في مقال له بجريدة الأهرام القاهرية, حاول هنري سيجمان (مدير بحوث الشرق الاوسط في مجلس العلاقات الخارجية بنيويورك, والمدير التنفيذي الاسبق للمؤتمر اليهودي الامريكي .. حاول ان يلامس احد اهم الاسباب الدافعة للأزمة الراهنة, التي صنعها ايهود باراك, رئيس الوزراء الإسرائيلي, حول تنفيذ اتفاق (واي بلانتيشن) , الذي تم التوقيع عليه بين الفلسطينيين وإسرائيل في اكتوبر الماضي 1998. واذا كانت هذه الازمة, وصانعها, تعد مفاجئة بكل المقاييس في ضوء الشعور العام في المنطقة وفي العالم, بالتفاؤل بعد انتخاب باراك على انقاض سلفه ومنافسه بنيامين نتانياهو.. الا أن سيجمان حاول في مقاله (الذي نشر في 7 اغسطس الجاري), ارجاع تعثر تنفيذ اتفاق (واي) , الى خوف باراك من المواجهة مع المستوطنين, ومع من يؤيدونهم داخل الحزب القومي الديني, المشارك في حكومة اسرائيل الحالية.. إذ يؤكد سيجمان على ان ذلك: (هو السبب الذي جعل ايهود باراك يقترح تأجيل اتفاق واي, او دمج بعض بنوده مع مفاوضات المرحلة النهائية) . ولعلنا لا نغالي اذا قلنا ان هذا (السبب) الذي يذكره سيجمان, كان هو نفسه ضمن العوامل في احجام بنيامين نتانياهو عن تنفيذ الاتفاق الذي وقعه شخصياً.. بل ان هذا الاحجام كان هو العامل المؤثر في صنع الأزمة السياسية التي أدت الى الانتخابات المبكرة, تلك التي اطاحت بنتانياهو, وجاءت بباراك. بيد ان الامر الجدير بالتأمل, هنا, ان نتانياهو كان قد حاول جاهداً ان يتفادى هذه الازمة (التي اطاحت به), بدعوة ايهود باراك وحزب العمل للانضمام الى حكومة (وحدة وطنية) , تستطيع تنفيذ اتفاق (واي بلانتيشن) , وتنقذ رئيس الوزراء ـ حينئذ ـ من الأزمة, ومن ابتزاز المستوطنين والأحزاب المؤيدة لهم, مثل الحزب القومي الديني.. الا ان باراك رفض اقتراح نتانياهو, ومن ثم رفض ان يمد (طوق النجاة) الى نتانياهو.. فكان ما كان. التساؤل, اذن, هو: ترى, هل يكرر باراك موقف نتانياهو (المعروف) من التسوية, خوفا من الاستقطاب الحاد في اسرائيل تجاه هذه العملية بصفة عامة, وتجاه تنفيذ اتفاق (واي) على وجه الخصوص؟!. لعل اول ما يواجهنا في هذا الشأن, شأن الاستقطاب المشار اليه, انه يدفع بدوره الى حالة حادة من الانقسام الداخلي في اسرائيل بين جماعات واحزاب المعارضة اليمينية المتطرفة, اي: الدينية والمستوطنين من جهة, وبين الحكومة الاسرائيلية بقيادة حزب العمل من جهة أخرى. ولعل خطورة هذا الانقسام تزداد مع دخول العديد من رجال الدين الى حلبة هذا التصارع السياسي, خاصة في إطار الفتوى التي أصدرها هؤلاء حول (تجريم) الانسحاب من الضفة الغربية المحتلة.. لذا, زادت الحملة الاصولية اليهودية, في الداخل, ضد عملية التسوية, لاسيما عقب ابرام اتفاق (اوسلو ـ 2) ثم عقب ابرام اتفاق (واي بلانتيشن) بين سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية واسرائيل.. وتكفى الاشارة, هنا, الى ان اوساط اليمين المتطرف (الديني والقومي) شنت حملة كبيرة على نتانياهو, بعد اتفاق (واي) , متهمة اياه بالكذب والنفاق, لانه تخلى عن مبادئه وتنصل من الوعود التي قطعها على نفسه امام ناخبيه بشأن (عدم منح الفلسطينيين اراض جديدة) في الضفة الغربية (التي يطلقون عليها (يهودا والسامرا) ويعتبرونها (ارض الميعاد).. ووصلت هذه الاتهامات الى حد اطلاق لقب خائن على نتانياهو لتفريطه بـ (ارض اسرائيل) . في ظل هذا الوضع يمكن النظر بجدية, الى احتمال نشوب صراعات حادة في اسرائيل, حال وصول الحكومة الاسرائيلية الى اتفاقات متكاملة ونهائية للتسوية مع الفلسطينيين والسوريين. يعنى هذا, ان جميع الاحتمالات تبدو واردة, بفعل الاختلاف حول عملية تسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي. الا أن ترجيح اي من هذه الاحتمالات, سوف يتوقف على المضمون التفصيلي لاتفاقيات التسوية النهائية بشأن كل من الضفة الغربية وهضبة الجولان.. كما يتوقف على الكيفية التي سوف تسعى الحكومة الاسرائيلية بها الى تمرير هذه الاتفاقيات لدى القنوات التشريعية والعامة. الاختلاف, اذن, بشأن تسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي, هو ما يمثل المحور الرئيسي للاستقطاب والتوتر بين العديد من الجماعات والقوى الفاعلة على الساحة السياسية الاسرائيلية, خاصة وان الجماعات الدينية المتطرفة ترفض اتخاذ اية مواقف وسط في اطار هذا الخلاف. والواقع ان الجماعات والقوى الدينية في موقفها هذا, تبدو متسقة تماما مع مضمون التعبئة السياسية والايديولوجية التي جرى الترويج لها في اسرائيل على مدى العقود الاربعة الماضية. وبالتالي, فانه اذا جرى التوصل الى اتفاقيات تسوية نهائية, واذا انطوت هذه الاتفاقيات على انسحاب اسرائيل من اراض واسعة من الضفة الغربية وهضبة الجولان, فان ذلك لن يرضي المستوطنين واليمين الديني المتطرف في اسرائيل, وهو ما يمكن ان يؤدي الى استفحال وتفاقم اعمال العنف الداخلي بين الحكومة ومعارضي اتجاه التسوية مع العرب. اذ من الواضح, ان اليمين الديني المتطرف في اسرائيل, يبدو عازما على التمسك بمواقفه في اطار الذرائع والاسانيد التوراتية, حتى وإن أدى ذلك الى نشوب صراع اهلي واسع النطاق في اسرائيل, وبما يعنى ان الجماعات والقوى الدينية تلك, لن تقبل أيضاً بنتيجة اي (استفتاء) يمكن ان يجرى في هذا الشأن, اذا جاءت نتيجته لصالح الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة, خاصة الضفة الغربية في إطار عملية التسوية التي تجرى راهناً. بل ان فاعلية مثل هذا التيار الديني, تتعزز بالنظر الى انه يقف على ارضية مشتركة مع عناصر فاعلة داخل المؤسسة العسكرية الاسرائيلية, اذ أن الاثنين يختلفان في الدوافع والمنطلقات, ولكنهما يتفقان على ضرورة وأهمية ان تحتفظ اسرائيل بالاراضي العربية المحتلة, او القدر الأكبر منها على الأقل, مما يعني ان المواجهة بين المؤيدين والمعارضين لمبدأ الانسحاب, هي مواجهة تبدو جميع الاحتمالات مفتوحة امامها. من هنا, يمكن فهم الخلفية العامة التي تحكم الازمة الراهنة بين اسرائيل والفلسطينيين, فيما يخص اتفاق (واي بلانتيشن) .. بيد ان اهم ما يمكن ملاحظته, هنا, ان تعطيل تنفيذ اتفاق (واي) يعني, بالنسبة للإسرائيليين وعلى رأسهم رئيس الوزراء باراك, ان كل يوم يمر دون تنفيذ اسرائيل لالتزاماتها, يؤدي الى مصادرة مساحات جديدة من الارض العربية وبناء مزيد من المستوطنات, ومزيد من التغيير في الطبيعة السكانية والجغرافية للاراضي العربية.. وهو الأمر الذي يصعب من فرص استعادة هذه الاراضي في المستقبل, او على الاقل: يصعب من امكانية حل المشكلات المتعلقة بها والمتولدة عنها. وهكذا, فان الازمة المثارة راهناً بين اسرائيل والفلسطينيين حول تنفيذ اتفاق (واي) , تشير الى ان مصير هذا الاتفاق يتوقف على اثنين من الاحتمالات: اولا: ان يتمكن ايهود باراك (...) من ردع المستوطنين والاحزاب المؤيدة لهم والمدافعة عنهم, وإلزامهم باحترام الحقوق العربية في الأرض وفي السيادة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة (.. وأيضاً في مرتفعات الجولان). ثانياً: ان يضطر الفلسطينيون الى التنازل عن موقفهم, من اجل التوافق مع اقتراحات باراك, او على الاقل من اجل التوصل الى (صيغة وسط) , لن تكون في أحسن الاحوال الا صيغة مناسبة تماماً لمقترحات باراك ولمصالح اسرائيل. ولان الاحتمال الاخير هو الارجح, لذا يمكن التعرف على السبب الحقيقي الذي من أجله صنع باراك الازمة الراهنة مع الفلسطينيين.. اذ انه, فيما يبدو, يريد ان يبدأ مفاوضات الوضع النهائي مع السلطة الوطنية الفلسطينية, وهو يفرض احتلاله على أكبر مساحة ممكنة من الاراضي الفلسطينية, لتعزيز موقفه التفاوضي. ولا يمكن ايجاد تفسير آخر لتلك المناورات المتتالية التي يجريها باراك, عملا على كسب الوقت الى ان تبدأ حملة الانتخابات الأمريكية الرئاسية الجديدة, وتنشغل واشنطن بأمورها الداخلية بعيداً عن أزمة منطقة الشرق الأوسط.