في حمى الحديث عن احتمالات تقدم المسيرة السلمية في الشرق الاوسط, وفي ضوء مساحة التفاؤل الواسعة في الاوساط السياسية والرسمية العربية والمنطقة عموما عقب هزيمة نتانياهو وصعود باراك الذي اطلق شعاراته الداعية لانجاح عملية السلام واستكمالها على كافة المسارات, وتحولت بعدها الى (بالونات اختبار) . في ظل هذه الاجواء يرصد غير قليل من المحللين السياسيين وخبراء الشؤون الاسرائيلية الاوضاع الداخلية التي تعتمل في المجتمع الاسرائيلي جراء التجاذبات والتناقضات التي بدأت تتسع وتأخذ مدى كبيرا بين فئاته وتكويناته. ويمكن للمراقب الحصيف ان يلحظ ذلك من مسار الانتخابات التي جرت في مايو الماضي والصراعات التي دارت بين القوى السياسية بمختلف اطيافها ومشاربها الفكرية, لقد كشفت تلك الحملات الانتخابية وتبايناتها عن اشكالية الهوية الثقافية في المجتمع الاسرائيلي, وبينت بشكل واضح مدى الانقسامات بين طوائف وتكوينات المجتمع وعكست حالة الفرز الحاصلة بين يهود الشرق والغرب وحالة الاغتراب التي يحياها يهود الشرق في ظل هيمنة يهود الغرب على مفاصل العمل السياسي. ان اليهودية لم تعد الديانة والهوية التي تجمعهم في ظل مجتمع متجانس, لذا فان القيادات الاسرائيلية المتعاقبة تحرص على بقاء التوتر مع الخارج كي يمكن الحفاظ على توحد الداخل وكسر حدة التناقضات الموجودة. ازاء ذلك فان عوامل التصعيد ووفقا للقراءات السياسية الحالية تتعاظم على عوامل التهدئة والاندماج سيما وان وقائع الداخل الاسرائيلي تشير الى ان الاوضاع مرشحة للتطور في اتجاه يهدد الكيان الصهيوني برمته. وقد بدا واضحا ان اليهود الروس كونهم يمثلون حاليا نسبة كبيرة من التكوين البشري لاسرائيل بدأوا في خلق تكتلات واحزاب خاصة بهم تمكنهم من مجابهة المصاعب وخوض اللعبة السياسية في البلاد مع حرصهم على الحفاظ على هويتهم الثقافية وابقاء خطوط اتصال قوية مع موطنهم الذي قدموا منه الى ارض الميعاد المزعومة. وكذلك الحال بالنسبة لليهود الذين قدموا من البلدان العربية وتمارس ضدهم التفرقة والتمييز والعزل السياسي والاجتماعي اضحوا اليوم يشعرون بالاغتراب بين ابناء عقيدتهم التي من اجلها نزحوا من اوطانهم الاصلية. ان المجتمع الاسرائيلي يعيش اليوم حالة من الانقسام والتشرذم والتي من المرجح ان ترتفع مستوياتها بصورة اكثر وضوحا عقب نجاح المسيرة السلمية واستكمال مساراتها المختلفة مع لبنان وسوريا, حينئذ سيلتفت الشعب الاسرائيلي الى الداخل بعد هدوء الجبهات الخارجية لتأخذ النزاعات الداخلية مداها, ويبدأ الحديث عن استحقاقات المواطنة المتساوية وتظهر التناقضات الاجتماعية الى السطح بعد ان ظلت لسنوات طويلة تتأجل تحت دعاوى الوحدة الوطنية ومجابهة العدو الخارجي حينها سيدرك القادة الصهاينة ان دولتهم تأسست على العدوان والاستيطان واستلاب حقوق الآخر تحت شعارات ونظريات عنصرية تناقض المثل والقيم الانسانية. الملف