الأحداث العظيمة تخلد في الذاكرة ولا تفارق البال.. أقول ذلك ونحن نودع 47 عاما مرت على تاريخ قيام ثورة يوليو.. تلك الثورة المجيدة التي غيرت مجرى التاريخ في العالم .. قامت ثورة يوليو وكنت بعيدا عن البلاد.. في باريس أدرس وأحلم وأفتش عن لغة سينمائية خاصة.. لغة مصرية بحتة.. كنت أفعل ذلك وأنا أشعر بـ (دين) تجاه وطني يتلخص في أنني واتتني فرصة للتعليم ولدي رغبة في تكريس كل ما تعلمته من أجل تطوير مصر وإفادة الآخرين.. وفي رحلة بحثي عن هذه اللغة السينمائية الخاصة شاهدت في باريس أفلاما سوفييتية وأمريكية وإيطالية ويونانية ورومانية ووجدت أن لكل هذه الأفلام ملامح وسمات تصل إلى حد الشخصية المحددة فيما عدا الفيلم المصري الذي لا شخصية له, وهذا ما أردت أو حلمت أن أصنعه, وهو أيضا ما بد أ ت به في فيلم (درب المهابيل) ولم أكمله بسبب قسوة الظروف الإنتاجية فيه. بعد (درب المهابيل) مكثت بلا عمل حوالي ست سنوات وفي ظل ظروف قاسية لأنني لم أكن أريد التخلي عما أحلم به وهو ما ظهر واضحا في أفلامي التالية والتي قدمتها ونسائم ثورة يوليو تسود البلاد. منذ البداية أيدت ثورة يوليو ولكني أصبحت معها قلبا وقالبا عند تأميم القناة في يوليو ,1956 منذ ليلة التأميم الشهيرة تلك أصبحت مؤيدا للثورة بإيجابياتها وسلبياتها, واستمر هذا التأييد لكن مع كثير من النقد لها, في فيلمي (صراع الأبطال) مثلا فإنه لولا الثورة ولولا الأمل في وجود شخصية أو شخصيات راغبة في التطوير, لما كان من الممكن أن يظهر بهذا الشكل, فقد كان يشتمل على نظرة متفائلة والأهم من ذلك الوعي بوجود مشكلة تحتاج إلى حل رغم التفاؤل.. واستمر موقفي هذا في أفلامي التالية.. ففيلم (المتمردون) مثلا يعكس وجهة نظر نقدية تظهر خيبة أمل بسبب أمور كثيرة تحدث في الواقع.. لكن موقفي الإيجابي من (يوليو) استمر حتى وفاة عبد الناصر برغم النقد الموجه له في أفلامي التالية. نعم كنت مؤيدا لعبد الناصر وثورة يوليو.. لكنني لم أكن "مصفقا" بشكل أعمى على طريقة البعض في تلك الفترة لأنني كنت أمتلك وعيا وأملا في أن الثورة ستغير أشياء كثيرة إلى الأفضل.. وفعلا.. برغم النكسات وبرغم الانتقادات الكثيرة التي يمكن توجيهها.. فإن الفترة التي تلت عبد الناصر كشفت الاختلاف الرهيب والأهمية الخاصة لما سبق. وفي غضون ذلك أتذكر أنه طلب مني إخراج فيلم تسجيلي أسمه (نهضتنا الصناعية) وذلك خلال فترة قصيرة أعتقد أنها 29 يوما.. أصور فيها 29 مصنعا وكم كانت فرحتي عظيمة عندما كنت أدخل أحد العنابر فأجد خمسين فتاة يعملن على الآلات المختلفة.. وأثناء الراحة يخرجن معا ومع زملائهن من الرجال لتناول الطعام.. هؤلاء الفتيات من دون هذه المصانع كان مستقبلهن غامضا.. كان ممكنا أن تعمل أي منهن غسالة مثلا نظير جنيه في الأسبوع.. لكن حدث أن تحولت إلى (عامل) بقدرة اقتصادية مستقلة.. وتستطيع من ثم اختيار الشاب الذي ترتبط به على أسس غير تقليدية.. وهذا تحول جذري في المجتمع.. استفدت للغاية من هذا الفيلم وعرفت بالخبرة والمعايشة ماذا يحدث بالضبط داخل المجتمع عندما يتطور ويتغير. موقفي المؤيد من ثورة يوليو كان وليد تجربتي المباشرة وشديدة الخصوصية.. فلم أرتبط طوال حياتي بأي مجموعات أو تنظيمات سياسية لكن أغلب أصدقائي كانوا من اليساريين.. كما أنني تعرفت في تلك الفترة ومن خلال صديقي الشاعر صلاح جاهين على مثقفين كثيرين ومتنوعي الاهتمامات والممارسات بين سياسيين وأدباء وفنانين.. فتحركت في ظل ذلك للمعرفة والتسلح بخبرات متنوعة.. تأثرت بيوليو وأيدتها وأقول انها لم تكن ثورة عادية بل نقطة مضيئة في التاريخ العربي أثرت في تاريخ العالم كله.