بقدر ما كان تأييد المهاجرين (الروس) لبنيامين نتانياهو احد الاسباب الرئيسية لفوزه بمنصب رئيس الحكومة الاسرائيلية في انتخابات عام 1996, فان تحول اصوات (الروس) نحو ايهود باراك كان احد اهم اسباب فوزه, وسقوط نتانياهو في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة. والواقع ان المهاجرين اليهود من روسيا وبقية دول الاتحاد السوفييتي السابق اصبحوا يمثلون احد المكونات الاكثر اهمية للمجتمع الاسرائيلي سواء من ناحية العدد (نحو مليون نسمة يمثلون قرابة 20% من السكان اليهود) او من ناحية الوزن الانتخابي (15% من عدد الناخبين) او من زاوية دورهم المتنامي على الصعيدين السياسي والاقتصادي, فضلاً عن دورهم البارز في تطوير العلم في الدولة الصهيونية بحكم وجود نسبة كبيرة من العلماء والباحثين بين صفوفهم. ويطلق على هؤلاء المهاجرين عادة اسم (الروس) باعتبار ان القادمين من روسيا يشكلون اغلبيتهم, وان اللغة الروسية هي لغتهم المشتركة. وحقيقة الامر ان نسبة كبيرة منهم جاءت من مختلف الجمهوريات السوفييتية السابقة, وخاصة من اوكرانيا وبيلوروسيا وجمهوريات البلطيق, واوزبكستان, واذربيجان, وجورجيا ومولدافيا. ويتسم المهاجرون (الروسي) بميل واضح للانغلاق على انفسهم. ورغم انهم يتعلمون العبرية بصورة اجبارية, شأن جميع المهاجرين, الا انهم يتحدثون بالروسية في احيائهم ومناطق تجمعهم. وقليلون للغاية من بينهم يقرأون الصحف العبرية, اذ ان لديهم صحفهم الخاصة التي تصدر باللغة الروسية (26 صحيفة ومجلة) . ويتابع معظمهم محطات التلفزيون الروسية المنقولة بالاقمار الصناعية, او محطات تلفزيونية صغيرة خاصة بهم, ناطقة بالروسية. وترجع هذه النزعة الانعزالية الى صعوبة اندماج المهاجرين (الروس) في المجتمع الاسرائيلي لاسباب ثقافية عميقة (بالمعنى الواسع للمصطلح) واخرى سياسية واقتصادية وعملية تتصل بالظروف المصاحبة لموجة الهجرة الرئيسية التي جاءت بهؤلاء المهاجرين الى اسرائيل... نعني ظروف تصدع ثم انهيار الاتحاد السوفييتي وتدهور الاوضاع الاقتصادية في الجمهوريات السوفييتية السابقة, الامر الذي يضع اساساً (براجماتيا) لهجرة اليهود (الروس) ويجعل اقساماً واسعة من المجتمع الاسرائيلي تعاملهم بنوع من الحذر والتشكك في ولائهم للدولة الصهيونية, وتعتبرهم اقرب الى نوع من (المهاجرين الاقتصاديين) ... المتدينون يضطهدون العلمانيين فاليهود (الروس) علمانيون باغلبيتهم الساحقة, بحكم نشأتهم في الاتحاد السوفييتي الذي كان يتخذ من (الالحاد العلمي) مذهباً للتربية الفكرية والفلسفية في المدارس والجامعات, ويعتبر اليهود قومية وليس اتباع دين محدد!! وكان يطلق عليهم بالروسية اسم (يفرلي) وتعني (عبري) ! وبغض النظر عما تنطوي عليه التسمية من مغالطة للتاريخ والحقائق, فقد اصبحت سائدة كتسمية لليهود السوفييت. وقد اتاح النظام السوفييتي لليهود فرصاً واسعة للغاية للارتقاء الاجتماعي سهلت اندماجهم في المجتمع وتمثلهم لثقافته, وانتشار الزيجات المختلطة بينهم وبين ابناء وبنات مختلف القوميات. ولا تنفى هذه الحقيقة حقيقة اخرى هي وجود نفوذ محسوس للحركة الصهيونية بين اليهود والسوفييت طوال الوقت. لكن هذا موضوع آخر يستحق معالجة مستقلة. وما يعنينا هنا هو ان الطابع العلماني اصبح مسيطراً على اليهود السوفييت سواء كانوا صهاينة او غير ذلك. وحينما بدأت موجة الهجرة اليهودية تتدفق على اسرائيل من الاتحاد السوفييتي, ثم من جمهورياته, على مدى العقد الاخير, فان المهاجرين (الروس) مثلوا اضافة عددية بالغة الاهمية للمعسكر العلماني في الدولة الصهيونية. وتصادف هذا, تاريخياً, مع صعود موجة التشدد الديني في اسرائيل, وما صاحبها من اشتداد نفوذ الاحزاب الدينية, ومن بينها حزب (شاس) الذي يمثل اليهود الشرقيين, وكان طبيعياً ان تستقبل الاحزاب الدينية, وخاصة (شاس) المهاجرين (الروس) بقدر كبير من الحذر والتشكك, الذي بدأ يتحول الى نوع من العداء من جانب (شاس) بصورة خاصة. وساعد على ذلك ان المحرك الاساسي لموجة الهجرة اليهودية (الروسية) الكبرى في التسعينات كان تدهور الاوضاع الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي قبيل انهياره (في ديسمبر 1991) ثم في جمهوريات الكومنولث. وكان طبيعياً ان تشمل هذه الموجة اعداداً كبيرة من الازواج والزوجات غير اليهود الذين جاؤوا مع اسرهم الى اسرائيل آملين في تحسين اوضاعهم الاقتصادية. واستفاد هؤلاء جميعا من (قانون الهجرة) الذي يسمح ايضاً بقدوم احفاد واقارب بعيدين اذا استطاعوا ان يثبتوا ان لهم اقارب في اسرائيل! ولم يكن هذا عسيرا على الكثيرين من ابناء شتى القوميات السوفييتية (سابقا) . ورأت الاحزاب الدينية خصوصاً في كل ذلك تهديداً (للطابع اليهودي) للدولة. ولان حزب (شاس) كان يتولى وزارة الداخلية فقد بدأ يقيم العقبات في وجه حصول كثير من (الروس) على تصاريح الهجرة والاقامة والعمل... الخ, الامر الذي ادى الى نشوء عداوة مكتومة ـ لم تلبث ان اصبحت علنية ـ بين الحزب والمهاجرين الروس. كما بدأت الاحزاب الدينية تثير بصورة حادة, قضية: (من هو اليهودي؟) ومن الذي يملك صلاحية قبول اعتناق غير اليهود للديانة اليهودية. كما ترفض محاكم الاحوال الشخصية الاعتراف بشرعية كثير من الزيجات المختلطة, او شرعية الابناء المولودين من زيجات مدنية, او يهودية الابناء المولودين لامهات غير يهوديات. وادى كل ذلك الى زيادة شعور (الروس) بالعزلة والاغتراب عن المجتمع الاسرائيلي ويكفي ان نشير الى ان نحو (200 الف) من بين حوالي مليون مهاجر (روسي) لديهم واحدة او اكثر من المشكلات المشار اليها! وفاقم من حدة المشكلة في السنوات الاولى من التسعينات ان عملية استيعاب المهاجرين كان من الطبيعي ان تستغرق وقتاً. وفي تلك الاثناء كانت نسبة البطالة مرتفعة بصورة ملحوظة بين (الروس) الامر الذي ساعد على انتشار الجريمة في صفوفهم, واتاح للمافيا (الروسية) ان تنشط بينهم على نطاق واسع. وجدير بالذكر ان هذه المافيا الموصوفة بأنها (روسية) تخضع لزعماء اخطرهم من اليهود, حتى في روسيا نفسها... لكن هذا موضوع يستحق معالجة مستقلة. وما يعنينا هنا هو ان مشكلات المهاجرين اليهود (الروس) قدمت اسلحة اضافية لخصومهم من الاحزاب الدينية, وخاصة (شاس) لاضطهادهم والتشهير بهم, وممارسة اشكال مختلفة من التمييز ضدهم, ومن ناحية اخرى فان خصوصية هذه المشكلات دفعت (الروس) للتفكير في انشاء حزب خاص بهم. حزب المهاجرين... وتعميق العزلة تم تشكيل اول حزب سياسي للمهاجرين (الروس) عام 1995 بقيادة ناتان شارانسكي المنشق (السوفييتي) الشهير الذي اصبح وزيراً للتجارة والصناعة في حكومة نتانياهو, بعد فوز الاخير في انتخابات عام 1996, وقد فاز الحزب ـ الذي اتخذ اسم (اسرائيل بعاليا) ـ بستة مقاعد في تلك الانتخابات. واذا وضعنا في اعتبارنا ان نتانياهو فاز على منافسه بيريز في انتخابات عام 1996 بفارق نصف في المائة فقط, لادركنا اهمية دور (الروس) في انتصار زعيم (الليكود) ... اذا انهم اعطوه نحو 70% من اصواتهم. الا ان دور (اسرائيل بعاليا) الحاسم في فوز نتانياهو, وتحالف الاخير مع شارانسكي لم يمنعا استمرار الخلاف بين (بعاليا) وحزب (شاس) المشترك, بدوره, في حكومة الليكود. فقد استمرت مشكلات (الروس) مع (شاس) ووزارة الداخلية التي كانت تحت سيطرته, وكان يتولاها اول الامر زعيمه (ارييه درعى) حتى ادانته في قضية فساد وعزله, لتنتقل الوزارة الى زعيم آخر من زعماء (شاس) . واصبحت هذه القضية سبباً للخلاف بين حزب (اسرائيل بعاليا) وزعيمه شارانسكي من جهة, ونتانياهو نفسه من جهة اخرى بسبب دعم الاخير (لشاس) ولاتجاهات التشدد الديني عموماً. وحينما اعلن نتانياهو عن نيته في اجراء انتخابات مبكرة, اكد شارانسكي انه لن يدخل في ائتلاف جديد مع نتانياهو الا إذا حصل حزب (اسرائيل بعاليا) على وزارة الداخلية. ورد نتانياهو على ذلك لتشجيع مدير مكتبه السابق (افيجدور ليبرمان) على الانشقاق عن (بعاليا) بالتحالف مع النائبين يورى شتيرن وميخائيل فولد مان, وتشكيل حزب جديد للمهاجرين (الروس) هو حزب (اسرائيل بيتنا) وكان هذا التحريض على انشقاق (بعاليا) من الاسباب التي اثارت حفيظة المهاجرين الروس ضد نتانياهو, ودفعت النسبة الاكبر منهم الى سحب تأييدهم له, والتصويت لصالح منافسة ايهود باراك. وقد فاز (اسرائيل بعاليا) بسبعة مقاعد في انتخابات الكنيست الاخيرة, اتاحت له الحصول على حقيبتين وزارتين في حكومة باراك. والامر الاكثر أهمية هو ان شارانسكي اصر على تولي وزارة الداخلية كشريط لدخول الائتلاف الحكومي. وكان له ما اراد, الامر الذي اعتبره المراقبون ضربة قوية (لشاس) الفائز بـ 17 مقعداً في الانتخابات. وفي المقابل حصل (اسرائيل بيتنا) على اربعة مقاعد في الكنيست وصوت لصالحه 82 الف ناخب مقابل 163 الفاً صوتوا لصالح حزب (اسرائيل بعاليا) بنسبة 2.6% للاول مقابل 5.2% من الاصوات للثاني. وتسمح لنا هذه النتيجة بالقول ان (بعاليا) كان يمكن ان يحصل على 11 مقعداً على الاقل ـ ليصبح رابع احزاب الكنيست ـ لو لم يحدث الانشقاق الذي حرض عليه نتانياهو. ومن ناحية اخرى فان هذا الانشقاق, ربما جعل بعض الناخبين (الروس) ينصرفون عن الحزبين كليهما. وعلى اية حال فاننا لا نستطيع ان نغفل دلالة توجية المهاجرين لاصواتهم نحو الحزبية الخاصين بهما (11 مقعداً مقابل 6 فقط (لبعاليا) في انتخابات 1996) . وتشير هذه النتيجة الى حرص (المهاجرين) على التمايز وابراز هويتهم الخاصة في غمار (حرب الهويات) المحتدمة في المجتمع الصهيوني. كما تشير الى زيادة ثقة المهاجرين (الروس) بأنفسهم وبزعمائهم. الا ان للمسألة جانباً آخر لا ينبغي اغفاله. ذلك ان نسبة (الروس) الى مجموع الناخبين في اسرائيل تبلغ نحو 15%. وتتيح لهم هذه النسبة, نظريا, امكانية الحصول على نحو 17 مقعداً لو ان كل اصواتهم توجهت لحزبيهم فقط. لكن الواقع يشير اولا: الى ان نسبة كبيرة من المهاجرين (الروس) لا تشارك في الانتخابات, ولا تهتم كثيراً بالسياسة, وبالتالي فان اصوات هؤلاء تضيع على الحزبين. ومن ناحية ثانية فان نسبة ملموسة من المهاجرين الاقدم, بدأت تندمج, على استحياء, في المجتمع الاسرائيلي بأحزابه التقليدية. واغلب هؤلاء من ذوي (الاوضاع النموذجية) التي لم تصطدم بتناقضات المجتمع الاسرائيلي, وتم استيعابهم بدون مشكلات, وخاصة العلماء والباحثون المتميزون ورجال الاعمال ومن إليهم. اتفاق على العدوان وبالنسبة للخط السياسي والفكري فان الحزبين كليهما يتبنيان مواقف يمينية. وهما اقرب الى الليكود, مع انسجام اكبر وميل اكثر تجاه اليمين من جانب (روسيا بيتنا) بزعامة افيجدور ليبرمان. ولا ينبغي ان نغفل حقيقة تحالف زعماء الحزبين مع نتانياهو وحزبه في اطار حكومة الليكود (1999-96) . ويتخذ الحزبان نفس المواقف اليمينية تجاه قضايا التسوية الشرق اوسطية. فهما يرفضان ازالة المستوطنات من الاراضي الفلسطينية, او اقامة دولة للفلسطينيين ولا يبديان حماساً حتى لتطبيق اتفاقية (واي ريفر) ... كما يرفضان الانسحاب الكامل من الجولان, او الانسحاب من الجنوب اللبناني دون توقيع اتفاقية تتضمن شروطاً (تحقق الامن لاسرائيل) وباختصار فانهما يتبنيان سياسة ليكودية تجاه قضايا التسوية. وقد اشار شارانسكي في حديث له الى صحيفة (نيزافيسيما باجازيتا) الروسية الى ان سياسة باراك لا تختلف عن سياسة نتانياهو من الناحية الجوهرية. (ليت بعض العرب يقرأون!) وانها تركز على الامن الاسرائيلي. وقال شارانسكي ان مشكلة نتانياهو الرئيسية تكمن في علاقته الخشنة وغير المستقيمة مع حلفائه ووزارئه وميله للانفراد باتخاذ القرارات, وكذلك سلوكه على الساحة الدولية بطريقة افقدته ثقة حلفاء اسرائيل. اما بالنسبة للسياسة الداخلية فان الحزبين يؤكدان على انحيازهما للعلمانية وعدائهما للتشدد الديني, مع وضوح هذا الطابع بصورة اكثر بروزاً بالنسبة لحزب (بعاليا) كذلك يؤديد الحزبان الخط الاقتصادي اليميني الذي كان ينتهجه الليكود (الخصخصة وتحرير الاقتصاد... الخ) وهو الخط الذي يتجه (حزب العمل) للاقتراب منه بصورة متزايدة, بغض النظر عن الخلفية (اليسارية) التقليدية للحزب. ويطالب الحزبان كلاهما بتوجيه موارد ومخصصات اكبر لاستيعاب المهاجرين وادماجهم في المجتمع الاسرائيلي, وخلق فرص عمل جديدة, وتوفير اسكان افضل لهم... وغير ذلك من المطالب الكفيلة بتحسين اوضاع المهاجرين. وثمة نقطة تمايز مهمة فيما يتصل بالتركيب الاجتماعي لكل من الحزبين, تؤثر بالضرورة في موقفه من المجتمع الاسرائيلي, وبعض توجهاته, فبينما يعتمد (اسرائيل بعاليا) بالدرجة الاولى على المهاجرين الجدد في عضويته وانصاره, ويؤكد بقوة على الطابع المتميز والمستقل للمهاجرين وحزبهم... فان (اسرائيل بيتنا) يضم مهاجرين اقدم (وخاصة من القادمين في السبعينات والثمانينات) وابناءهم من المولودين في اسرائيل. ويتطلع الى التحول تدريجيا الى (حزب قومي اسرائيلي) عادي. ومفهوم ان التقدم في هذا الاتجاه يرتبط بالضرورة بحل المشكلات المعقدة التي تؤدي الى شعور المهاجرين بالعزلة والاغتراب عن المجتمع الاسرائيلي, واهمها الاتساع المتزايد لنفوذ الاتجاهات الدينية المتشددة, وتفاقم النزعات العنصرية في الدولة الصهيونية, وبين مختلف فئاتها اليهودية. ولما كانت هذه المشكلات تتفاقم ولا تتجه الى الحل... ولما كان غياب اي تهديد خارجي مؤثر يضعف من اهمية (التماسك في مواجهة الخطر الخارجي) ... فالمتوقع ان يزيد تأثير هذه العناصر. لذلك فاننا نتوقع ان يكون حزب (اسرائيل بعاليا) اكثر ديناميكية وقدرة على الانتشار بين صفوف المهاجرين (الروس) في الفترة المقبلة, خاصة وان تدفق المهاجرين لا يتوقف وبالتالي يتسع الجمهور الطبيعي (لبعاليا) كما ان وجود الحزب في الحكومة, وفي موقع حساس كوزارة الداخلية يؤهله للعب دور اكثر نشاطاً وفاعلية من منافسه (اسرائيل بيتنا) , خاصة اذا وضعنا في اعتبارنا فارق الخبرة السياسية والشعبية بين زعماء الحزبين, والذي يميل بوضوح لصالح (اسرائيل بعاليا) ... ويؤدي ذلك كله بنا الى القول بأن مشكلة عزلة المهاجرين (الروس) في المجتمع الاسرائيلي ستظل قائمة سنوات طويلة مقبلة ان لم يكن لعقود بأكملها.