يبدو المشهد العام لاسرائيل الآن مشهدا مختلفا عن كل مراحل الدولة العبرية منذ قيامها عام 1948, وهذا الاختلاف ينبع من اشكاليات كثيرة افرزتها حكومة ايهود باراك بعد فترة القلق السياسي الذي عاشته اسرائيل في فترة الحكومة المهزومة بزعامة بنيامين نتانياهو الذي ذهب بعد ان ترك وراءه كومة من الاوراق المبعثرة تتطاير مع النسمات التي بدأت تتحرك داخل اسرائيل ذاتها ومن المجتمع نفسه بكل فئاته وتياراته السياسية وحلبات الاقتتال التي يمكن ان تشتعل في اية لحظة بعد ان طال فتيلها مقتربا من نار مهرولة باتجاهه اضرمها رئيس الوزراء الحالي وزاد في تأجيجها بعد تشكيل حكومته. وهذه النار يمكن ان نتخيل مدى فاعليتها من خلال الخارطة السياسية التي تحكم اسرائيل الآن والتي ظهرت مقدماتها واضحة في الانتخابات الاخيرة 17 مايو 1999 كامتداد لانتخابات 1996, ففي السابقة لم يحصل الحزبان الكبيران وهما العمل والليكود سوى 66 مقعدا في الكنيست الاسرائيلي بينما لم نر مسبقا ومنذ عام 1973 اي بعد تشكيل الليكود اقل من 75 مقعدا وهذه المؤشرات نراها في الانتخابات الاخيرة قد وصلت الى مستوى متدن نلاحظه من خلال حصول قائمة اسرائيل واحدة التي تضم (العمل وغيشرو ميميد) على 26 مقعدا فقط وحصول قائمة الليكود على 19 مقعدا اي ان الحزبين حصلا على 45 معقدا ورغم الانشقاقات التي حصلت داخل الاحزاب في الآونة الاخيرة كانشقاق ميميد عن المفدال او حزب الوسط عن الليكود فان الاحزاب الائتلافية المشكلة تعاني ايضا من عدم انتظام في رؤيتها الايديولوجية, فحزب ميميد المنشق عن المفدال لايزال يحمل ايديولوجية الاستيطان بشكل كبير اضافة الى كونه من الاحزاب الدينية المتشددة ومع ذلك فقد سعى العمل ليضمه الى قائمته وهذا ماحصل بالفعل رغم ان العمل يعرف بتوجهه اليساري ( الشكلاني) مدعيا الحد من الاستيطان بشكل نظري رأيناه في محاولات سابقة لرابين لم تستطع ان تثبت اية جدية في هذا المجال فكانت المفاجأة بزيادة نسبة الاستيطان في عهده الى حوالي 50%. ويمكن فهم الواقع الديمغرافي الجديد في اسرائيل من خلال الصورة البسيطة التي رأيناها في الحزبين الرئيسيين اللذين يشكلان التيار العام للاحزاب الاسرائيلية اضافة الى صعود الاحزاب الجديدة كحزب اسرائيل بتنا الذي حصل على 4 مقاعد او الاحزاب الصهيونية الدينية كحزب شاس المتشدد والقائم بالاساس على نسبة فئوية تضم اليهود الشرقيين مع تراجع واضح في قائمة الحزب الشيوعي حداش الى ثلاثة مقاعد بعد ان كان يشغل خمسة مقاعد. واذا كان هذا جزءا من الواقع فلابد من اكتمال هذا الجزء لفهم طبيعة الاحزاب وانتمائها والخلط الاشكالي في توجهاتها وخاصة في تسمية اليسار واليمين , فليس كل حزب يميني في اسرائيل هو حزب متشدد سياسيا وليست الاحزاب العلمانية غير متشددة, فهناك احزاب ارثوذكسية يهودية متشددة دينيا ولكنها ليست كذلك في السياسة مثل (السفارديم) ومن الاحزاب العلمانية المتشددة توميت وفيلوديت ولكنها متشددة سياسيا وليس يساريا حيث ان بعضها يطالب بطرد فلسطيني عام 1948 ولا ننسى ان بعض تيارات حزب العمل ذاته متشددة سياسيا اكثر من حزب الليكود ذاته. امام هذا الواقع الديمغرافي والحزبي المعقد جاء ايهود باراك ليعلن عن تشكيل حكومته الجديدة فلم يجد سبيلا له سوى اعلان حكومة ائتلافية يكفي ان نعلم انها تضم اليسار العلماني كميريتس والديني المتطرف كشاس بصهيونيته التي يمكن لها ان تتحالف وبسرعة كبيرة مع احزاب اليمين كالليكود والمفدال واسرائىل بتنا واسرائيل بعاليا والاتحاد القومي ويهوديت هتوراه وبمعنى آخر فهذه الاحزاب تشكل حوالي 60 معقدا في الكنيست اي انها تشكل ورقة ضغط حقيقية على اي قرار يمكن ان يتخذه باراك فهل اراد باراك من خلال ذلك ان يدعو الدب الى كرمه وهو محاط بالاساس بالغربان والذئاب؟! ولكن الواقع يطلعنا على باراك من خلال حياته التي قضاها في الجيش مبتعدا عن العمل السياسي او الدبلوماسي بل كان يستخف بالسياسة والبرلمانات وحتى الاحزاب رغم حزبيته ومكانته في حزب العمل الذي قاد جميع الحروب الاسرائيلية ضد العرب والمؤسف حقا ان باراك في حكومته مازال يرى نفسه من جنود النخبة وقد كان احد قادتها وهو الذي قام ايضا باغتيالات نخبوية ضد القادة الفلسطينيين ومنهم ابو يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان وخليل الوزير (ابوجهاد) ولعله الان مازال يسعى الى اغتيالات قد لا تختلف كثيرا عن مفهومه لهذا المبدأ حتى على المستوى الداخلي, فاللعبة السياسية التي يقوم بها الان تعطي مؤشرات واضحة عن مبدأ سياسته التي بدأها بتحجيم حزب العمل الذي ينتمي اليه وفرض الصراع المثير معه من خلال احاطته بالعسكريين, ولعله يرى من خلال حكومته الائتلافية الموسعة لعبة كبيرة فيها الكثير من القطط كما فيها الكثير من الفئران فباراك الذي يدعي استعداده للسلام مع العرب يخشى كثيرا هذا السلام فسعى الى تحصين نفسه بمساحة واسعة من المعارضين يمكن ان تؤثر على قراره الذي قد يتخذه بشأن العودة الى فتح ملف السلام اي ان عودته المحتملة جزئيا يمكن ان تواجه باعتراضات داخل الكنيست وداخل وزارته لذلك رسم وفور تسلمه السلطة سياسة يمكن ان نطلق عليها الوصايا العشر لحكمه المقبل تتجلى فيما يلي: 1 - القدس عاصمة اسرائيل الابدية. 2 - المستوطنات بقاء ابدي. 3 - لا للعودة الى حدود الرابع من يونيو 1967. 4 - لا لعودة اللاجئين حتى الى مناطق الحكم الذاتي. 5 - الحفاظ على الامن العسكري الاستراتيجي لاسرائيل. 6 - اعتبار الحدود مع الاردن حدودا شرقية بتخفيض نسبة الانسحاب من الضفة الغربية. 7 - المحافظة على المياه ومصادرها في الضفة الغربية. 8 - استغلال مصادر المياه في الجولان والجنوب اللبناني. 9 - لا لدولة فلسطينية تتمتع بالسيادة الكاملة على حدودها. 10 - المناورة في المفاوضات قبل دخولها وبعدها ان عادت مع الاطراف العربية كسوريا ولبنان اضافة الى المناورات الحالية مع السلطة الفلسطينية.