابن شخصية جديدة بالنسبة للمناصب العامة ولكن ربما كان هذا هو احد اسرار جاذبيته, ففي العالم الغربي, يبدو هذه الايام ان السياسيين كالمناديل الورقية يستخدمون بسهولة ويلقى بهم جانبا وبوش الابن يعكس اسمه صدى معينا لدى الجمهور, كما انه بعيد عن العناصر التي يمكن ان تحرمه من الجماهيرية. وربما كان افضل العناصر التي تقف في صفه يتمثل في الشعار الذي يرفعه وهو النزعة المحافظة المتعاطفة, وما كان هربرت هوفر وروبرت تافت ليتمكنا من رفع شعار بمثل هذه البراعة, والواقع ان الساسة الفائزين في الماضي يتم التطلع اليهم الآن لاستلهام مثل هذه الشعارات من تجربتهم. وهذا هو السر في انني انظر الى بوش الابن باعتباره يشكل تهديدا كبيرا لكل المتسابقين الراغبين في الوصول الى البيت الابيض وبالطبع لايزال امامنا ستة عشر شهرا حتى نصل الى انتخابات عام 2000, واي شخص يحتل مقدمة السباق في وقت مبكر يحتمل ان يتعثر في اية لحظة. ولكن بوش الابن يحظى بسبق مريح في مجال جمع الارصدة لتمويل حملته الانتخابية, ومن المعروف ان من يحظى برائحة النجاح العطر يجتذب الالاف من الممولين, اما من توحي المؤشرات بخسارتهم فانهم يتحولون الى ايتام من حيث امكانية جمع الارصدة لتمويل حملتهم الانتخابية. ولا يرجع الامر الى ان استراتيجية بوش الابن تقتضي نزعة ميكافيلية في المراحل المقبلة فكل ما تمس اليه الحاجة هو الحفاظ على نوع من الغموض النسبي حول ما يعنيه شعار (النزعة المحافظة المتعاطفة) . وحتى الآن نجح بوش الابن ومعاونوه في تحقيق ذلك, وهنالك العديد من الامثلة البارزة على ذلك. فقد طرح عليه السؤال الثاني : (هل تؤيد التوجه الجمهوري الى الوصول بمستوى الضرائب الى 800 مليار دولار؟ كان من شأن الاجابة بنعم ان تكون حماقة من جانب اي مرشح جمهوري ولكن بوش الابن هو وحده الذي استطاع ان يقول انه سينجز المزيد لمصلحة المنتمين الى الشرائح الادنى دخلا من دافعي الضرائب. وفيما يلي بعض الاسئلة التي ستكون ذات اهمية بالغة بالنسبة لغير الامريكيين فيما يتعلق بالسنوات الاولى من القرن المقبل. هل من شأن فوز بوش الابن في الانتخابات الرئاسية ان يضيف المزيد الى الامن الياباني في مواجهة التوجه الصيني الجديد الى النزعة العدوانية العسكرية؟ كيف سيؤثر مثل هذا الفوز على الانتعاش الذي بدأ لتوه في الاسواق الناشئة والتي شرعت في الخروج من الازمة الاسيوية بصفة خاصة بالنسبة لكوريا واندونيسيا في آسيا وبالنسبة للبرازيل والارجنتين في امريكا اللاتينية وبالنسبة لروسيا ما بعد المرحلة السوفييتية؟ هل سيتم تأمين ودعم الاستراتيجية التي يدعو اليها الآن جرينسبان رئيس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي بحيث تظل امريكا القاطرة الرئيسية بالنسبة للاقتصاد العالمي؟ في اطار النضال من اجل حقوق الانسان في افريقيا والبلقان وغيرهما, ما هي الفوارق التي يمكن توقعها في حالة فوز المرشح الجمهوري في العام 2000؟ ان طرح مثل هذه الاسئلة امر سهل وفي غمار محاولة الرد عليها يدرك المرء الى اي حد هي بعيدة عما يطرح كقضايا للنقاش في هذه المرحلة الافتتاحية من الحملة الانتخابية الرئاسية. ومن حسن الطالع بالنسبة للمليارات من سكان العالم, فأنه ليست هناك حركات سياسية واضحة للعيان في الولايات المتحدة تدعو الى النزعة الانعزالية التي تعيد الى الاذهان اصداء هذه النزعة التي سادت في الفترة من 1920 ـ 1940 ولدينا معتوهون في الجبال القريبة يضيقون ذرعا بكل القوانين والضرائب الحكومية والذين لو اتيحت لهم الفرصة لما ترددوا في اطلاق النار على جميع السود والآسيويين وغيرهم من المنتمين الى الاقليات, ولكن ليست هناك ايديولوجية تخاطب الكثيرين من الامريكيين اليوم تضم مثل هذه التوجهات. وقد ادرك قلائل على امتداد العالم في عام 1930 مدى اهمية الانتخابات في المانيا, وفي عام 1917 عندما تم تهريب لينين من زيوريخ الى سان بطرسبرج في ظل الحكم القيصري, ثم نشر هذا الخبر في الصفحات الاخيرة من الصحف ولم يشق طريقه الى عناوين الصفحات الاولى. لا تشعر بالاسى لانك تعيش في زمن مضجر الى حد ما, وعليك ان تشعر بالامتنان لان القرن الجديد يبدأ دون وجود صراعات حياة او موت بين قوى كبرى او بين الخير والشر في هذا الركن المهم من العالم. خدمة لوس انجلوس تايمز خاص بـ (البيان)