مع الاعلان قبل ثلاثة أيام في مصر عن اعتزام مجموعة من المحامين تشكيل حزب اسلامي جديد, يكون مفهوم العمل الحزبي لدى قطاع من التيارات الاسلامية قد شهد نوعا من التغيير , يسعى معه عدد من المراقبين لفهم دلالاته.. فالتيارات الاسلامية المتشددة التي ارتبطت بالعمل السري كانت ترفض في البداية الانخراط في العمل الحزبي, واعتمد هذا الموقف على رؤية فقهية ترى ان الديمقراطية تخالف روح الاسلام, وان النظم التي تؤمن (بحكم الشعب والتشريعي الوضعي) هي (نظم جاهلية) , لأن الاسلام ينص صراحة على ان الحكم لا يكون لغير الله, ودرجت التيارات الاسلامية على تفسير الآية القرآنية الكريمة (ان الحكم الا لله) تفسيرا خاصا يرمي الى عدم مشروعية العمل الحزبي. لكن تبعات العمل السري والمواجهة بين هذه التيارات وسلطات الأمن, دفعت التيارات الاسلامية الى اختيارات اخرى, فجماعة الاخوان المسلمين, أعلنت تمردها على تجربة العنف المسلح في تاريخها السياسي, وعملت على الانضواء في التجربة الحزبية والعمل القانوني العلني, فتحالفت مع حزب الوفد في الانتخابات البرلمانية عام 1984 ثم دخلت في تحالف استراتيجي مع حزب العمل وصار لها نفوذها وتأثيرها الواضح داخل هذا الحزب. ومن تجربة الاندماج في حزب العمل الى الرغبة في تكوين حزب جديد.. جاء جيل جديد ارتبط تاريخيا بجماعة الاخوان لكنه انسلخ عنها في طلاق بيّـن, وتمثل هذا في اقدام عدد من الشباب يتقدمهم المهندس أبو العلا ماضي على تجربة تأسيس حزب جديد حمل اسم (الوسط) وبعد رفضه من لجنة الاحزاب ثم المحكمة, عاد بتجربة جديدة حملت اسم (الوسط المصري) وبعد رفضه يعتزم ماضي التصدي للتجربة الثالثة. لكن المفاجأة الحقيقية في هذا الاطار جاءت من صفوف جماعات العنف الراديكالي والتي بدأت تجتاحها عوامل تعرية سياسية كشفت عن اتجاهات جديدة تراجع أفكار العنف وتدعو الى عمل اصلاحي تنويري من خلال حزب سياسي شرعي. وحسب تقدير العديد من المراقبين السياسيين في مصر فإنه قد يكون مقبولا أو مفهوما ان تتجه جماعة الاخوان للعمل الحزبي على اعتبار ان مرجعيتها الفكرية لا تعادي هذا النهج, لكن الامر يبدو غريبا في صفوف جماعات العنف وخاصة جماعتي (الجهاد) و(الجماعة الاسلامية) المحظورتين في مصر, فتلك الجماعات كانت تحكم (بتكفير) كل من يقوم بعمل سياسي في اطار القوانين الوضعية, وحكمت بتكفير أعضاء مجلس الشعب, وهاجمت أدبياتها جماعة الاخوان المسلمين, واعتبرتها خطرا على الاسلام لمجرد أنها وافقت على العمل الحزبي. وبين ليلة وضحاها, طغى على سطح الاحداث مشروعات حزبين للجماعات الراديكالية في اطار (القوانين الوضعية) التي كانت (قوانين كافرة) في رؤية هذه الجماعة قبل ذلك.. فالى جانب المشروع الحزبي الذي اعلن عنه قبل ايام المحامي ممدوح اسماعيل أحد اعضاء جماعة الجهاد السابقين, والذي اتهم في قضية اغتيال السادات عام 1981, كان هناك مشروع حزبي آخر أعلن عنه كمال حبيب وهو أحد قيادات تنظيم الجهاد ايضا وكان قد قضى عقوبة بالسجن لمدة عشر سنوات في قضية اغتيال السادات. وحسب تقديرات من داخل جماعات العنف, فإن هذه المشروعات الحزبية تقع بين طرفي (كماشة) فهي من جهة لاتحظى باعتراف النظام القانوني لنظم العمل الحزبي في مصر بالنظر الى مرجعيتها الدينية الاسلامية, والتاريخي (المسلح) لمؤسسيها الذين تورطوا في احداث يصعب (الغفران) عنها بسهولة.. ومن جهة اخرى فإن هذه الكوادر المؤسسة للاحزاب الدينية ينظر اليهم رفاقهم في حركة العنف باعتبارهم منشقين عن تعاليم الفكر الصحيح لجماعات العنف بعد انحيازهم للعمل في ظل القوانين الوضعية. مراقبون سياسيون في مصر يقرأون هذا المشهد المزدوج من وجهة نظر اخرى, ويعتقدون ان الاعلان عن هذا التيار الجديد يعد تطورا لافكار جماعات العنف خاصة بعد ان ثبت بالتجربة العملية فشل افكار العنف والعمل المسلح وتأثيرها السلبي على كوادر الجماعات, وتصديرها لصورة مشوهة عن الاسلام والمسلحين. وفي المقابل فإن الاعلان عن مشروعات حزبية جديدة بهذا العدد والتنوع يضع تجربة التعددية السياسية في مصر امام تحد كبير.. فهل يمكن التجاوز عن القيود القانونية التي تنفي فكرة الحزب الاسلامي حتى لايضيع على النظام فرصة إحتواء أفكار العنف في اطار حزب شرعي او تستمر هذه البنود القانونية وبالتالي يجمعها هذا التطور ويحصل دعاة العنف على فرصة ذهبية للانقضاض على هذه التطورات داخل حركتهم, وتأكيد أنه لابديل سوى العمل المسلح. اللافت في هذه التطورات ان الحكومة المصرية حسب تقدير المراقبين ترى نفسها في موقع المنتصر على تيار العنف, وتعتقد ان السياسة الحازمة التي تم تطبيقها بصرامة كانت السبب الرئيسي لاجهاض العنف المسلح, ومحاصرة جماعات الارهاب في الداخل والخارج, الامر الذي عكس نفسه على التغيرات الطارئة في صفوف هذه الحركات وحسب هذه الرؤية فإن الحكومة المصرية قد لاتتعاطى جديا مع هذه المشروعات الحزبية لانه لا خطر عليها في حالة عدم الموافقة عليها, كما ان بعض اجنحة النظام تعتبر ان الخطر الحقيقي هو السماح بحزب اسلامي يعيد الى الاذهان تجربة جبهة الانقاذ في الجزائر أو حزب الرفاه في تركيا. ويطرح خبراء السياسة في مصر اشكالية اخرى, وهي تأثير السماح بحزب اسلامي على موقف الاقباط في مصر الذي يصل عددهم الى 12 مليون قبطي, فالمساواة في هذه الحالة تقتضي السماح بحزب قبطي مقابل حزب اسلامي لو طالب بعض الاقباط بذلك, وهي ما يعرض الوحدة الوطنية الى ضغوط قد تسمح باطراف خارجية للعب دور في زيادة تلك الضغوط.. ورغم ان بعض المشروعات الحزبية كمشروعي حزب الوسط لابي العلا ماضي قد حاولت حل اشكالية الاقباط بضم نخبة بارزة من الكوادر السياسية القبطية الى صفوف المؤسسين الا ان ذلك لم يشفع لها امام مجلس الشورى ومحكمة الاحزاب وإذا كان الراجح ان هذه المشروعات الحزبية قد تظل لفترة حبرا على ورق إلا أن دلالتها لا تخفى في ان ثمة تغيير في بعض الجوانب الفكرية والسياسية لدى قطاع من جماعات العنف الراديكالية. القاهرة ـ مكتب البيان