لم يحمل رحيل نتانياهو عن الواجهة السياسية في اسرائيل وقدوم باراك الأمل الجديد لدى العرب في وجود مرحلة جديدة للسلام, بل حمل معه ايضا الآمال للغالبية العظمى من الاسرائيليين في الداخل لرأب صدع الانقسام الداخلي الحادث باسرائيل والتناقضات الاجتماعية والصدام بين القوى الدينية والعلمانية والذي اتضحت معالمه في السنوات الأخيرة منذ مقتل رابين الى صعود نتانياهو, فهل يحمل باراك في مخططاته بالفعل ما يمكن ان يواجه به هذه التناقضات ومعالجتها؟ وهل يستطع تحقيق شعار اسرائيل الواحدة؟ والى اين ستمضي التطورات الداخلية في اسرائيل وما مدى انعكاساتها على عملية التسوية في الشرق الأوسط؟ طرح (الملف السياسي) هذه التساؤلات وغيرها على د. اسعد جابر استاذ الثقافات العربية واللغات في جامعة ليدن والمراقب للشؤون السياسية الاسرائيلية. * كيف يمكن رصد التناقضات الموجودة في اسرائيل وما هو الاسلوب الذي يتبعه باراك للتعامل مع هذه التناقضات ومحاولة علاجها؟ ** بداية يجب معرفة ان تبنى باراك لفكرة اسرائيل الموحدة سواء طرحها باسلوب فردي او من خلال الجماعة او الحكومة او الحزب, يتمثل في ادراكه لوجود تناقضات حقيقية في المجتمع الاسرائيلي, وان هذه التناقضات قائمة منذ كان رابين في السلطة وفي عهد نتانياهو وقبل هؤلاء ايضا وحتى الان, واحتمالات تزايدها في المستقبل امر قائم, فهذا انعكاس على وضع موجود في فترة رابين او في اواخرها, وباراك يريد تجاوز هذا الوضع فتم طرح فكرة (اسرائيل الموحدة) , ورغم ان هذا الطرح كان من الممكن ان يتناسب مع دور معين كان موجودا في تلك الفترة السابقة, فان السؤال الان هل لايزال هذا المناخ السياسي قائم ام لا, وهل تمكن باراك بالتوليفة التي شكلها من الرد على هذه الصراعات ام ان هذا سيستغرق بعض من الوقت, لان المشكلة ليست في اليمين او اليسار, بل الامر متجذر, فالقضية متعلقة بالفكر السياسي والانتماء للوطن, فهل باراك يدافع عن امتلاك اسرائيل للارض فقط ام يريد تطبيق سياسة معينة ولديه فكرة يريد تطبيقها..؟, وهذا هو الفارق بين الامرين, وحزب العمل او لنقل بتعبير ادق الحركة العمالية والحركة اليمينية هم الاساس لكل هذه الفكرة, اذا الحركة العمالية هي مظلة تطوى تحتها اليسار واحزاب اخرى لهم انتماءات اخرى, وهذا هو الاساس. واول التناقضات الصدامية في المجتمع الاسرائيلي هي بين العلمانيين والمتدينيين, فمنذ نشأة دولة اسرائيل وحتى الان توجد قضية خلافية لم يتم حسمها بعد, تتمثل في تعريف من هو اليهودي, والنقطة الثانية المثيرة للتناقض حول باراك هي احتفاظه بوزارة الدفاع مع منصبه كرئيس للوزراء, وعلى الرغم ان لديه قادة من الطراز الاول في الحكومة, لكنه مع ذلك احتفظ بوزارة الدفاع في قبضته لان لديه تصور معين عمل من خلاله بسبب تواجده في قيادة الاركان في فترة رابين, فقد كان هناك (مطبخ امني) تم اختياره هو لرئاسته بالإضافة الى مجموعة اخرى من العسكريين لوضع تصور مستقبلي حول الحرب المقبلة, وهذا التصور اخذ في اعتباره ثلاث نقاط: ـ الجيوبولوتيك او الجيو سياسي, اي التحالفات خارج اسرائيل مع تركيا. ـ مدى الوصول الى نوع من العلاقات بين اسرائيل وسوريا. ـ المشكلة الفلسطينية في الداخل. * ما هو تأثير هذا التناقض المحيط بباراك على مستقبل عملية التسوية في الشرق الاوسط خاصة السلام مع فلسطين؟ ** التأثير الاخطر هو ان باراك لا يتعامل مع فلسطين كشريك, وهذه مشكلة اساسية فباراك يخبر كل العالم برغبته في دمج جزء من الاتفاق في جزء اخر, ثم يخطر فلسطين في النهاية بالنتائج, وبديهي في هذه الحالة ان ترفض فلسطين, وباراك معروف في توجهاته فهو لم يوافق منذ البداية على اتفاقات اوسلو, وهو بالتالي يعارض اتفاق (واي) لذلك فهو في تصوري (باراكياهو) اي يطبق سياسته مع سياسة سلفه نتانياهو, لكنه ينفذ هذا بتكتيك وهدوء وسياسة وليس بوقاحة وتعنت وفظاظة, وهو يعتمد في ذلك على المرارة التي تراكمت في حكم نتانياهو, حيث علق الجميع عليه آمال كبيرة جدا, وانا نفسي اندهش من هذه الآمال التي علقت عليه رغم انه لم يقدم الا وعودا, ثم بدأ التراجع, وهذا تفسيره امران, اما انه لا يملك تصور فعلي لما يريد ان يصل اليه, او ما يفعله انما بالونات اختبار, فهو حتى الان لم يقدم شيئا ملموسا, لكنه يتميز بالتكتيك الفني, فهو يطلق مفردات مثل: سنطبق اتفاق واي. والعالم يتساءل مثلي.. ماذا يمنعه من التنفيذ..؟, فليقم بالتطبيق الفعلي للاتفاقيات, وهنا تجدر الاشارة ان الفلسطينيين في الداخل اعطوا اصواتهم لباراك ليس حبا فيه ولكن كرها في نتانياهو, وهي عملية التأييد التي ساهمت في رفعه لكرسي السلطة, واذا كان قد قام بتعيين وزراء او نواب لوزراء من الفلسطينيين, فان هذا لن يعني شيئا طالما التمييز الحقيقي لايزال في الارض, فما جدوى ان يسلب الارض ولا يمنح الفلسطينيين بالداخل او (ما يطلق عليهم بعرب اسرائيل) وظائف عالية, فالآلاف منهم قد انهو دراساتهم بالجامعات داخل اسرائيل ويتحدثون العبرية ولديهم جوازات سفر اسرائيلية, لكنهم بلا عمل, وعندما يصبح الفلسطيني عضوا بالكنيست الاسرائيلي فعليه ان يقسم يمين بالولاء واذا اخل به تتم محاكمته فورا, وطبيعي جدا اذا ما عينت اسرائيل فلسطيني في وظيفة سياسية ما أو اي ادارة سيكون ملتزما بتنفيذها وفقا للقانون, اذا فهذا ليس بمنة او فضل, نعم لا ننكر بانها خطوة او نقلة لكنها ليست نوعية, اذا لم يحدث تغيير على ارض الواقع, لوجود هذا التناقض من سلب الارض وهدم بيوت الفلسطينيين ومنع تراخيص البناء, فماذا سيضيف هذا العضو الفلسطيني في الكنيست هنا او هناك, ومن هنا فان تعيين نائب وزير خارجية فلسطيني لم يكن الا مسألة اراد بها باراك محاكاة وسائل الاعلام فقط, وهذا الفلسطيني هو المسؤول عن حقيبة الاعلام, وينفذ خطة الحكومة الاسرائيلية الموضوعة مسبقا, فاذا كان وجود (نواف مصالحة) قد يعطى نكهة من نوع ما لكونه عربي, لكنه يلتزم بخطة معينة في اطار حكومة اسرائيل, اذا وجوده انما للواجهة العربية فقط. * لو عدنا للصدامات الحقيقية الموجودة داخل اسرائيل, ما هي الصدامات الحالية او المستقبلية المتوقعة بجانب الصدام العلماني والديني؟ ** اتوقع ان الصدام القادم هو صدام ثقافي, بين يهودي شرقي ويهودي اوروبي بالمعنى العام, بسبب الفجوة الاجتماعية الموجودة في اسرائيل, والتي زادت بوصول اعداد هائلة مؤخرا من اليهود الروس لاسرائيل والذين يتمتعون بمستويات علمية وثقافية اكبر, ومتطلباتهم تختلف, فاليهود الروس الذين هاجروا لاسرائيل حديثا اكثر علما ممن سبقوهم, لتغير الظروف الاقتصادية لهؤلاء, كما ان هؤلاء ليسوا فقط من اليهود, بل من المسيحيين المتوشحين بغطاء اليهودية اما لزواجهم من يهود او بحصولهم على اية اوراق رسمية استصدرت خصيصا لتسهيل هجرتهم, وهذه هي التصادمية المقبلة, ففي اسرائيل يمكنك ان ترى اللغة الروسية هي المستخدمة في الطرقات العامة, وهذا سيسبب خلخلة لما يسمى بإسرائيل الواحدة سواء من الناحية الاجتماعية او السياسية, فبعد 50 سنة كانت تنادي فيها اسرائيل بكونها بوتقة لصهر كافة الأقليات او الأصول اليهودية في دولة واحدة, وقد يجبرها الظرف الداخلي على هذا الصهر. اما الصدام الثاني, فهو عربي, والصراع العربي الاسرائيلي من الداخل سيكون من قلب الاحزاب السياسية, لكنه لن يكون قويا من حيث السلاح والتخطيط, وسيكتفي بالمظاهرات والمناوشات والاضرابات ولن يزيد عن ذلك لانها في صدامها لا تملك القوة او السلاح, ويجب ان تلعب في اطار القانون الاسرائيلي. لذلك فالحزب الذي يدعي ان مشكلة اسرائيل هي امنية فقط, وانها ليست انعكاسا للأوضاع فادعاؤه غير صحيح, فما يحدث داخل اسرائيل هو انعكاس لأوامر فترة رابين, وقد وضح الان وبجلاء ان هناك انقساما في داخل اسرائيل وهذا يهددها ويشكل بداية خطر, وهنا اطرح تساؤلي, هل يعتقد العالم فعلا ان السلام مع العرب في مصلحة اسرائيل, الاجابة.. لا, لان عدم تحقيق هذا السلام سيثير كافة الضغوط من الخارج, والتي تؤدي الى التوحد والتآلف من الداخل, اذا يجب ان يكون هناك توتر في الخارج اي قضية ليكون التوحد الاسرائيلي من الداخل, والا تم حل القضية بسهولة مع الاعتراف بالشريك الكامل في المفاوضات, لكن اسرائيل تعلم انها حال تفكيرها في التساوي مع الطرف الاخر الفلسطيني, وتقاسم القضية لتم حلها, لكن باراك يفكر دائما في انه افضل من الاخر وله حق التميز الزائد, وذلك ليبقى على التوحد في الداخل. * هل تم بالفعل تهديد باراك بالقتل كما يقال وما هي الحقيقة وراء هذا الحدث...؟ ** في مجتمع كاسرائيل, كل شيء ممكن, واتصور ان الصراع داخل المجتمع وراء الحادث, فقد سبق ان كان الصراع بين بن جوريرن والهاجانا, اي بين القوى اليمينية والقوى العمالية وهي القوات العسكرية المؤسسة لاسرائيل, ويعود الصراع الى ما قبل قيام الدولة, وتوحيد الاجنحة العسكرية في جيش اطار واحد اسمه جيش الدفاع الاسرائيلي وليس جيش القتال, وقد كان مكونا من وحدات عسكرية مختلفة, تنتمي الى احزاب اسرائيلية عمالية او متطرفة. * هل تحتاج اسرائيل الان الى عمل ميليشيات لتحقيق ما تسعى اليه من امن؟ ** دعني اجيب سؤالك بشكل اخر, في المستوطنات توجد قوات عسكرية من المستوطنات نفسها, واذا كانت هذه المستوطنات دينية, فيستلزم الدفاع عنها من الداخل ممن ينتمون دينيا, والمستوطنات اليسارية ستدافع عنها ايضا القوات الموجودة اليسارية, اذا يوجد نوع من الميليشيات لكنها مقننة. عسكرة المجتمع * هل امتلاك المدنيين للاسلحة الخفيفة والاوتوماتيكية يجعلهم طرفا في المتناقضات داخل المجتمع الاسرائيلي وسببا في خلخلته لو حدث به صراع ما..؟ ** انا لا ارى في اسرائيل مدنيين, كلهم في نظري جنود, لكن تجاوزا, فلو حدث صراع سيشارك هؤلاء في تقوية طرف على اخر, بشرط وجود زعامة تتمتع بالكاريزما والقوة لتوحيد هذه العملية, ومن الممكن في هذه الحالة ان يستخدم الدينيين السلاح ضد العلمانيين, فكل منهم الان يمتلك سلاحا رسميا ومقننا, اذا المسألة هي وجود كيان داخل كيان لكنه مقنن, ولو تمت الان مطالبة باراك لضغط اليد المبسوطة عن الحركات الاسلامية, كأن يتم اعفاءهم من التجنيد, ويذهبون الى المدارس الخاصة التي تهتم بالدراسة. * هل يوجد لدى باراك آليات تمكنه من التغلب على الانقسامات الحادثة الان او في المستقبل؟ ** اذا تمكن باراك من احتواء المشكلة المقبلة مع شعبه والتي تتمثل في نقل او ازالة الخمسة عشرة مستوطنة والتي تمثل المشكلة في القسم الثالث من اتفاق واي, وفيما عدا ذلك يمكنه تخطي اية مشكلة الا مشكلة الجولان, فاذا تمكن باراك من تنحية او تخفيف المشكلة بالتخلي عن الـ 15 مستوطنة الموجود في اطار واي بلانتيشن الاخير, فسيبقى السؤال المتعلق بهذه المستوطنات, هل ستقع في اطار تحت السلطة الفلسطينية ام هل ستضم الى اسرائيل, ام سيخترع لها ممر وطرق التفافية للوصول اليها, فاذا نجح في تجاوز هذه المشكلة مع الشعب وحلها مع الفلسطينيين يمكنه اذا ان يتجاوز اي مشكلة بعد ذلك. وهناك المشكلة الاساسية التي عند باراك, فهو الان يمتلك مقاليد السلطة السياسية والعسكرية في آن واحد, وهذا يؤكد معنى واحد, وهو انه يجب ان يكون جيش اسرائيل على نهر الاردن, بجانب عدم وجود تواصل بري بين فلسطين واية دولة عربية موجودة على الاطراف, حتى لو صار سلام وطبق اتفاق (واي) الاخير, لذلك نجد ان نتانياهو وافق على اعطاء الفلسطينيين محمية طبيعية في غور الاردن, اي بجانب المملكة الاردنية الهاشمية, وباراك مستعد ان يعطى للفلسطينيين ارض في الداخل, وان يبعدهم عن الأطراف لكي لا يحدث تواصل بري بين فلسطين والدول العربية. اجرى الحوار في لاهاي: سعيد السبكي