منذ خمسة عشر عاماً أصدر (جدع جلادى) من يهود فلسطين الاصليين كتابا بعنوان (اسرائيل نحو الانفجار من الداخل) . توقع جلادى في كتابه ايلولة التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين الى الصراع الداخلي , لاسيما بين يهود العالم العربي والحضارة الاسلامية المشرقية ويهود العالم الغربي والحضارة المسيحية. كما توقع وحدة الكفاح المشترك بين الشعب العربي الفلسطيني واليهود ضد الاستعمار الصهيوني الاجنبي, على أساس (وحدة الأمة العربية الاسلامية, بما فيها السنة والشيعة وأهل الكتاب أبناء دار الاسلام) . في ذلك الحين, جرى احتفاء كبير بالكتاب وموضوعة, وقد ترجم الى العربية ونشر على عجل. لكن السنين مضت ولم تنفجر اسرائيل, او برميل البارود كما وردت في وصف جلادى. والواقع ان الاعتقاد في اهلية التجمع الصهيوني للاقتتال الداخلي والتناحر, الذي يصل عند البعض الى حد انتظار انفجار اسرائيل من الداخل, يعود الى ما قبل كتاب جلادى وتوقعاته بكثير. وكذا الى ما قبل الظواهر التي واكبت مسيرة التسوية في التسعينات. حدث ذلك في الثلاثينات والاربعينات, حين برز تيار الصهيونية الاصلاحية بزعامة (فلاديمير جابوتنسكى) وتلميذه (مناحم بيجين) في مواجهة الصهيونية العمالية الاكثر براجماتية بزعامة (بن جوريون) . وكان التياران قد تضاربا بشدة في مقارباتهما لمستقبل الكيان الصهيوني وأسلوب التعامل مع بريطانيا والعرب. وكون كل منهما قواته العسكرية واجنحته الارهابية. بيد أنهما لم يصطدما. وحدث عندما اعلنت الدولة اليهودية, وقرر بن جوريون انهاء التنظيمات الارهابية والحاقها بصفوف الدولة, وبعد ممانعة محدودة, تمكن الرجل مما اراد, وتم تكوين جيش الدفاع الاسرائيلي الذي استوعب الفرق المسلحة كلها. تماما كما تم استيعاب قياداتها السياسية في النظام الحزبي العام. بعد قيام الدولة, لم يتوقف الحديث عن اضطهاد يهود الغرب ليهود الشرق. ولا اليهود كلهم لأبناء فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني منذ 1948 داخل اسرائيل. ومع ذلك فان الهجرة اليهودية لم تتوقف, ولا تمزق التجمع الصهيوني اربا من الداخل ـ ومضى المشروع الصهيوني يستكمل مراحله التوسعية. فقد ظلت الخلافات الداخلية تحت السيطرة والضبط. وقد أنذر انغماس اسرائيل في عملية التسوية منذ مطلع التسعينات بموجة اخرى من التوقعات, حول مصير الانشقاقات والخلافات الداخلية وتأثيرها على تماسك التجمع الاستيطاني. وراح المحللون بهذا الخصوص يراقبون الرؤى المستعرة بين من يسمون بالعلمانيين والدينيين. وكان مما اجج الموقف اغتيال (اسحاق رابين) على خلفية تقاطع تلك الرؤى عام 1995. فقد ذهب البعض الى ان الكيان الصهيوني موشك على الحرب الاهلية بين ذنيك المعسكرين. بل وان لكل منهما عاصمته المحلية: القدس للمتدينيين الحريديم وتل ابيب للعلمانيين. ولان هذا التقاطب بلغ ذروة عالية خلال نهاية عهد نتانياهو, وتقاطع فيه الديني بالعرقي, نتيجة انحياز يهود الشرق والسفارد للمتدينيين وانحياز اليهود الاشكناز الغربيين للعلمانيين بصفة عامة, فقد تصاعدت مجددا النغمة القديمة الجديدة حول مصير الائتلاف الوطني في اسرائيل. نود القول ان هذه النغمة (المقولة) ليست وليدة السنوات الأخيرة ولا هي نتاج المعركة الانتخابية 1999. غير ان عيوبها بدت صارخة في هذه المرحلة. وتقديرنا ان العيب الاصل في تعريف ما يجرى داخل التجمع الاستيطاني والغلو في احالته الى الانقسام الداخلي وصولا من البعض الى توهم انفجار اسرائيل من الداخل, يعود الى عدم الدقة في استخدام المفاهيم الدالة على الظاهرة. هناك فرق كبير بين الانقسام والتدافع والنقاش والحوار والتناظر بشأن القضايا الداخلية والخارجية. فوصف ما يجرى هناك بالانقسام الحاد, كما ورد كثيرا بين يدى بعض التحليلات العربية, يشيع تصور ان الاستقطاب الداخلي في اسرائيل بلغ طورا لا يمكن حسمه الا بالتصفيات العضوية. ويتداعى عن ذلك, تعزية النفس بأن المشروع الصهيوني يعاني امراضا مزمنة لا يمكن معالجتها, وما علينا سوى ان ننتظر لنرى له نهاية ما بمجهود لا يذكر من العرب في الخارج. هذا في حين تبدو الحقيقة غير ذلك الى حد بالغ, اذا جرى تعريف ما يدور من نزاعات داخلية بين التيارات المختلفة في اسرائيل وفقا لمفاهيم اخرى تعرفها الموسوعة السياسية, مثل الجدل والتناظر وتضارب وجهات النظر والرؤى والتدافع السلمى.. والحق ان كثيرا مما يعتمل على الساحة الاجتماعية السياسية الاسرائيلية ينتمي بالفعل الى الجدل السياسي وتقاطع الرؤى او تضاربها, اكثر مما يحتمل تعريفه بالصراعات والانقسامات الحادة التي يمكن ان تنتهي بكسر العظم بين الفرقاء. ينطبق هذا التحليل بصفة اساسية على الجانب اليهودي في هذه الدولة, وتدعونا اليه المعطيات التالية بلا حصر: اولاً: ان التجمعات الاستيطانية هي بطبيعة تكوينها تحوي طيفا عريضا من القوى المتباينة المنابت اجتماعياً واقتصاديا, عرقيا وحضاريا. لكنها في الوقت ذاته تعرف مجموعة من القواعد العامة المتفق عليها, التي من شأنها التأسيس لنوع من الاجماع العام بين هذه القوى لا يمكن تخطيه دون ضياع المشروع ذاته بكل من فيه. وفي اسرائيل كنموذج, لعلنا نلاحظ هذه القواعد في برامج كل التيارات وبخاصة فيما يتصل بالعلاقة مع العرب والمحيطين الاقليمي والدولي. وبسبب هذه الخصيصة تمكن باراك من تشكيل حكومة هي بالفعل اقرب لمفهوم حكومة الاجماع الوطني. ثانيا: لا يسمح النظام الاسرائيلي بخروج التدافع الداخلي عن المسموح به او ما يمكن ان ندعوه بمحاربة النظام او القوى المنافسة بالعنف المجرد.. لماذا؟ لان النظام السياسي فتح قنوات التعبير السياسي لكل من استأهل في نفسه قدرة على التعبير او امتلاك رؤية سياسية, كائنا ما كانت. ولهذا بالذات نجد ان دولة محدودة جغرافيا وسكانيا كاسرائيل, يتنافس على مؤسستيها التنفيذية والتشريعية عشرات الاحزاب والتيارات السياسية (في انتخابات 1999 كان هناك 33 قائمة حزبية!). فكأن هناك فسحة ومكان لكل الرؤى. وما على الجميع الا العمل داخل الساحة لا من خارجها. والذي لا ريب فيه ان المجتمعات التي تتوفر فيها مثل هذه الاريحية السياسية, تنأى بنفسها عن مكان الخطر واحتمالات تحول التنافس الى صراع لا حل له الا التمرد على الدولة ونظامها. ثالثاً: تصميم النظام الاسرائيلي بالحيثية المذكورة اعلاه لم ينشأ عن استلهام جدى من القيادات المؤسسة للديمقراطية فالصهيونية والديمقراطية الحقة ولاسيما الايمان بالمساواة لا يلتقيان. كل ما في الامر, ان طبيعة التجمع الصهيوني الاستيطاني هي التي ساقت هذه القيادات سوقا الى هذا النظام التعددي. التعددية في هذا النموذج الاستيطاني مسألة حياة او موت, باعتبار ان الدولة تضم خليطا من الشتات متعدد المصادر الحضارية والتجارب السياسية. واذا ارادت الدولة ونظامها الحياة الامنة بين هذا الشتات, فلابد ان تخلق القناعة لدى كل جماعة وافدة بأن لها مصلحة ذاتية مصونة. وفي هذا الاطار, نفهم لماذا تتكون احزاب وقوى سياسية وجماعات ضغط على اسس عرقية او حضارية واحدة, كقوى المهاجرين من روسيا او اليهود المغاربة او اليمنيين او الفلاشا.. ونفهم بالطبع, لماذا يسمح بتمرير هذه المسميات رغم تعارضها مع مفهوم دولة القانون والنظام, او رغم كونها نزعة اقرب الى القبلية في نظام يدعي لنفسه اوج التطور السياسي. رابعاً: من غير الصحيح بالمطلق ان تسامح القوى السياسية والفرق المختلفة في اسرائيل موقوت بتفاعلات الصراع مع العرب. الذي يشي بان التناقضات الداخلية سوف تطغى بعد حلول (السلام) , وقد ينفرط عقد الاجماع بعد زوال الخطر الخارجي. وذلك لاسباب وجيهة, منها ان القوى الاسرائيلية تقوم في الوقت الراهن بفرض سلاحها الخاص, سلام القوة والردع على العرب, بما لا يضمن غير تسوية لا تاريخية عرضة للاهتزاز في ظل متغيرات اخرى غير مواتية. وهذا يعني ان الخطر مازال كامنا في الرحاب الاقليمية. ومنها ان الكيانات الاستيطانية كإسرائيل لا تأمن لمحيطها الاقليمي على طول الخط ولا تستنيم لاي نوع ومن السلام, الامر الذي يحدوها للاستنفار وإدعاء الخطر الى ما لا نهاية.. اللهم الا اذا قضت على المجتمع الاصل وهذا غير وارد في الحالة العربية او حتى الفلسطينية. وجملة هذا المعطى ان فكرة الخطر الخارجي ستبقى احد لوازم او خصائص التجمع الاسرائيلي. وهي فكرة سوف تستعصم بها النخب الحاكمة باستمرار للحفاظ على التلاحم الداخلي وتقييد حدود الصدام والتدافع بين المستوطنين. من هذه المعطيات ومثلها مما قد لا يوافق المقام الافاضة حولها, نتصور وجود قدر غير قليل من المبالغة في مقاربة اسرائيل من الداخل عبر مفاهيم الصراع والانقسام والاستقطاب الدامي.. الخ. فلا النظرية السياسية تسمح بذلك, ولا نظرية النظم الاستيطانية ايضا بخاصة. الاجدر والادعى للتحليل المتوازن, التعاطي مع الائتلافات والشقاقات الاسرائيلية الداخلية من مدخل التنافس السياسي او التزاحم على الموارد او توازنات القوى من اجل الوصول الى سدة الحكم, وهي مساحات يمكن التحرك عليها بقدر من الأمان. وبدون ذلك قد نصل الى نتائج مضللة, نطمئن بها أنفسنا, فيما الحقيقة شيء اخر.